بين نفي طهران وتناقض واشنطن… هل اقتربت نهاية الحرب أم تعقدت أكثر؟

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة المواجهات، تدخل الحرب الحالية مرحلة أكثر تعقيدا و تشابكا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية، في مشهد يعكس غياب رؤية واضحة لنقطة النهاية.

وبين تضارب التصريحات الدولية وتباين التقديرات حول مسار العمليات، تتزايد حالة الغموض التي تحيط بمستقبل الصراع، خاصة مع استمرار التحركات الميدانية وغياب مؤشرات حاسمة على تهدئة قريبة. 

في خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى مواقف الأطراف الرئيسية وما تحمله من دلالات بشأن اتجاهات المرحلة المقبلة، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على انفراجة سياسية أم استمرار المواجهة.

تصريحات عراقجي… نفي التفاوض وتحديد شروط إنهاء الحرب

شكلت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الثلاثاء 31 مارس/ آذار 2026، واحدة من أبرز المؤشرات السياسية على طبيعة المرحلة الحالية من الحرب الدائرة، إذ تعكس موقفا حادا وواضحا من مسألة التفاوض، كما ترسم ملامح الرؤية الإيرانية لإنهاء الصراع. 

ففي مقابل السردية الأمريكية التي تروج لوجود مفاوضات جارية أو قبول إيراني بشروط معينة، خرج عراقجي لينفي بشكل قاطع وجود أي مفاوضات بين طهران وواشنطن، مؤكدا أن ما يجري لا يتجاوز إطار تبادل الرسائل الذي لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال عملية تفاوضية بالمعنى المتعارف عليه في العلاقات الدولية.

Image

هذا التوضيح يحمل دلالة مهمة، إذ يسعى إلى تفكيك الانطباع الدولي بأن هناك مسارا سياسيا قائما يمكن أن يؤدي إلى تهدئة قريبة، ويؤكد في المقابل أن الصراع لا يزال في مرحلته الميدانية البحتة، عراقجي شدد على أن المفاوضات تتطلب جلوس طرفين بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف الوصول إلى اتفاق، وهو ما لا يتحقق حاليا، رغم وجود قنوات اتصال غير رسمية أو عبر وسطاء، مما يعني أن أي حديث عن قرب التوصل إلى تسوية سياسية يبدو، من وجهة النظر الإيرانية، سابقا لأوانه.

في هذا السياق، أقر وزير الخارجية الإيراني بوجود تبادل للرسائل مع الولايات المتحدة، بعضها يتم بشكل مباشر، وبعضها الآخر عبر أطراف إقليمية، لكنه أكد في الوقت ذاته على أن هذا النوع من التواصل يمكن أن يحدث حتى في أوقات الحرب، ولا يعني بالضرورة وجود إرادة سياسية للوصول إلى اتفاق، كما أشار إلى أن هذه الرسائل قد تتضمن تحذيرات أو ملاحظات، ما يعكس طبيعة العلاقة المتوترة بين الطرفين، حيث يظل التواصل محدودا ومشروطا بالضرورات التكتيكية وليس برغبة حقيقية في التسوية.

الأهم في تصريحات عراقجي هو نفيه القاطع لما تم تداوله حول تقديم إيران ردا على مقترحات أمريكية تتضمن ١٥ بندا، أو طرحها شروطا مضادة، وهو ما يكشف عن رغبة إيرانية في تجنب أي التزام سياسي في هذه المرحلة، وربما أيضا رفضا ضمنيا للإطار الذي تحاول واشنطن فرضه كأساس للتفاوض، هذا النفي ينسجم مع موقف أوسع يعكس انعدام الثقة العميق بين الطرفين، وهو عنصر حاسم في تفسير تعثر أي جهود دبلوماسية.

أما فيما يتعلق بإنهاء الحرب، فقد قدم عراقجي تصورا واضحا يقوم على رفض فكرة وقف إطلاق النار المؤقت، والدعوة بدلًا من ذلك إلى إنهاء كامل للحرب، في مقاربة استراتيجية تختلف عن النماذج التقليدية التي تبدأ عادة بوقف إطلاق النار ثم الانتقال إلى تسوية سياسية، إذ ترى طهران أن أي وقف مؤقت قد يمنح خصومها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم، دون معالجة جذور الصراع.

Image

كما وضع الوزير الإيراني شروطا إضافية لإنهاء الحرب، من أبرزها تقديم ضمانات تحول دون تكرار الهجمات، وتعويض الأضرار التي لحقت بإيران، وهو ما يشير إلى أن طهران لا تسعى فقط إلى إنهاء العمليات العسكرية، بل إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك بشكل يضمن أمنها على المدى الطويل، كذلك يوضح إدراكا إيرانيا لطبيعة الصراع، باعتباره ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل جزءا من صراع أوسع على النفوذ والتوازنات الإقليمية.

ومن النقاط اللافتة كذلك تأكيد عراقجي أن أي قرار بالدخول في مفاوضات يعود إلى القيادة العليا، التي ستحدد ما إذا كانت المفاوضات تحقق مصالح الشعب الإيراني أم لا، في إشارة واضحة لمركزية القرار السياسي في إيران، مؤكدا أن وزارة الخارجية ليست سوى جهة تنفيذية، ما يعني أن أي تحول في المسار السياسي مرهون بقرار استراتيجي على أعلى مستوى.

Image

كما لم يخفِ عراقجي تشاؤمه تجاه إمكانية نجاح أي مفاوضات مستقبلية، مستندا إلى التجربة السابقة مع الولايات المتحدة، التي انسحبت من الاتفاق النووي، وإلى التجارب الأحدث التي انتهت، بحسب قوله، بهجمات عسكرية، وأن هذا التاريخ من انعدام الثقة يجعل من الصعب، وفق الرؤية الإيرانية، التعويل على الدبلوماسية كمسار فعال في الوقت الراهن.

في المجمل، يمكن القول إن تصريحات عراقجي تعكس تمسكا بالمسار العسكري كأداة رئيسية لإدارة الصراع، في ظل غياب شروط الثقة اللازمة للانتقال إلى المسار السياسي، كما تشير إلى أن طهران ترى في استمرار الضغط الميداني وسيلة لفرض شروطها لاحقا، بدلا من الدخول في مفاوضات من موقع تعتبره ضعيفًا أو غير متكافئ.

ثانيًا: المقترح الصيني-الباكستاني… محاولة لإعادة المسار الدبلوماسي

في مقابل هذا الجمود الذي يطبع الموقف الإيراني الأمريكي، برزت مبادرة صينية باكستانية مشتركة تسعى إلى إعادة إحياء المسار الدبلوماسي، من خلال طرح خطة من خمس نقاط تهدف إلى وقف إطلاق النار واستعادة الاستقرار في المنطقة.

تبدأ هذه الخطة بالدعوة إلى وقف فوري للأعمال العدائية، مع التأكيد على ضرورة منع اتساع نطاق النزاع، كما تشدد على أهمية إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة، في محاولة لمعالجة التداعيات الإنسانية للحرب.

الشق الثاني من المبادرة يركز على إطلاق مفاوضات السلام في أسرع وقت ممكن، مع التأكيد على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو ما يعكس محاولة لطمأنة الأطراف المختلفة، خاصة إيران ودول الخليج، بأن أي تسوية لن تكون على حساب مصالحها الأساسية. كما تؤكد المبادرة أن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الوحيد لحل النزاعات، في موقف يتناقض مع التصعيد العسكري القائم.

Image

أما النقطة الثالثة فتتعلق بحماية المدنيين والبنية التحتية، بما في ذلك المنشآت الحيوية مثل محطات الطاقة والمياه، وكذلك المنشآت النووية السلمية، وفيما يتعلق بالممرات البحرية، تدعو المبادرة إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، باعتباره شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، مع ضمان مرور آمن للسفن التجارية. وأخيرا، تؤكد المبادرة على ضرورة الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتعزيز التعددية الدولية، في إشارة إلى رغبة الصين وباكستان في لعب دور أكبر في إدارة الأزمات الدولية، بعيدًا عن الهيمنة الغربية.

ورغم أهمية هذه المبادرة، كونها الأحدث بعد عدد من الوساطات التي لم تفض إلى نتيجة، فإن نجاحها يظل مرهونا بمدى استعداد الأطراف المتحاربة للانخراط في مسار دبلوماسي، وهو أمر لا يبدو متاحا في الوقت الراهن، في ظل المواقف المتصلبة وانعدام الثقة.

هل يمكن أن تتوقف الحرب؟ قراءة في تصريحات ترامب والسيناريوهات المحتملة

على الجانب الأمريكي، تعكس تصريحات دونالد ترامب قدرا كبيرا من التناقض والغموض بشأن مسار الحرب ونهايتها، ففي الوقت الذي يؤكد فيه أن الحرب ستنتهي قريبا، في تصريح لوسائل الإعلام في البيت الأبيض الثلاثاء 31 مارس/ آذار 2026، فإنه لا يقدم أي تصور واضح لكيفية تحقيق ذلك، بل يواصل الحديث عن تحقيق انتصارات كبيرة وسحق إيران، وهو ما يتناقض مع فكرة إنهاء سريع للصراع.

Image

كما أشار ترامب في تصريحات أخرى إلى أن العمليات العسكرية قد تستغرق ما بين أربعة إلى ستة أسابيع، وهو تقدير يبدو، حسب محللين، أقرب إلى التمنيات منه إلى التقييم الواقعي، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الميداني. وفي المقابل، تؤكد تصريحات مسؤولين عسكريين أمريكيين أن الحرب لم تقترب بعد من نهايتها، وهو ما يعكس وجود تباين داخل الإدارة الأمريكية نفسها.

هذا التباين يطرح تساؤلات حول مدى وجود استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب، ويعزز الانطباع بأن القرارات تتأثر بعوامل سياسية داخلية، مثل الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى الحسابات الانتخابية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن احتمالات إنهاء الحرب في المدى القريب لا تزال ضعيفة، خاصة مع غياب مسار تفاوضي واضح، واستمرار الأطراف في الرهان على الحسم العسكري، ومع ذلك، فإن استمرار الحرب قد يدفع في مرحلة ما إلى إعادة تقييم الكلفة والعوائد، ما قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية.

Image

بعبارة أخرى، فإن موعد انتهاء الحرب لا يمكن تحديده بدقة في الوقت الراهن، إذ يعتمد على مجموعة معقدة من العوامل، تشمل تطورات الميدان، ومواقف القوى الدولية، والضغوط الاقتصادية، فضلا عن حسابات الأطراف المتحاربة.

في النهاية، يمكن القول إن الحرب دخلت مرحلة من الغموض الاستراتيجي، حيث تتقاطع المسارات العسكرية والسياسية دون أن يطغى أحدها بشكل حاسم. وبين تصريحات عراقجي التي تنفي التفاوض، ومبادرات دولية تحاول إحياءه، وتصريحات أمريكية متضاربة، يبقى السؤال مفتوحا، هل تفرض الوقائع الميدانية نهاية قريبة للحرب، أم أننا أمام صراع طويل الأمد؟