- زاد إيران - المحرر
- 530 Views
تعيش الساحة السياسية الإيرانية لحظة توتر متصاعد على خلفية إعادة تفعيل الآلية الأوروبية لفرض العقوبات، وهو ما اعتبرته طهران تصعيدا عدائيا يستهدفها مباشرة. وفي خضم هذا المشهد، برزت دعوات قوية داخل البرلمان للانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الإضافي لها، باعتبارها خطوة حاسمة للرد على ما ينظر إليه كضغوط غير مشروعة من الغرب. وبينما يرى أنصار هذا التوجه أن الانسحاب يمثل خيارا استراتيجيا يردع الخصوم ويقلب موازين القوة في المنطقة، يحذّر معارضوه من عواقب سياسية وأمنية خطيرة قد تعمق عزلة إيران الدولية وتفاقم أزماتها الدبلوماسية.
فردا على التصعيد الأوروبي ضد إيران بتفعيل آلية العقوبات، أعلن النائب البرلماني ونائب رئيس لجنة المادة 90 في البرلمان الإيراني، حسين علي حاجي دليجاني، الجمعة 29 أغسطس/آب 2025، عن إعداد مشروع قانون بصفة مستعجلة جدا يقضي بانسحاب إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية المعروفة اختصار NPT، والبروتوكول الإضافي لها، وقال إن هذا المشروع سيطرح خلال جلسات هذا الأسبوع في البرلمان.
وأوضح حاجي دليجاني أن الرسالة الأوروبية وراء إعادة تفعيل العقوبات تكشف سوء نية وضغوطا متزايدة ضد الجمهورية الإيرانية، مشيرا إلى أن سلوك هذه الدول خلال حرب الـ12 يوما التي جمعت إيران وإسرائيل أظهر بوضوحٍ عداءها لإيران، لذا يتعين على الحكومة أن تتخذ ردا حاسما ومساويا لما تفعل الدول الأوروبية.
وتابع حاجي دليجاني قائلا: “في هذا الإطار، سيقدم مشروع قانون الانسحاب من معاهدة NPT والبروتوكول الإضافي مع صفة العاجلة للبرلمان حتى يخضع للإجراءات القانونية”.
وعن مواد المشروع المقدم للبرلمان، أوضح: “سيتكون هذا المشروع من مادة واحدة، مفادها أنه اعتبارا من تاريخ إقرار هذا القانون، تخرج إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية والبروتوكول الإضافي لها، ويلغى قانون المعاهدة الذي أُقر في 12 يناير/كانون الثاني 1970 بما فيه من تعديلات لاحقة”.
ويذكر حاجي دليجاني: “كما يلزم المشروع الحكومة الإيرانية بأن توقف فورا، وردا على نقض الالتزامات من قبل أميركا والدول الأوروبية الثلاث وإحالة الملف إلى مجلس الأمن، تنفيذ جميع متطلبات معاهدة NPT، وأن تقطع أي مفاوضات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث، وأن تنهي جميع أشكال التعاون الرقابي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كذلك فيجب على وزارة الخارجية ومنظمة الطاقة الذرية أن تقدما خلال أسبوع تقريرا شاملا للبرلمان حول الإجراءات المتخذة بموجب هذا القانون”.
هذا وسيدرج مشروع القانون ذي الصفة العاجلة جدا على جدول أعمال البرلمان دون انتظار دوره، بحيث إذا أقرت صفة العجلة الفائقة للمشروع، ستناقش مواده التفصيلية وتصوت في الجلسة العلنية ذاتها، كما سيحضر أعضاء مجلس صيانة الدستور جلسة البرلمان أثناء مناقشة المشروع، ليبدوا رأيهم حول مدى تطابقه مع الشرع والدستور في حال إقراره.
أصوات رافضة للخروج من المعاهدة
رغم حالة الغضب التي يعيشها الجميع في طهران بعد التحركات الأوروبية الأخيرة، فإن هناك البعض يصف مسألة الخروج من معاهدة منع انتشار السلاح النووي بالمبالغ فيها، فبهذا الشأن صرح علي أكبر صالحي، وزير الخارجية الإيراني الأسبق والرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية، الجمعة 29 أغسطس/آب 2025، بأن “الحديث في هذا الموضوع، برأيي، يندرج حصرا ضمن صلاحيات القائد، لأن توجيه القائد في هذه المسألة يحمل وجها شرعيا ووجها حكوميا”.
كذلك، فقد أوضح صالحي أن “الأفراد أو الهيئات الحكومية مثل البرلمان لا يمكنهم، من حيث المبدأ، أن يعلنوا موقفهم في مثل هذه القضايا دون الرجوع إلى القيادة، المتمثلة في المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي، لأن مثل هذه التصريحات قد تستغل من قبل الأعداء بسبب المكانة الحساسة لإيران في الساحة الدولية الظالمة، وهو ما يزيد مشاكلنا الدبلوماسية أضعافا”.
من جانبه، كتب محمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات الإيراني الأسبق في حكومة إبراهيم رئيسي، في منشور على قناته في تلغرام، السبت 30 أغسطس/آب 2025، أن مشروع الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي من منظور القانون الدستوري لا يملك أي وجاهة، بل قد يكون مؤشرا على فهم خاطئ لدور البرلمان في النظام القانوني للبلاد.
وأوضح آذري جهرمي خلال منشوره: “وفق المادة 176 من الدستور، فإن تحديد السياسات العامة للأمن القومي والسياسة الخارجية هو من صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي، وتصبح هذه القرارات نافذة بعد تأييد القائد، والانسحاب من معاهدة دولية من هذا النوع يعد من السياسات الكبرى، ولا يمكن متابعته عبر مجرد مشروع قانون برلماني، كذلك، تنص المادتان 77 و125 بوضوح على أن البرلمان له فقط صلاحية التصديق أو الرفض للعقود والمعاهدات الدولية، أي أن دوره رقابي وتشريعي، ولا يمتد إلى تقرير الخروج أو البقاء في معاهدة أساسية مثل تلك”.
وتابع: “وبحسب المادتين 76 و89، يمتلك البرلمان أدوات قوية لمراقبة السياسة الخارجية، كالتحقيق والاستجواب، طرح الأسئلة، بل وحتى سحب الثقة من وزير الخارجية، هذه الأدوات متوافقة مع الدستور، لكن تقديم مشروع للانسحاب من معاهدة دولية يتجاوز حدود صلاحيات البرلمان”.
وختم جهرمي بالقول: “إن الدستور قد حدد دور البرلمان في السياسة الخارجية بكونه مراقبا ومصادقا، لا صاحب قرار في السياسات العليا، ومن هذا المنطلق، فإن مشروع الانسحاب من المعاهدة لا يملك أي وجاهة دستورية، بل يعكس فهما غير صحيح لمكانة البرلمان في النظام القانوني الإيراني”.
كذلك، كتب رحمن قهرمان بور، المحلل في شؤون السياسة الخارجية، على حسابه عبر تويتر، قائلا: “خلال العقود الماضية انضمت دول عدة، كالبرازيل، الأرجنتين، كوبا وغيرها، إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، لكن دولة واحدة فقط، وهي كوريا الشمالية، انسحبت منها، ولم يقبل مجلس الأمن هذا الانسحاب بعد ولم يصادق عليه، خروج العضو الثاني، أي إيران، من هذه المعاهدة سيكون تهديدا أكثر خطورة لها”.
أيضا، علق أمير علي أبو الفتح، الخبير في الشؤون الأمريكية، على طرح موضوع الانسحاب من المعاهدة قائلا: “إن الانسحاب من المعاهدة من دون قرار ببناء سلاح نووي عمل عبثي، أما السعي لبناء السلاح النووي فمعناه الذهاب طواعية إلى حرب أشد بكثير من حرب الأيام الـ12، ومن دون تحقيق الردع غير النووي، فإن محاولة الوصول إلى الردع النووي ستكون مدمرة لإيران”.
مجيد شاكرِي، الخبير الاقتصادي والمقرب من محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، كتب: “حين تطرحون الانسحاب من الـNPT كتهديد متكافئ مع عودة العقوبات، أنتم في الحقيقة تظهرون أنكم لم تدركوا تغير نظرة الغرب إلى إيران مقارنة بما كان عليه قبل سبع سنوات”.
بدوره كتب محسن صالحي خواه، الصحفي الإيراني: “إذا انسحبت إيران من الـNPT فلن يكون عليها أي التزام تجاه الوكالة الدولية، غير أن انسحابها سيفسر ويروج على أنه عزم على صناعة السلاح، ومع عودة الملف إلى الفصل السابع خلال 30 يوما وقطع العلاقات مع الوكالة، حتى إن لم تتجه إيران نحو التسلح، سيظل احتمال شن هجوم واسع عليها مرتفعا جدا، لأنها ستعتبر هدفا مشروعا، رغم أن التزاماتها السابقة لم تمنع الحرب أصلا”.
أصوليون يدفعون نحو الخروج
على الجانب الآخر، وبطبيعة الحال في إيران، يرى المعسكر الأصولي أن الخروج الآن من تلك المعاهدة أمر ضروري وحتمي في تلك المرحلة، وقد عبر عن ذلك حسين شريعتمداري، مدير صحيفة كيهان الأصولية، والذي كتب في مقال في عدد الصحيفة للسبت 30 أغسطس/آب 2025، حيث قال: “لا تشكّوا أبدا في أن الخطوة الأخيرة للدول الأوروبية الثلاث هي امتداد للحرب التي استمرت 12 يوما، وجاءت بهدف تعويض هزيمة أميركا والكيان الصهيوني، لم يعد الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي مجرد ضرورة مؤجلة، بل أصبح الهجوم المضاد الإيراني في مواجهة هجوم العدو، وأي تأخير في القيام به سيكون بمثابة منح الخصم فرصة إضافية”.
ويتابع: “إن الانسحاب من المعاهدة سيمثل صفعة قوية ستغير، ليس فقط حسابات أميركا وأوروبا، بل أيضا مجمل معادلات القوة في المنطقة، إن هذه الخطوة ستخرج إيران من حالة قابلة للتوقع، وتزيد تكلفة الحسابات الغربية، إن إيران قادرة حاليا، من خلال الاستفادة من طاقاتها الداخلية، وتعزيز ارتباطها بالاقتصادات غير الغربية، كالصين، روسيا، أمريكا اللاتينية، أفريقيا، وتطوير دبلوماسيتها الإقليمية، وزيادة قدرتها الرادعة في المجال الدفاعي، ومواصلة التقدم في الصناعة النووية، على مواصلة مسار المقاومة الفاعلة”.
بدوره علق مسعود براتي، الخبير في شؤون العقوبات والمقرب من دائرة سعيد جليلي الشخصية الأصولية الأشهر في إيران، على خبر تفعيل الآلية والخروج من المعاهدة قائلا: “الخيار المعقول هو إعلان الانسحاب من الـNPT بالتزامن مع عودة القرارات الدولية، بحيث يصبح هذا التهديد عمليا”.
ما هي معاهدة منع انتشار السلاح النووي، وعواقب الخروج منها؟
وضعت معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية عام 1968 ودخلت حيز التنفيذ سنة 1970، وتهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية، والدفع باتجاه نزع السلاح، وضمان الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتضم المعاهدة اليوم أكثر من 190 دولة، فيما امتنعت أو انسحبت أربع دول فقط عنها وهم الهند، باكستان، إسرائيل وكوريا الشمالية، وكانت إيران قد وقعت على المعاهدة سنة 1968، وصادق عليها البرلمان عام 1970، ومنذ ذلك الحين تخضع طهران نشاطاتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا وتنص المعاهدة على تقسيم الدول الأعضاء إلى فئتين، الدول المالكة للسلاح النووي، كالولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، وهي ملتزمة بخفض ترساناتها النووية وتقديم التكنولوجيا النووية السلمية للدول الأخرى، والدول غير النووية والتي يحق لها امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية شرط عدم التوجه نحو تصنيع السلاح، مع خضوع أنشطتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أما عن العواقب الخروج منها، فوفقا للمادة العاشرة من المعاهدة، يمكن لأي دولة الانسحاب منها عبر إعلان رسمي وتبرير أمني، غير أنّ لذلك تداعيات واسعة، أبرزها ضغوط سياسية وقانونية، فقد ينظر إلى الانسحاب كإشارة على توجه نحو الخيار العسكري، مما يخلق إجماعا أوسع ضدها في المجتمع الدولي، وفرض العقوبات، فوقف التعاون مع الوكالة الدولية والتخلّي عن التزامات المعاهدة قد يدفع مجلس الأمن والدول الغربية إلى فرض عقوبات قاسية، كذلك العزلة الدولية، فقد تخسر الدولة المنسحبة تعاونها العلمي والتكنولوجي السلمي مع دول كثيرة، وتتعرض لضغوط اقتصادية متزايدة.

