- زاد إيران - المحرر
- 536 Views
في كل مرحلة سياسية حساسة تعيشها إيران، يظهر الجدل الداخلي كمرآة لصراع أوسع بين التيارات المختلفة حول هوية النظام وخياراته الاستراتيجية، فالتغييرات في مواقع صنع القرار لا تمر مرور الكرام، بل تتحول إلى مساحة للتأويل والاصطفاف وإعادة قراءة اتجاهات المرحلة المقبلة.
وتحت وطأة التحديات المتراكمة في السياسة الخارجية، يجد الرأي العام نفسه أمام أسئلة متجددة حول طبيعة التحولات الحقيقية داخل البنية السياسية الإيرانية، فهل تعكس هذه القرارات ميلا نحو الواقعية والدبلوماسية، أم أنها مجرد امتداد لخطوط قديمة تعيد إنتاج نفسها بوجوه مألوفة؟
فقد أصدر علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، قرارا اليوم السبت 30 أغسطس/آب 2025، عيَّن بموجبه علي باقري كني، النائب السابق لوزير الخارجية وأمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية والقائم بأعمال وزير الخارجية السابق حسين أمير عبد اللهيان بعد سقوط طائرته هو والرئيس الإيراني وقتها إبراهيم رئيسي في مايو/أيار 2024، مستشارا للشؤون الدولية في المجلس الأعلى للأمن القومي، وقد حضر باقري، اليوم، لقاء لاريجاني مع آرمن غريغوريان، أمين مجلس الأمن في أرمينيا، وذلك بعد دعوة لاريجاني له.

ردود الفعل على التعيين.. صراع التيارات ما زال يتجلى في قراءة التعيينات
هذا وقد أثار هذا التعيين ردود فعل واسعة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وأعاد الجدل حول مسار السياسة الخارجية الإيرانية والخيارات المطروحة أمامها، فيما تم تفسير ظهور باقري بجانب لاريجاني مباشرة دخوله موقعه الجديد.
باقري، المعروف في فترة رئاسة حسن روحاني بكونه من أبرز منتقدي الاتفاق النووي إلى جانب سعيد جليلي، ابتعد لاحقا عن مواقفه السابقة، وكان النائب الأصولي أمير حسين ثابتي، المقرب من جليلي، قد صرح سابقا بأن مواقف على باقري تغيرت كثيرا، وأنه اختلف مع جليلي بشأن الاتفاق النووي.
وبشكل عام، فقد حمل التعيين وجهتي نظر متباينتين، فهناك من انتقد القرار باعتبار أن قرب باقري السابق من جليلي يعني استمرار النهج ذاته في المجلس الأعلى للأمن القومي، ما يجعل التغيير شكليا، في المقابل، رأى آخرون أن ابتعاده في السنوات الأخيرة عن التيار الجليلي وتحوله نحو مقاربة أكثر واقعية، مؤشر على محاولة إعادة رسم التوازن في سياسة المجلس.
وبهذا الشأن، قال الصحفي والمحلل السياسي، محمد حسين خوشوقت: “لقد استاء البعض من صدور حكم تعيين باقري من قبل لاريجاني، بينما الحقيقة أن باقري في عهد رئيسي أوصل مفاوضات الاتفاق النووي إلى نهايات جيدة، لكن المتشددين المعادين للاتفاق أفشلوا المسار وأضروا بالنظام. حينها انفصل باقري عن خط التشدد”.

أما محمد إيماني، عضو مجلس تحرير صحيفة كيهان، الصوت الأصولي الأقوى والمقرب من المرشد الإيراني على خامنئي، فقد دافع عن القرار، حيث صرح: “عندما تم تعيين لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى، أثار المتشددون الإصلاحيون والغربيون ضجة وصلت إلى الحديث عن تغيير استراتيجي في النظام، لكن لاريجاني، رغم كل مسيرته المتقلبة، ظل وفيا للجمهورية الإسلامية، وأثبت في حرب الـ 12 يوما ضد أمريكا والكيان الصهيوني دوره المؤثر في إحباط الحرب النفسية”.

ويتابع: “اليوم، يعتبر تعيين باقري خبر جيد، فهو دبلوماسي متمرس وثوري، ووجوده بجانب لاريجاني سيعزز الخط الأمامي للسياسة الخارجية”.
من جهته، كتب الإعلامي على أصغر شفيعيان، المقرب من حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: “إن باقري بعد ثلاث سنوات من المفاوضات في حكومة رئيسي تحول إلى دبلوماسي حقيقي، ويمكنه أن يكون عونا لسياسة الحكومة المعتدلة في الدورة الرابعة عشرة داخل المجلس الأعلى للأمن القومي”.

كما قال الناشط الإعلامي بهروز عزيزي: “بقرار من الدكتور لاريجاني، أصبح على باقري نائبا للمجلس الأعلى للأمن القومي، نأمل أن يظل محافظا على ابتعاده الحالي عن سعيد جليلي ليكون مصدر خير”.
ومن خلال ردود الفعل، يرجح المحليون أن تعيين باقري لم ينهِ الجدل حول علاقة توجهاته بسعيد جليلي، بل أعاد إحياء النقاش بين من يرونه امتدادا للمدرسة السابقة في التفاوض، ومن يعتبرونه نسخة أكثر واقعية وقادرة على التكيف مع سياسات الحكومة الجديدة.
باقري كني.. الدبلوماسي دائما
عندما يذكر اسم علي باقري كني في المشهد السياسي الإيراني، تتبادر إلى الأذهان واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرا في مسار الدبلوماسية النووية والسياسة الخارجية لطهران خلال العقدين الماضيين، فهو الدبلوماسي الذي جمع بين الخبرة الأكاديمية، والامتداد العائلي في دوائر السلطة، والحضور المباشر في أصعب الملفات الدولية التي واجهتها إيران.
ولد على باقري كني، بطهران، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول عام 1967، وسط عائلة دينية وسياسية بارزة، والده محمد باقر باقري كني كان عضوا في مجلس خبراء القيادة، كما عينه المرشد الأعلى لاحقا عضوا في مجلس أمناء مؤسسة جامعة الصادق، ومن الناحية العائلية، يرتبط باقري كني مباشرة بالقيادة العليا للنظام؛ فهو ابن شقيقة محمد رضا مهدوي كني، في حين تزوج شقيقه بابنة المرشد الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي عزز موقعه داخل بنية السلطة. أما حياته الخاصة فقد شهدت عام 1997 زواجه بابنة ابن عمه، ولديه بنتان.

في سنوات شبابه الأولى، اتجه باقري كني نحو العمل السياسي والإداري، فبعد إنهاء دراسته الجامعية في الاقتصاد بجامعة الإمام الصادق، بدأ مسيرته في مؤسسات الدولة وهو في الثانية والعشرين من عمره، حين التحق بالأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي، وبعد سنوات قليلة، تولى منصبا إعلاميا مهما كنائب للشؤون السياسية في إذاعة الأخبار، قبل أن يعود إلى موقعه الأبرز داخل هياكل السياسة الخارجية عبر المجلس الأعلى للأمن القومي.
صعوده الكبير جاء مع حكومة محمود أحمدي نجاد، من العام 2005 إلى 2013، حين أصبح نائبا لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي ومسؤولا عن ملف المفاوضات النووية، وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه بشكل وثيق بسعيد جليلي، الذي كان الأمين العام للمجلس وقائد فريق التفاوض الإيراني. ومع تعقد المباحثات النووية، برز باقري كني كوجه بارز في الدفاع عن المواقف المتشددة لإيران، وهو ما جعل التيار الأصولي يعتبره أحد ممثليه الأساسيين في المعترك الدبلوماسي.

لكن مسيرته لم تتوقف عند تلك المرحلة. ففي عام 2019، انتقل إلى السلطة القضائية بقرار من رئيسها آنذاك إبراهيم رئيسي، ليتولى منصب نائب الشؤون الدولية ورئيس لجنة حقوق الإنسان في القضاء. هذه اللجنة، التي أُنشئت بقرار من المرشد الأعلى، لعبت دور الدبلوماسية القضائية في مواجهة الانتقادات الدولية بشأن حقوق الإنسان في إيران. وبوجود باقري كني على رأسها، واصل الرجل حضوره في المحافل الدولية وإن بصفة مختلفة عن عمله السابق في الملف النووي.
ومع صعود إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة عام 2021، عاد باقري كني إلى الواجهة الخارجية عبر وزارة الخارجية، حيث عين نائبا للشؤون السياسية وقاد جولات المفاوضات النووية مع القوى الكبرى، وقد اتسمت مواقفه في تلك الفترة بالصرامة والتمسك بالخطوط الحمراء التي يطرحها التيار الأصولي، ما جعله محل انتقادات خصومه الذين اتهموه بإطالة أمد المفاوضات وتعقيد مسارها. ومع ذلك، ظل يحظى بثقة القيادة العليا، وهو ما ظهر جليا عندما أسندت إليه الحكومة منصب القائم بأعمال وزارة الخارجية بعد وفاة الوزير أمير عبداللهيان في حادث تحطم مروحية الرئيس رئيسي.

إلى جانب عمله التنفيذي، ارتبط باقري كني بالحقل الأكاديمي، حيث عمل أستاذا في جامعة الإمام الصادق، وشارك في أنشطة فكرية ونقدية، خاصةً تلك التي تناولت الاتفاق النووي، وفي عام 2013، ومع بداية حكومة حسن روحاني، نشر سلسلة من الانتقادات اللاذعة للاتفاق، وشارك في إعداد مواد إعلامية وفكرية اعتبرت ردا على توجهات التيار الإصلاحي والمعتدل. كما كتب مقدمة للترجمة الفارسية لمذكرات المفاوضة الأميركية ويندي شيرمان، وهو ما عكس اهتمامه الفكري بالملف النووي إلى جانب دوره السياسي.
تجربة على باقري كني لم تخلُ من الجدل، فالمعارضون له يعتبرونه من رموز التشدد الذين ساهموا في عرقلة مسار الحلول الدبلوماسية، حتى إن بعض الأصوات الإصلاحية في أوائل العقد الماضي دعت صراحة إلى دعم حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية بهدف تغيير مسار المفاوضات التي كان يقودها مع سعيد جليلي، لكن على الجانب الآخر، يرى أنصاره فيه نموذجا للمسؤول الملتزم بثوابت النظام والمدافع عن حقوق إيران النووية في مواجهة الضغوط الغربية.
اليوم، وبعد عقود من الحضور في مختلف أجهزة الدولة، من المجلس الأعلى للأمن القومي إلى القضاء ووزارة الخارجية، يمكن القول إن باقري كني أصبح أحد أكثر الوجوه استمرارية في قلب صنع القرار الإيراني. علاقاته العائلية والسياسية، خبرته في التفاوض، وولاؤه للخط الأصولي، جعلته في موقع يتيح له التأثير على مسارات حساسة داخليا وخارجيا. وبين مؤيديه ومعارضيه، يظل الرجل عنوانا للتيار المتشدد في الدبلوماسية الإيرانية، وصوتا حاضرا في كل مرحلة مفصلية من تاريخ المفاوضات النووية للبلاد.

