خبير سياسي إيراني: إيران تحافظ على أدوات الدبلوماسية رغم العقبات الغربية

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الخميس 28 أغسطس/آب 2025، حوارا مع حسن بهشتي‌ بور، خبير الشؤون الدولية، حول التطورات الأخيرة في المفاوضات النووية الإيرانية وآلية الزناد والتحديات الدبلوماسية المرتبطة بها، وفي ما يلي نص الحوار:

كيف تقيم نتائج المباحثات الأخيرة بين إيران وثلاثي أوروبا في جنيف؟

نظرا لأنني لم أكن حاضرا في المفاوضات ولا أملك معلومات مباشرة، يمكن استنتاج أنه لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق نهائي استنادا إلى النتائج والتصريحات اللاحقة، بما في ذلك تقارير نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي والمسؤولين الأوروبيين.

والواقع أن الدول الأوروبية تتوقع من إيران السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول إيران لإجراء تقييم دقيق للأضرار المستوجبة، واستمرار التعاون الإيراني مع الوكالة بشكل مستمر.

وفي هذا السياق، يبدو أن إيران وافقت على الجزء الأول من هذا الطلب، وهو إرسال مفتشي الوكالة، حيث أعلن المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، أن المفتشين زاروا إيران وبدأوا نشاطهم، ومع ذلك، أصدر مجلس الأمن القومي التابع للبرلمان الإيراني موقفا طالب فيه الحكومة بالاستمرار في تنفيذ القانون المعتمد من البرلمان، لكن القرار النهائي يعود لمجلس الأمن القومي الأعلى الذي اتخذ القرار بهذا الشأن.

ومن جهة أخرى، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تبدأ إيران مفاوضاتها مع الجانب الأمريكي، لأنها تدرك جيدا أن العقبة الأساسية في الملف النووي الإيراني تعود إلى الولايات المتحدة وليس إلى الأطراف الأوروبية، ومع علمهم بأن الولايات المتحدة قد استهدفت ثلاثة مواقع نووية تحت إشراف الوكالة، يظل الأوروبيون مصممين على أن تبدأ إيران المفاوضات مع الولايات المتحدة.

.

كما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إيران لا مانع لديها من إجراء مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، شريطة أن تعترف واشنطن بحقوق الشعب الإيراني وتقدم ضمانات بعدم شن أي هجوم عسكري على إيران، وهو شرط يبدو حاليا غير مقبول من الجانب الأمريكي.

لذلك، لدى الأوروبيين توقعات من إيران، تم تلبية جزء منها، بينما يبقى جزء آخر عمليا صعب التنفيذ، بالمقابل، يقترحون تأجيل آلية الزناد لمدة ستة أشهر، وهو اقتراح يثير مشكلات، أولها أنه من غير المؤكد أن يحظى مشروع القرار الروسي بموافقة الولايات المتحدة، وثانيها أن تمديد آلية الزناد يتطلب إصدار قرار جديد قد يتم نقضه من قبل الولايات المتحدة، إلا إذا تم التوصل إلى اتفاق يجذب رضا الجانب الأمريكي، ولم تُنشر معلومات دقيقة بهذا الشأن.

إضافة إلى ذلك، فإن تمديد هذه الفترة لمدة ستة أشهر سيضع إيران في حالة من عدم اليقين، ومن وجهة نظري، من الضروري أن يتم حسم هذا الملف مرة واحدة للأبد واتخاذ القرار النهائي بشأنه، بحيث لا يتم تمديد الوضع لمدة ستة أشهر أخرى، على الرغم من أن الدبلوماسية في هذه الفترة القصيرة من غير المرجح أن تحقق تقدما ملموسا.

أعلن عراقجي استعداد إيران المشروط للتفاوض مع الولايات المتحدة مع ضمانات بعدم الاعتداء، هل يمكن أن يتيح هذا موقفا جديدا للدبلوماسية؟

تستند تصريحات عراقجي إلى المبدأ الأساسي القائل بأنه لا ينبغي للبلدان أن تحرم نفسها من أدوات الدبلوماسية، فعندما يعلن بلد ما رفضه التفاوض، فإنه بذلك يحرم نفسه بشكل غير مباشر من وسائله الدبلوماسية، وعلى الرغم من الوعي بأن الولايات المتحدة قد هاجمت منشآت نووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو إجراء يخالف القوانين الدولية، إلا أن الطرف الرئيسي في هذا الملف هو الولايات المتحدة.

لذا فإن التأكيد على عدم الاستعداد للتفاوض مع الجانب الأمريكي يعني عمليا إضعاف أدوات إيران الدبلوماسية، وليس الولايات المتحدة.

والنقطة الأساسية هنا هي أن إعلان عراقجي استعداده لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بشروط معينة يهدف إلى الحفاظ على أدوات الدبلوماسية وإظهار للعالم أن إيران منفتحة على الحوار وتسعى لتجنب الحرب. 

وللأسف، هذه الجوانب الإيجابية غالبا ما يُغفل عنها داخليا، حيث يرى البعض داخل إيران أن أي مفاوضات مع الولايات المتحدة غير مجدية نظرا لانتهاكاتها السابقة وافتقارها للموثوقية، ويشككون في جدوى أي حوار.

ومع ذلك، حتى إذا لم تسفر المفاوضات عن نتائج فورية، فإن إيران لا يجب أن تحرم نفسها من أدوات الدبلوماسية، ومن المهم أن تبقي إيران أبواب الحوار والحلول السياسية مفتوحة، وأن تُظهر للعالم التزامها بالتفاوض وحل النزاعات سلميا، وهو أمر ذو قيمة وأهمية كبيرة ويُعتبر معيارا دوليا.

كما أن الاعتقاد الخاطئ بأن التفاوض يعني التنازل أو الخيانة أو الاستسلام غير صحيح، فإيران تحافظ على مواقفها وتطرح وجهات نظرها، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق الأبواب أمام الدبلوماسية، ويمكن للدبلوماسية والحلول السياسية أن تخلق فرصا متعددة ربما يصعب تصورها في الظروف الحالية، لذا لا ينبغي لإيران أن تحرم نفسها من هذه الأدوات أو أن توحي للرأي العام الداخلي والعالمي بأن كل مفاوضة يجب أن تؤدي فورا إلى نتائج ملموسة.

وفي بعض الأحيان، يُجرى التفاوض كإجراء تكتيكي فقط لإظهار الالتزام بالحوار وتجنب المواجهة العسكرية، وهو بحد ذاته قيمة دولية، وعدم الوصول إلى نتائج فورية يُعزى إلى اعتقاد البعض بأن إيران تتبنى نهجا غير بناء، وإذا أعادت إيران النظر في نهجها، فقد تتيح ذلك خلق حلول جديدة.

وعندما تعلن إيران رفضها التفاوض تماما وتصف القرارات الدولية بأنها مجرد أوراق، فإن ذلك يفرض ضغوطا دولية أكبر عليها، أما ما يهم إيران فهو السعي لمنع عودة القرارات واتباع الحلول السياسية والدبلوماسية، حتى وإن لم يتغير النهج العام لإيران. 

ومن الفوائد الأساسية لهذا النهج أن الحديث عن الحوار والمفاوضات يقلل الضغوط الدولية مقارنة بالاعتماد على مواقف متشددة وغير بنّاءة، ومثل هذه المواقف قد تؤدي إلى صدور قرارات متعددة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وما يترتب على ذلك من تداعيات ثقيلة على إيران.

والناقدون الداخليون لا يولون الاهتمام الكافي لصعوبة إدارة الملف الإيراني بموجب الفصل السابع لمجلس الأمن، حيث كان التوصل إلى برجام واحدا من أهم الإجراءات لتخفيف هذه التهديدات وضمانات الأمن، لكن هذه الجوانب غالبا ما يتم تجاهلها، فالبعض يركز فقط على احتمال تعرض إيران لقرارات مشابهة لتلك التي صدرت بين عامي 2005 و2010، متجاهلين أهمية الجهود الدبلوماسية وتعقيدات رفع العقوبات المفروضة بموجب الفصل السابع.

كيف تقيّم زيارة مفتشي الوكالة لإيران في هذه المرحلة؟

إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي هيئة دولية تشرف على الأنشطة النووية للدول المختلفة، بما في ذلك إيران، وهذه الهيئة تتمتع بشرعية دولية، سواء أردنا ذلك أم لا، وانتقادنا يوجه لمديرها الحالي وليس للوكالة نفسها. 

وأحيانا في إيران يُحسب أداء مدير الوكالة والمفتشين الذين عملوا ضد مصالح إيران الوطنية على حساب الهيئة بأكملها، ومن وجهة نظري، يجب التفريق بين الاثنين؛ أي توضيح للرأي العام أن انتقادنا موجَّه لأداء المدير، أي غروسي، لأنه تجاوز حدود صلاحياته.

وينبغي أن يقتصر دوره على المسائل الفنية والقانونية وفقا للنظام الأساسي للوكالة، لكنه يتخذ مواقف سياسية تحت تأثير إسرائيل والولايات المتحدة والضغوط المفروضة من قِبلهما، فمشكلتنا هي مع غروسي وبعض المفتشين الذين خالفوا القواعد، وليس مع جميعهم. وهذه المخالفات مثبتة بالأدلة المقدمة للوكالة، وحتى وسائل الإعلام الغربية تناولت ذلك. 

وهؤلاء الأفراد ارتبطوا فعليا بأجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، لذا، لا ينبغي أن يُحسب أداء بعض المفتشين، مثل 5 إلى 10 منهم من أصل 120، وأداء المدير على حساب الهيئة بأكملها.

ويجب علينا التفريق بين الحقائق؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية هيئة دولية مستقلة، مثل الأمم المتحدة، وقد نوافق على بعض سياسات الأمم المتحدة ونرفض بعضها، لكن انتقادنا لسياسة الأمين العام لا يعني رفضنا للمنظمة بأكملها، وهذا المنطق ينطبق أيضا على حقنا النووي؛ فعندما نطالب بحق الطاقة النووية، نستند إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT التي أُنشئت بموجب نفس الوكالة.

باختصار، تعاوننا مع الوكالة يجب أن يتم وفق أطر محددة، ويبدو أن مجلس الأمن القومي الأعلى سيتولى ذلك مستقبلا، وأي تعاون إيراني مع الوكالة سيُقرر من خلال هذا المجلس، مع مراعاة جميع الجوانب والاعتبارات المختلفة، كما شرحت بعضها. 

وهذا التعاون يهدف عمليا إلى إزالة الذريعة من الطرف المقابل الذي يستغل الموضوع سياسيا، وحتى إن لم تصل المفاوضات إلى نتيجة، فإن هذا المسار سيحدد مصير ما يُسمى بالاتفاق النووي وقرار 2231 على الأقل حتى 19 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وعلينا التعامل مع الوكالة بتعقل، وإلا فإن عدم التفاعل سيزيد الضغوط على إيران ويجعل الأجواء أكثر سلبية.

Image

هل من المحتمل أن تتبنى إيران أو الترويكا الأوروبية نهجا أكثر مرونة قبل تفعيل آلية الزناد؟

أرى أن موقف الدول الغربية ينبع من ضيق الوقت حتى نهاية أغسطس/آب 2025، ولديهم فرصة حتى بداية سبتمبر/أيلول 2025 إذا أرادوا تفعيل آلية الزناد، وبذلك، حتى في حال صدور قرار جديد في مجلس الأمن، سيكون ملزم التنفيذ ويمكن تفعيله مجددا خلال ستة أشهر تقريبا دون تصويت. 

ولذلك، من المنطقي أن نعتبر أن آلية الزناد ستُفعل وأن نبحث منذ الآن عن طرق لإدارة الوضع بعد تفعيلها، فنحن سبق أن أدرنا القرارات بين سنوات 1385 و1392، وبالمثل يمكننا إدارة الوضع مجددا الآن، إذ تشير جميع المؤشرات والظروف إلى أن هذه الآلية ستُفعل، ومن الأفضل أن نفكر مسبقا في كيفية إدارة تبعاتها الصعبة بدل الانتظار لتجربتها بعد ستة أشهر.

إذا لم يتم التوصل إلى حل وسطي، فسيتم تفعيل آلية الزناد، ما الأدوات التي يمكن لإيران استخدامها في هذه الحالة؟

يُقترح أن تسعى إيران لإقناع الصين باتخاذ موقف أكثر حزما تجاه تفعيل آلية الزناد، فقد أعلنت الدول الأوروبية الثلاث أنها قد تمتنع عن تنفيذ الآلية في حال تفعيلها، وبحسب التصريحات الأخيرة من روسيا، فإن إيران لا تعتبر نفسها ملتزمة بتنفيذ العقوبات الناتجة عن تفعيل آلية الزناد. 

وهذا الموقف له أهمية كبيرة، وإذا تم تطبيقه، فقد يدفع الأطراف الأوروبية لإعادة النظر في قرارها، ومع ذلك، يعتمد ذلك على الإجراءات والقرارات التي تتخذها إيران خلال الأيام الأربعة المقبلة، إذ سيكون لهذه القرارات القصيرة الأجل دور حاسم، ويبدو أن جميع الأطراف والفاعلين الدوليين يسعون لتفعيل هذه الآلية، ولذلك يجب على إيران، باستخدام أدواتها الدبلوماسية، وخصوصا من خلال التشاور مع الصين وروسيا، إدارة هذا التهديد.

مع إعلان روسيا مسودة قرار لتأجيل تفعيل آلية الزناد، ما تقييمك لتأثير هذا التحرك في الفترة الحالية؟

وفقا للسياسي البارز محمد جواد ظريف، حين طُرحت مسألة آلية الزناد، كانت الولايات المتحدة تسعى لآلية لا تحتاج لتصويت متجدد لتجنب فيتو روسيا، بينما اقترحت روسيا مراجعة وضع إيران كل ستة أشهر، ما يحقق مصالحها ومصالح الصين لكنه لم يكن مناسبا لإيران، فإيران نجحت حينها في تثبيت سقف زمني عشر سنوات لإنهاء القرار 2231. 

والآن، أفضل موقف لروسيا هو إعلان عدم التزامها بتفعيل الآلية، وإذا اتبعت الصين نفس الموقف، سيكون ذلك في صالح إيران، بينما التأجيل الدوري كل ستة أشهر يضر بالمصالح الوطنية لإيران.

كيف ترى دور اللوبيات اليهودية وإسرائيل في عرقلة الدبلوماسية بين إيران والغرب؟

إن القضية النووية الإيرانية منذ 2002 بدأت بإسرائيل بدعم أمريكي، والولايات المتحدة كانت حاضرة في كل مراحلها، ورغم أن الأجهزة الأمريكية لم تجد أي دليل على سعي إيران للسلاح النووي، استمر الإسرائيليون والأمريكيون في دفع الملف، وستنتهي هذه القضية فقط عندما تتمكن إيران من إزالة الذرائع التي يستخدمونها، لأنهم على مدى 23–24 عاما استمروا في ابتكار ذرائع جديدة، وحتى تجاوز آلية الزناد لن يوقف ذلك.