- زاد إيران - المحرر
- 479 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة “هم ميهن” الإيرانية الإصلاحية، الخميس 3 يوليو/ تموز 2025، تقريرا استعرضت فيه كيفية استخدام دونالد ترامب المعلومات الاستخباراتية الأمريكية بشكل انتقائي لتبرير هجماته على إيران، وليس لفهم واقعي لبرنامجها النووي. كما سلّط الضوء على التناقض في رواياته، والدور الإسرائيلي في تأجيج التهديد الإيراني ودفع واشنطن نحو المواجهة.
ذكرت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دخل في خلاف مع وكالات الاستخبارات الأمريكية مرتين خلال أسبوع واحد بشأن البرنامج النووي الإيراني. في كلتا الحالتين، دفع ترامب بروايته الخاصة، غير أن التناقضات بين الحالتين كانت واضحة وذات اتجاهات معاكسة.
وأردفت أنه قبيل انضمام الولايات المتحدة إلى الهجوم الإسرائيلي على إيران، رفض إفادة تولسی غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، التي أكدت خلالها أن المجتمع الاستخباراتي لا يرى دليلا على سعي إيران لإنتاج سلاح نووي، وأن المرشد الأعلى أوقف برنامج الأسلحة النووية عام 2003. إلا أن ترامب علّق على ذلك بقوله: “إنها مخطئة”.
وأضافت أنه أنكر بعد تنفيذ الضربة الجوية الأمريكية، والتي زعم أنها “دمرت بالكامل” القدرات النووية الإيرانية، التقارير الإعلامية المستندة إلى تقييم أولي من وكالة استخبارات الدفاع، والتي أفادت بأن الهجمات ربما أخّرت البرنامج الإيراني لبضعة أشهر فقط. وفي الوقت ذاته، أصرت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، على أن هذا التقييم “غير صحيح تماما”، فيما أعاد ترامب استخدام تعبير “تدمير كامل” مرة أخرى.
وتابعت أن ترامب، في الحالة الأولى، اتهم وكالات الاستخبارات بالتقليل من شأن تهديد مفترض، وفي الحالة الثانية، اتهمها بالمبالغة في تقدير ما تبقى من هذا التهديد بعد الهجوم الأمريكي. وبينت أن هذا التناقض لا يُظهر تحولا مفاجئا في موقف الوكالات الاستخباراتية، بل يعكس محاولة من ترامب لتشويه الحقائق وإظهار نفسه كقائد واجه تهديدا حقيقيا وتعامل معه بصرامة.

وبيّنت أن الإدارة الأمريكية سعت إلى دحض أي رأي يشير إلى أن تأثير الهجمات لم يكن كبيرا أو مستداما. في هذا السياق، أصدر جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بيانا يفيد بأن “معلومات موثوقة” تُظهر تضرر البرنامج النووي الإيراني بشدة. كما صرّحت تولسی غابارد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأن “المعلومات الجديدة تؤكد ما ردده الرئيس مرارا: تم تدمير المنشآت النووية الإيرانية”.
أوضحت الصحيفة أن هذه التصريحات أغفلت النقاط الجوهرية المتعلقة بحكمة الهجمات الأمريكية والعواقب المحتملة للمواجهة مع إيران. رغم إقرار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بحصول “أضرار كبيرة وجدية”، فإن الأضرار المادية لا تعني بالضرورة فقدان القدرة على إعادة البناء.
وأشارت إلى أن المواد والمعدات التي لم يتم تدميرها، من شأنها أن توفر أساسا لإعادة تشغيل البرنامج. فمثلا، منشأة فوردو للتخصيب، والتي كانت هدفا رئيسيا للهجمات، تقع في أعماق الأرض بدرجة تجعل تدميرها بالكامل بواسطة قنابل خارقة للتحصينات أمرا مشكوكا فيه. ورغم ذلك، رجّح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أن أجهزة الطرد المركزي قد توقفت عن العمل بسبب حساسيتها للاهتزازات.
وذكرت الصحيفة احتمال أن تكون إيران قد نقلت كميات من اليورانيوم المخصب، ربما تصل إلى 400 كغم بتركيز 60%، إلى أماكن مجهولة، تحسباً للهجوم. كما أن الكفاءات العلمية والهندسية التي شاركت في البرنامج النووي لا تزال موجودة، ومنتشرة داخل البلاد، بما يصعب على إسرائيل حتى استهدافها بالاغتيال.
وأردفت أن هذه الخبرات البشرية يمكن توظيفها في إعادة بناء أي منشأة نووية، بما في ذلك منشآت تحويل اليورانيوم التي سلط الضوء عليها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وأشارت إلى أن كلا من راتكليف وغابارد زعما أن إيران تحتاج “سنوات” لإعادة بناء منشآتها، بينما قال ترامب إن البرنامج الإيراني “تم القضاء عليه لعدة سنوات مقبلة”. وعندما سُئل عن احتمالية شن هجوم جديد، أجاب: “لن أقلق بشأن ذلك”، في إشارة ضمنية إلى بقية فترة ولايته.
وتابعت أن تقديم مثل هذه التوقعات يُعد أمرا صعبا للغاية، ليس فقط لغياب الأدلة الميدانية، والتي لا تتوافر حاليا إلا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل أيضا لأن وتيرة إعادة الإعمار تعتمد على أولويات الحكومة الإيرانية ومدى التزامها.

استحضرت الصحيفة في هذا السياق ما قاله رئيس وزراء باكستان السابق، ذو الفقار علي بوتو، في سبعينيات القرن الماضي، بأن شعبه “سيأكل العشب” إن لزم الأمر لامتلاك سلاح نووي. كما استعادت التجربة العراقية بعد تدمير مفاعلها النووي عام 1981، حيث شرع نظام صدام حسين في برنامج نووي سري مُعجّل قرّبه أكثر من أي وقت مضى من امتلاك سلاح نووي.
وأشارت إلى أن محاولات الإدارة لتبرير الضربات الأمريكية، خصوصا بشأن نوايا إيران، تفتقر إلى المنطق. فالتهويل من شأن تهديد خارجي يكون أكثر سهولة عندما يدور الحديث حول “النية” وليس “القدرة”. إذ يمكن دحض المزاعم بشأن القدرة بالأدلة، أما النيات فلا يمكن التحقق منها بدقة.
وأوضحت الصحيفة أن غياب أي دليل قاطع على نية إيران لصنع سلاح نووي قد يُستخدم من قبل ترامب لاحقا لتبرير موقفه، بادعاء أن ردعه هو ما أثنى الإيرانيين عن ذلك. وإذا ما قامت إيران مستقبلا ببناء سلاح نووي كرد فعل، فسيقول ترامب إن ذلك كان نيتهم منذ البداية.
وبيّنت أن الغموض المتعمد في الرواية الرسمية يخدم حملة ترامب، خاصة في ظل ميول الرأي العام الأمريكي إلى افتراض الأسوأ فيما يخص إيران. كما أظهرت دراسة استطلاعية عام 2021 أن 61% من الأمريكيين يعتقدون خطأ أن إيران تمتلك سلاحا نوويا.
وأردفت أن جهود إسرائيل المتواصلة في تقديم إيران كتهديد خطير أثّرت على النخب وصنّاع القرار في الولايات المتحدة، حيث ضُخت معلومات متفرقة، و”تسريبات جديدة” لم تكن إلا إعادة صياغة لمعلومات قديمة، واعتمدت على فرضيات تتطلب سلسلة من أسوأ السيناريوهات لإثباتها.
وتابعت الصحيفة أن نجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات استخباراتية معقّدة داخل إيران يكشف عن حجم تغلغلها الأمني هناك. فإذا كانت أفضل المعلومات التي حصلت عليها هي هذه التسريبات الغامضة، فإن ذلك يُعد مؤشرا على عدم وجود قرار إيراني لصنع قنبلة نووية.

وذكرت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنذ أكثر من ثلاثين عاما، يزعم أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي. لكن تكرار هذه المزاعم دون تحقق يضعف مصداقيته، خاصةً أن هدف إسرائيل الأساسي هو دفع الولايات المتحدة نحو الحرب مع إيران.
وأوضحت أن أي معلومة تقدمها إسرائيل تمثل جزءا صغيرا ومختارا بعناية من كمّ هائل، بما يخدم فقط هدفها المتمثل في جرّ واشنطن للمواجهة، وهو ما يُعرف بنشر المعلومات الانتقائية، وهو أمر يدركه الأمريكيون جيدا منذ تجربة غزو العراق عام 2003.
وأفادت بأن التصريحات الأخيرة لراتكليف وغابارد، التي تهدف إلى دعم مزاعم ترامب بتدمير البرنامج النووي الإيراني، لا تُعد تقييما استخباراتيا موضوعيا، بل استمرارا لنمط التضليل الانتقائي. على سبيل المثال، حديث راتكليف عن “معلومات جديدة” دون توضيح ما لم يُدمَّر أو ما يمكن إعادة بنائه، يُظهر عدم التوازن في العرض.
وختمت بأن ترامب كان يسعى سابقا إلى إبرام “صفقة أفضل” من تلك التي حققها أوباما مع إيران، لكن تدخّل نتنياهو وسحبه نحو خيار الحرب، جعله يصرح: “لا يهمني التوصل إلى اتفاق”. غير أنه لن يتمكن من تجاهل المعلومات التي تؤكد استمرار قدرات إيران النووية، وسيتعرض لضغوط متزايدة، خاصة من الحكومة الإسرائيلية، التي تدفع باتجاه مزيد من الضربات.
وبيّنت أن مراقبة ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني ستصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وأنه لا بديل عن الرقابة الميدانية الفورية التي كانت واردة ضمن اتفاق 2015، والذي انسحب منه ترامب عام 2018. إيران، الغاضبة من عدم إدانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للهجمات الأمريكية والإسرائيلية، تشك في تعاون الوكالة مع إسرائيل، ولا تبدو في عجلة من أمرها لإعادة فتح أبواب منشآتها أمام المفتشين الدوليين.
