- زاد إيران - المحرر
- 1137 Views
في قلب النجف الأشرف، وبين صفحات المخطوطات الفقهية والأحداث السياسية العاصفة التي شهدها العالم الإسلامي في بداية القرن العشرين، برز اسم آية الله العظمى محمد حسين الغروي النائيني (1859م – 1936م). لم يكن النائيني مجرد مرجع ديني، بل كان شخصية علمية وسياسية متكاملة؛ فقد كان مجدد علم الأصول الذي رفع مستوى الاجتهاد إلى أعلى درجات العقلانية، وقائدًا فكرياً واجه الاستبداد بالقانون بدلاً من السلطة المطلقة.
جمع محمد حسين النائيني بين العقل والإيمان، فقد بدأ رحلته العلمية طالباً للفلسفة في أصفهان، ثم أصبح ثاني أكبر مدرس في النجف بعد الخراساني، ليصبح لاحقاً المنظّر الأول للعلاقة بين الولاية والحرية في كتابه الشهير “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”.
النشأة والرحلة التعليمية
وُلِد محمد حسين نائيني سنة (1860م) في مدينة نائين، في أسرة علمية ودينية مرموقة، كان منزلها مأوى للفقراء والمحتاجين، وملؤه الحب والعطاء. بدأ تعليمه الديني في مسقط رأسه، ثم انتقل في السابعة عشرة إلى أصفهان لمتابعة العلوم الدينية، حيث درس الفقه والأصول والكلام والفلسفة والحكمة والأدب والرياضيات على يد كبار العلماء مثل أبو المعالي الكلباسي، والشيخ محمد باقر الإيوانكي، وجهانگير خان القشقائي.
في 1885م التحق بالحوزة العلمية في سامراء بالعراق، ودرس لدى الميرزا محمد حسن الشيرازي مدة تسع سنوات، وأصبح من خاصته ومستشاره في القضايا السياسية والاجتماعية. بعد وفاة الشيرازي، تابع تعليمه في كربلاء على يد السيد إسماعيل الصدر، ثم استقر في النجف حيث حضر ودرّس في مجلس الآخوند الخراساني، وأصبح من تلاميذه المقربين.
من التدريس إلى تربية العلماء
بدأ محمد حسين النائيني التدريس في النجف الأشرف في حياة أستاذه الآخوند الخراساني، حيث حضر دروسه أكثر من ثلاثمائة طالب. وعلى الرغم من شهرته الكبرى في علم أصول الفقه، حتى لُقّب بـ “مجدّد علم الأصول”، كان متعمقاً أيضاً في الفقه والكلام والفلسفة والرياضيات والأخلاق والعرفان.
كانت دروسه دقيقة وصعبة، وملتقى للخواص والعلماء البارزين، ونال تقدير أساتذته منذ أيام دراسته في أصفهان وسامراء والنجف، وحصل على إجازة رواية الحديث، ومنح بعض تلاميذه إجازة الاجتهاد ونقل الحديث. وصفه العلماء بأنه “عالم جليل، فقيه، أصولي، حكيم، عارف، أديب، عابد ومدرّس”، وكان كثير المراجعة لآرائه الفقهية إذا ظهر له رأي أدقّ.
ترك النائيني أثراً كبيراً في تلاميذه الذين أصبحوا من أبرز أعلام الدين والعلم، ومن أبرزهم السيد أبو القاسم الخوئي، وجمال الدين الكلبايكاني، ومحمود الحسيني الشاهرودي، والميرزا هاشم الآملي، والسيد جواد الحسيني الخامنئي والد المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي.

أخلاق وتقوى النائيني
تميّز النائيني بصفات شخصية رائعة وعبادات عميقة، فقد كان يقدّر الصلاة بشكل كبير، حتى إنه كان يبكي أثناء صلاة الليل خوفاً من الله، ويرتجف جسده أثناء الوقوف للصلاة. كما كان متواضعاً للغاية، يعامل الجميع بالمساواة سواء كانوا علماء أو عوامّ، فقراء أو أغنياء، ويكنّ احتراماً شديداً للعلماء والأساتذة دون تمييز. وكان عاشقاً لمقام ولاية الأئمة، ويسعى دائماً للزيارة والتبرك قبل الفجر في الحرم الشريف.
مؤلفاته الفقهية والسياسية
خلّف محمد حسين النائيني عدداً كبيراً من المؤلفات والتقريرات لدروسه، أبرزها كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، الذي يعكس رؤيته السياسية في الدفاع عن الثورة الدستورية ومواجهة الاستبداد المطلق، حيث قسّم الحكومات ودعا إلى اعتماد النظام الدستوري باعتباره الأقل فساداً وفقاً لمبدأ “دفع الأفسد بالفاسد”، رغم محاولته لاحقاً إتلاف نسخ الكتاب.
وتشمل أعماله الفقهية الأخرى “وسيلة النجاة”، وحواشي على العروة الوثقى، ورسائل في “نفي الضرر” و”التعبدي والتوصلي”، إلى جانب تقريرات دروسه الأصولية والفقهية التي دوّنها كبار تلاميذه، ومن أهمها “أجود التقریرات” لأبي القاسم الخوئي، و”منية الطالب في شرح المكاسب” لموسى الخوانساري.

إسهامات النائيني الفكرية والسياسية
ركّز محمد حسين النائيني في فكره على المشاركة السياسية وضرورة إشراك الأمة في إدارة شؤون الدولة، معتبراً الرقابة الشعبية على السلطة التنفيذية وسيلة لمنع الاستبداد. وأكد أهمية فصل السلطات بين التشريعية والتنفيذية والقضائية لضمان الالتزام بالقانون، كما اعتبر الحرية الحقيقية تتحقق في عبودية الله، واعتبر حقوق المواطنين تشمل الحرية والمساواة والمشاركة والرقابة وحماية الكرامة والأمن المالي، وحق إقامة الاجتماعات المشروعة والاحتجاجات. وشدد على أن البرلمان يجب أن يختار نواباً صالحين وعادلين، وأن القوانين يجب أن تُراجع من كبار الفقهاء لضمان توافقها مع الشريعة.
على الصعيد العملي، شارك النائيني في أبرز الحركات السياسية في عصره، من ثورة التبغ إلى الثورة الدستورية ، كما ساهم في إعلان الجهاد ضد الاحتلال الروسي والبريطاني، وشارك في النهضة الإسلامية في العراق ضد النفوذ البريطاني. وقد كتب نصوص البرقيات والبيانات الرسمية أثناء الثورة، ووثق الأحداث المهمة، ووقف بوجه الاستبداد والاحتلال، حتى أثناء نفيه إلى إيران، حيث واصل التدريس وتثقيف الطلاب، ودافع عن العلماء عند تعرضهم للإهانة، مؤكداً التزامه بحقوق الشعب وحماية العلم والعلماء، واستمر في نشر فكره الإصلاحي والسياسي بأدوات علمه وفتاواه.
خلال الثورة الدستورية، كان دعم النائيني من منظور إسلامي، مؤكداً ضرورة أن يحمي الدستور حقوق الناس ويكون متوافقاً مع قيم الدين والعدالة، ورفض الانحراف عن أهداف الثورة أو العقوبات الظالمة مثل إعدام شيخ فضل الله النوري.
وكتب في هذه الفترة كتابه الشهير “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” عام 1327 هـ باللغة الفارسية، موضحاً المبادئ الدستورية بالأدلة الفقهية، وكاشفاً عن وجوه الاستبداد، ومشدداً على دور العلماء في حماية الأمة، ومفهوم المشاركة الشعبية والرقابة على الحكم، وموضحاً أن الحياة تحت الاستبداد تشبه العبودية.
رغم اعتقاد بعضهم أن أفكار نائيني تتعارض مع النظام الجمهوري الإسلامي بسبب تركيزه على رأي الشعب، فإن هذا الفهم غير صحيح. ففكره متوافق مع النظام الإسلامي الحالي، حيث يشدد على احترام إرادة ومصالح الناس ضمن الحدود الشرعية، كما فعل النبي في فترة حكمه.
ختام حياة النائيني
اختتم آية الله العظمي محمد حسين النائيني حياته بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة الإسلام والمسلمين، حيث وافته المنية في 13 أغسطس/آب 1936م. وشيّع جثمانه الطاهر في النجف الأشرف بحفاوة بالغة، وبعد أداء الصلاة عليه على يد سيد أبو الحسن الأصفهاني، دُفن بجوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب في النجف بالعراق.
عالم ومجدِّد في شخص واحد
في تكريم عالمي له، أكّد جعفر سبحاني أن محمد حسين النائيني لم يكن مجرد عالم فقيه، بل جسّد أمة كاملة في شخصه، جامعاً بين العلم والابتكار والتقوى والالتزام السياسي. وبيّن سبحاني ابتكاراته العلمية في الفقه والأصول، مثل رسائل “الترتب” و”التزاحم”، وربط الأحكام الشرعية بالقضايا الواقعية، موكداً أن زيادة العلم تزيد من بعد الإنسان عن الخطأ والمعصية. ورغم ابتعاده عن السياسة بعد الأحداث العنيفة ضد بعض العلماء، ظل حساساً تجاه أوضاع الأمة، فأصدر فتوى لحماية الثورة الدستورية من فصل الدين عنها، مع احترامه العميق لطلابه وتقديره لدورهم في استمرار العلم.
وأضاف سبحاني أن النائيني كان زاهداً متواضعاً، ذا ذاكرة قوية ودقة علمية عالية، وقد تربى على يده جيل واسع من العلماء الذين واصلوا نهجه في الاجتهاد والتحليل العقلي للمفاهيم الفقهية والاجتماعية. وختم بالقول إن النائيني كان رمزاً للعالم الذي سخّر العلم والعقل والإيمان لخدمة الدين، وفتح في زمن الظلم والاستبداد طريقاً مضيئاً أمام الأمة الإسلامية.

في الختام.. يُعد الشيخ محمد حسين النائيني رمزاً للفقيه الذي دمج بين التخصص الأصولي العميق، المتمثل في أعماله وتقارير تلامذته، وبين الوعي السياسي الرائد. وقد تجسدت هذه الريادة في كتابه “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، الذي رسخ فيه الأساس الشرعي لرفض الاستبداد والدعوة إلى الحكم الدستوري تطبيقاً لمبدأ “دفع الأفسد بالفاسد”. وبهذا، لم يترك النائيني إرثاً فقهياً فحسب، بل ترك منهجاً فكرياً في الجمع بين الشريعة ومتطلبات الإصلاح السياسي.

