“تاريخ مجهول”.. كيف أوقع الجهل بالتاريخ الإيراني مترجمة في فخ محرج؟

Ad 4nxdacec9zvv 2 har67qhuava3ger8qhgzvjpn6nm5xzwtwwypuaxy2ir0argdpm3act5n3gy3igcs bf4gknp506dogojyqowjaujdqjenjkfzvxzheslw sul9p0jujtmg7 ahkeykylw1imdqbeythidfgml6w

في عالم الترجمة، لا تكفي المهارة اللغوية وحدها لإنجاز نص دقيق وسليم، فهناك عنصر لا يقل أهمية، وهو ” الخلفية الثقافية” أو بمعنى أدق “معرفة المترجم بكل ما يتعلق بالثقافة والحضارة والتاريخ والأدب والمذهب الخاص بالدولة التي يترجم عنها”،  خاصة حين يتعلّق الأمر بالترجمة السياسية أو التاريخية. والمترجم الذي يجهل تاريخ الدولة التي يترجم عنها، مهما كانت مهارته، فاحتمال الخطأ كبير.

واليوم، أروي لكم قصة واقعية من أرشيف غرفة الترجمة، تتعلّق بزميلة وقعت في خطأ طريف بسبب عدم إلمامها بالتاريخ الإيراني، قصة حقيقية من غرفة الترجمة تُظهر كيف أن تجاهل التقويم الإيراني قد يخلّ بمضمون النص ويُربك القارئ العربي.

كانت الترجمة تدور حول تقرير تحليلي بثّته وكالة أنباء رسمية عن العلاقات الإيرانية البريطانية، بمناسبة مرور سبعين عاما على “انقلاب 28 مرداد 1332″، وهو الحدث الشهير الذي أطاح بحكومة محمد مصدق في 1953 بدعم من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية.

المقال الأصلي تناول السياق التاريخي للانقلاب، وتداعياته، وكيف استمر تأثيره في الوعي الجمعي الإيراني. وكانت الجملة الأصلية بالفارسية تقول:
“کودتای ۲۸ مرداد، نقطه عطفی در روابط ایران و بریتانیا به شمار می‌رود”.
أي: “يُعدّ انقلاب 19 أغسطس/آب 1953 نقطة تحول في العلاقات الإيرانية البريطانية.”

لكن المترجمة- التي لم تكن على معرفة ودراية بالتاريخ الهجري الشمسي، وهو التقويم الذي تستخدمه إيران ويتم الكتابة به في الصحف- ترجمت الجملة دون تحويل التاريخ الهجري الشمسي إلى تاريخ ميلادي، فالقارئ العربي لا يعرف هذا التقويم، وترجمته بهذه الصورة لن يفيد القارئ،  بل سيُحدث له غموضا لا داعي له. وكانت ترجمتها

” انقلاب 28 مرداد1332  شكّل نقطة تحول في العلاقات بين إيران وبريطانيا.”

وهنا كانت المشكلة: فقد بدت الترجمة مبهمة، وبدا التاريخ غريبا، فماذا يعنى مرداد هذا؟! وعام 1332 ماذا يقصدون به؟!
الترجمة بهذه الطريقة تحدث غموضا وتوحي بأن المترجم لا علاقة له بالثقافة الإيرانية ولا بالتاريخ أو الحضارة الإيرانية أبدا. 

حين راجعت النص، تنبّهتُ فورا إلى الخطأ، وسألت المترجمة إن كانت تعرف هذا التاريخ، فأجابت: “لا لكن يبدو أنه تاريخ إيراني ولم أعرف ماذا يعني، فوضعته كما هو”. هنا لم يكن اللوم على الجهل فقط، بل على عدم البحث أو الاستفسار مني أو الزملاء، فمثل هذه الأخطاء أعتبرها من الأخطاء الفادحة، التي تُسقط المترجم وتهوي به إلى قاعٍ لن يخرج منه بسهولة.

الترجمة ليست نقلا ميكانيكيا للكلمات، بل بناء معرفي يستند إلى ثقافة، وسياق، وخلفية ثقافية، فالمترجم الجاد يجب أن يعرف – أو يسأل على الأقل – عن أي مصطلح أو تاريخ أو عملة لأن ترجمتها كأنها نص عادي، ربما يخرج بالترجمة إلى أدية لا تُحمد عقباها. 

من “الدكتور أشرف” الذي قلب مؤتمرا نسويا، إلى “تاريخ مجهول” لا تزال غرفة الترجمة حافلة بالنوادر التي تضحكنا أحيانا، وتعلّمنا دائما. وفي كل سقطة، تذكرة بأن الترجمة ليست وظيفة مكتبية فحسب، بل رحلة بحث مستمرة عن الدقة، والفهم، والوعي.
وإلى اللقاء مع خطأ آخر… ودرس جديد!