تحديات التقويم الإيراني والتقويم الإسلامي

كتب: مهدي سجادي

تنوع التقاويم العالمية

يعود تاريخ حساب الأيام والشهور والسنوات إلى عصور سحيقة من تاريخ البشرية، حيث ابتكرت كل حضارةٍ أسلوبها الخاص في تنظيم الزمن. غالبا ما اعتمدت تلك الثقافات على حدث مفصلي كنقطة بداية لتقويمها، ووضعت نظاما لتسمية الأيام، وتقسيمها إلى أسابيع وشهور، واستمرت في عدّ السنوات تباعا.

من أبرز هذه التقاويم العالمية: التقويم اليولياني، والتقويم العبري، والتقويم الهجري، والتقويم الإيراني، والتقويم البوذي، وتقاويم فيكرم سمَوت، وساكا سمَوت، وكالي يوغا، إلى جانب التقويمات الهندية، واليابانية، والصينية، والميلادية. ويُعدّ الخوض في تفاصيل كلٍّ منها أمرا معقدا ويستغرق وقتا طويلا.

أما التقويم الأشهر عالميا اليوم، فهو التقويم الميلادي، الذي يعتمد على سنة ميلاد السيد المسيح عليه السلام كنقطة انطلاق، ويرتكز في حسابه على الدورة الشمسية. وفي مقابل ذلك، يسود في العالم الإسلامي التقويم الهجري القمري، الذي يبدأ من هجرة النبي محمد ﷺ من مكة إلى المدينة عام 622 ميلادية، ويعتمد على الدورة القمرية في حسابه. ويختلف هذان التقويمان عن بعضهما بنحو 11 يوما في كل عام.

تنوع التقاويم في مناطق إيران المختلفة

في إيران القديمة، وكذلك في إيران المعاصرة، كان ولا يزال هناك تقاويم متنوعة مستخدمة بين القوميات والمذاهب المختلفة، وتُعرف هذه التقاويم باسم “گاه ‌شمار”. معظم هذه التقاويم تعتمد في حساب شهورها على حركة الشمس، غير أنها تختلف فيما بينها من حيث السنة التي اختيرت كنقطة بدء للتقويم، وأسماء الشهور، وكذلك أيام بداية ونهاية كل شهر.

من بين هذه التقاويم، التقويم الجلالي، الذي يبدأ من سنة اعتلاء السلطان ملكشاه السلجوقي العرش عام 457 هجري شمسي. وهناك أيضا التقويم الكردي أو الكردي الميدي، الذي يُرجع بدايته إلى تأسيس مملكة الميديين على يد “دياكو” (قبل الحقبة الأخمينية)، أو وفق رأي آخر إلى فتح نينوى عاصمة الآشوريين على يد “هووخشتره”، أي قبل 1321 أو 1233 سنة من السنة الشمسية الحالية. يُذكر أن هذا التقويم الكردي الأخير لم يغيّر بنية التقويم الشمسي، بل اختار أسماء مختلفة لشهوره فقط.

من التقاويم الأخرى التي لا تزال مستخدمة حتى اليوم، التقويم الطبري (أو التبري)، الذي تشير إليه حتى وسائل الإعلام الرسمية في محافظة مازندران عند إعلانها عن التواريخ اليومية. يبدأ هذا التقويم من الثاني من مرداد سنة 133 قبل بداية السنة الشمسية. وقد تم اختيار هذا التاريخ تيمّنا باعتلاء “قباد الساساني” العرش وتولي ابنه “كيوَس” الحكم في منطقة طبرستان. ويتميز هذا التقويم بأسماء مختلفة لشهوره مقارنة بالتقويم الشمسي، كما أن طول كل شهر فيه يختلف عن نظيره في التقويم الشمسي.

كذلك، هناك تقويم سنكسري، الذي يبدأ من تاريخ مجيء الآريين إلى إيران قبل 2020 سنة من السنة الشمسية الأولى، والتقويم الكردي الصيفي السلطاني أو الياري، الذي تتبعه أقلية دينية تُعرف بـ”أهل الحق”، ويتركزون في محافظة كرمانشاه. ويبدأ هذا التقويم من سنة 628 شمسية، التي توافق سنة ولادة مؤسس هذا المعتقد.

وتُعدّ هذه النماذج أمثلة حيّة على تنوع التقاويم في الثقافة الإيرانية.

السنة الشمسية وارتباطها بالزرادشتيين

إن تسمية السنة بناء على الشمس والاهتمام بجعلها المعيار الأساسي للتقويم في إيران يثير فرضية ارتباط هذا الأساس بثقافة ودين “الزرادشتية”. رغم وجود أوجه تشابه كثيرة بين أسماء شهور التقويم الشمسي والأسماء المتبقية من اللغة البهلويّة (وهي لغة تاريخية لإيران قبل الإسلام)، مما يشير إلى أن هذه التسميات تعود إلى أسماء قديمة، إلا أن نقطة بداية التقويم الشمسي في إيران تعود إلى ما بعد الإسلام.

هجري؟ قمري أم شمسي؟ معيار أساس التاريخ في إيران

يعتمد التقويم الشمسي في إيران، المعروف بالهجري الشمسي، خلافا للاعتقاد الشائع، على نفس الأساس الزمني للتقويم الهجري القمري. السنة الأولى في التقويم الهجري الشمسي هي سنة 622 ميلادية، وهي السنة التي هاجر فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

وقد انعكس هذا الأمر في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، حيث ورد في المادة السابعة عشرة:

“مبدأ التاريخ الرسمي للبلاد هو هجرة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتاريخان الهجري الشمسي والهجري القمري كلاهما معتمد، لكن المعيار للعمل في الإدارات الحكومية هو التاريخ الهجري الشمسي.”

وبخلاف معظم الدول الإسلامية، لا يُستخدم التقويم الميلادي في التعاملات الرسمية داخل إيران، حيث تُعتمد التواريخ الشمسية في العمل والإدارة، بينما يُستخدم التقويم القمري في المناسبات والطقوس الدينية. وفي سجلّات الولادة لكل إيراني يُولد، تُدوّن كل من التواريخ الشمسية والقمريّة من قبل دائرة الأحوال المدنية.

محاولات تغيير أساس التاريخ في إيران وتجربة التقويم الشاهنشاهي

مع اعتلاء رضا شاه بهلوي العرش، تمّ في عام 1304 هجري شمسي (1925 ميلادي)، وبموجب قانون صادق عليه في مجلس الشورى الوطني، اعتماد التاريخ الهجري الشمسي على أساس التقويم الجلالي تقويما رسميا للبلاد، بعد أن كان التقويم الهجري القمري هو الأكثر شيوعا قبل ذلك.

وفي عهد محمد رضا شاه بهلوي، آخر ملوك السلالة البهلوية قبل انتصار الثورة الإسلامية، أُقيمت سلسلة من الاحتفالات عُرفت بـ”احتفالات 2500 عام من المَلَكيّة” احتفاء بمرور ألفين وخمسمائة عام على الحكم في إيران. سعى الشاه من خلال هذه الاحتفالات إلى تقديم نفسه كامتداد لملوك إيران العظام مثل قورش الكبير وداريوش الأخميني. وفي هذا الإطار، اتُخذ قرار بتغيير التقويم الرسمي للبلاد ليتماشى مع هذا التوجّه.

أسد الله علم، أحد أقرب المقربين من الشاه، كتب في مذكّراته، قبل أسبوعين فقط من تنفيذ القرار:

“عرضتُ التقرير النهائي بشأن تغيير التاريخ الشمسي، والذي بموجبه سيُعتمد التقويم الشاهنشاهي. الشاه مولع بهذه الفكرة، لأنه يعتبر نفسه رجل التاريخ، بل التاريخ ذاته، ويريد أن يكون هو أيضا مبدأ التاريخ، وهو محقّ في ذلك. قلتُ له إن الاعتماد يجب أن يكون على التاريخ الهجري، لأنه مقبول من الناحية الدينية، أما التاريخ الشمسي، فقد اختُرع على يد أحد خلفاء بني أمية لجباية الضرائب من إيران، وقد جعلناه تقويما وطنيا بلا مبرر. ولكن بما أنه تم إقراره في زمن الملك الراحل، فلا بد الآن من تمريره عبر البرلمان واعتماد التاريخ الشاهنشاهي بدلا منه.”
(مذكرات علم، الجزء 5، ص 478)

وفي يوم 24 من شهر “إسفند” سنة 1354 هجري شمسي (15 مارس 1976 ميلادي)، عُقدت جلسة مشتركة بين مجلس الشورى الوطني ومجلس الشيوخ، صُوّت فيها على مشروع قانون بثلاث درجات من السرعة، وبموجبه اعتُبر تاريخ تتويج كورش الكبير (الملك الأخميني العظيم) مبدأ للتاريخ، وتمّ إلغاء التاريخ الهجري الشمسي رسميا، ليُستبدل بتقويم جديد هو “التقويم الشاهنشاهي”. وبناء عليه، حُوّلت سنة 1355 هجري شمسي إلى سنة 2535 شاهنشاهي، باعتبارها السنة الـ2500 لتتويج كورش والسنة الـ35 لحكم محمد رضا بهلوي.

وبموجب هذا التغيير، تمّ تعديل جميع الوثائق والمكاتبات الإدارية الرسمية، كما تم سكّ العملات المعدنية السنوية بالتاريخ الشاهنشاهي الجديد.

وصف السفير البريطاني آنذاك في طهران هذا القرار في مذكراته بأنه “إجراء غير عقلاني ومتسرّع”، فيما كتب المؤرخ “إريكسون آبراهامیان” في الصفحة 407 من كتابه إيران بين ثورتين:

“نادرا ما تجرّأ نظام حاكم في العصر الحديث على تغيير التقويم الديني الرسمي لبلاده بهذه الصورة الفجّة.”

وبُعيد صدور القرار، وجّه المرجع الديني آية الله كلبايكاني برقية احتجاج إلى رؤساء البرلمان والحكومة، منتقدا هذا الإجراء. وتبع ذلك خطاب حاد للإمام الخميني في عيد الفطر، حيث ندد فيه بالتقويم الجديد وحرّم استخدامه، قائلا:

“من أجل تضعيف الإسلام ومحو اسمه، أطلقوا النغمة المشؤومة لتغيير مبدأ التاريخ. هذا التغيير من الجرائم الكبرى التي وقعت على يد هذه السلالة النجسة في هذا العصر. وعلى عموم الشعب أن يعارضوا استخدام هذا التاريخ الإجرامي، إذ إن هذا التغيير هو إهانة للإسلام ومقدمة لمحو اسمه – لا سمح الله – ولذلك فإن استعماله حرام على الجميع، وهو دعم للظالم ومعارضة للإسلام العادل.”
(صحيفة الإمام، ج3، ص170)

ويرى بعض المحللين أن هذا القرار كان من العوامل التي سرّعت بسقوط نظام الشاه، لأنه مسّ المشاعر الدينية للشعب وأثار غضبه. وعلى أية حال، وبعد نحو عامين من التطبيق الإجباري، تم إلغاء هذا التقويم بمرسوم رسمي في 5 شهریور 1357 هجري شمسي (27 أغسطس 1978)، خلال حكومة شريف إمامي، أي قبل نحو خمسة أشهر فقط من انتصار الثورة الإسلامية، وأُعيد اعتماد التقويم الهجري الشمسي رسميا.

الآثار الثقافية للتقويم على المجتمع

نظرا إلى ارتباط العديد من البرامج العامة في المجتمعات بالتقويم، فإن أيّ تغيير في النظام الزمني أو أسلوب التأريخ في بلدٍ ما، يُفضي إلى تبعات واسعة التأثير في ذلك المجتمع. فالمناسبات كالأعياد والاحتفالات، ومواسم الحزن والمآتم، والطقوس التذكارية وغيرها، جميعها تعتمد على التقويم المعتمد. بل إن مسألة كون يوم ما عطلة رسمية أو يوم عمل، تترك أثرا متفاوتا على مستوى الدولة.

للكاتب تجربة شخصية خلال وجوده في العراق لمدّتين متتاليتين في مناسبة دينية مشهورة، حيث لم يكن ذلك اليوم عطلة في السنة الأولى، بينما تقرّرت عطلته في السنة التالية باعتباره عيدا رسميا. وقد ظهر الفرق الكبير بين السنتين من حيث حجم التنقّل والسفر والزيارات، وما رافق ذلك من زيادة في النذور والمظاهر الاحتفالية، وحتى في دخل سائقي سيارات الأجرة.

وفي التقويم الإسلامي، أي الهجري القمري، تُحدَّد تواريخ عيدَي الفطر والأضحى، وموسم أداء فريضة الحج، وأيام الصيام في رمضان، واحتفالات المولد النبوي وسائر الشعائر الدينية وفق هذا التقويم. ويُعدّ تداخل هذه المناسبات مع تواريخ التقويم الميلادي في البلدان التي تعتمد الميلادي تقويما رسميا، من التحديات التي قد تُحدث اضطرابا في تنظيم الفعاليات الرسمية والاجتماعية.

الازدواج الثقافي في إيران

في ضوء ما سبق من توضيحات، يُطرح سؤال أساسي: هل تؤدي ازدواجية التقويمين الهجري الشمسي والهجري القمري المستخدمَين في إيران المعاصرة إلى تعارضٍ بينهما؟
الجواب هو نعم. فقد شهدت الأعوام الماضية حالات متكررة من التداخل بين مناسبة وطنية ذات طابع احتفالي، ومناسبة دينية ذات طابع حزين. ويعود السبب في ذلك إلى الفارق الزمني بين التقويم القمري الأقصر زمنا مقارنة بالتقويم الشمسي. من أبرز الأمثلة على ذلك تزامن مراسم عاشوراء أو ذكرى استشهاد الإمام الحسين، أو استشهاد الإمام علي (كما حصل هذا العام)، مع عيد النيروز، وهو رأس السنة الإيرانية وواحد من أهم الأعياد القومية.

كذلك فإن تنقّل شهر رمضان، شهر الصيام، أو موسم الحج خلال فصول مختلفة من السنة الشمسية، يشكّل تحديا آخر في تنسيق نمط الحياة العامة المبني على التقويم الشمسي.
لكن ما يخفّف من حدة هذا التزاحم هو وجود عقل جمعي قائم على الاحترام المتبادل والمكانة الخاصة التي تحظى بها المناسبات الدينية لدى أغلب الإيرانيين. وقد ظهر هذا بشكل جليّ خلال الأيام الأولى من السنة الإيرانية الجديدة، حيث تبادل الناس رسائل في وسائل التواصل الاجتماعي – محلية وعالمية – تتضمّن أفكارا مبتكرة للجمع بين أجواء الفرح بمناسبة رأس السنة والحزن على شهادة الإمام علي، بحيث لا يُخِلّ أحد بالاحترام الواجب للمقدسات.

آغاز سال۱۴۰۴ شمسی و تقارن آن با بهار قرآن و نوروز علوی گرامی باد

الخاتمة

إنّ التأريخ والتقويم ليسا مجرّد أدوات لتنظيم الزمن، بل يحملان دلالات ثقافية وحضارية عميقة، خاصة في الحضارات ذات الامتداد التاريخي الطويل. وخلال التاريخ، شهدت مناطق مختلفة محاولات لتغيير تقاويمها بدوافع دينية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية. وغالبا ما كانت تلك المحاولات مثار جدل وردود فعل متفاوتة بين مؤيدين ومعارضين.

على سبيل المثال، أدى اعتماد تركيا للتقويم الميلادي بدلا من الإسلامي، أو انتقال السعودية تدريجيا إلى التقويم الميلادي في شؤونها الرسمية، إلى اعتراضات من التيارات الإسلامية التي اعتبرت ذلك انسلاخا عن الهوية وتبنيا لثقافة غربية دخيلة.

إنّ أكبر إشكالية لمثل هذه التحولات، تكمن في خلق انقطاع تاريخي وجيلي، وتهديد مخزون الأمة من التراث الثقافي والحضاري، إذ تُضعِف هذه التغييرات من مكانة الثقافة المحلية وتفسح المجال لثقافات مستوردة.

أما في إيران، فرغم اعتماد التقويم الجلالي الذي يُعد من أدق التقاويم في العالم، واعتماده على الهجرة النبوية الشريفة كأساس لتقويم هجري شمسي موازٍ للتقويم الهجري القمري، فإن محاولة فرض التقويم “الشاهنشاهي” لم تنجح. فقد فُسّرت تلك الخطوة على أنها محاولة لمحو الثقافة الإسلامية، وقوبلت برفض شعبي واسع.

لكنّ التعايش القائم حاليا بين التاريخين الشمسي والقمري، يُدار بسلاسة من قبل الشعب الإيراني المسلم، الذي استطاع أن يحافظ على هويته المزدوجة، وأن يحتضن كلا التقويمين بوصفهما جزءا من تراثه الديني والقومي.