- زاد إيران - المحرر
- 505 Views
كتب: الترجمان
تستعد إيران لإجراء انتخابات المجالس البلدية والريفية، في وقت يزداد فيه النقاش حول اعتماد نظام التمثيل النسبي. هذا النظام يُعدّ أحد الأساليب الحديثة لتنظيم الانتخابات، ويهدف إلى تعزيز المشاركة الشعبية وضمان تمثيل أوسع للأحزاب والقوائم الانتخابية.
ومع ذلك، يرى بعض السياسيين أن هذا الأسلوب قد يقلّل من فرص وصول “الأصلح” إلى المناصب الحساسة، ويحوّل الانتخابات إلى ساحة تنافس حزبي يطغى فيها الصراع على السلطة على المصلحة العامة.
يستعرض هذا التقرير وجهات النظر المختلفة حول الانتخابات التناسبية، مركزًا على تأثيرها على المشاركة الشعبية، كفاءة المجالس، ودور الأحزاب والقوائم في ضمان شفافية الانتخابات ومساءلة المسؤولين أمام المواطنين.
معارضة جبهة “بايداري” للنظام النسبي
أوضح مجيد متقي فر، المتحدث باسم جبهة “بايداري”، أن المشاركة الواسعة للشعب في الانتخابات تعتبر الركيزة الأساسية لتعزيز قوة النظام الإسلامي، وأن على الأحزاب والنخب تشجيع المواطنين على التصويت والمشاركة الفاعلة في العملية الانتخابية. وأضاف أن الانتخابات تكون ناجحة فقط عندما يصل الأصلح إلى المناصب الحساسة، وهو ما يضمن تحقيق التقدم والعدالة بسرعة.
لكن متقي فر أعرب عن مخاوفه من اعتماد نظام التمثيل النسبي، محذرا من أنه قد يحوّل الانتخابات من منافسة لخدمة المواطنين إلى صراع حزبي على السلطة.
وذكر أن هذا الأسلوب قد يُضعف خطاب اختيار الأصلح، ويجعل الفوز مرتبطا بالقدرة على الاقتراب من مراكز القوة والثروة. وأكد أن اعتماد هذا النظام قد يؤدي إلى تقليل الطابع الديني والثوري للمجالس، ويدفع الاعتبارات الحزبية لتتقدم على مصالح الإسلام والبلاد.
كما أشار متقي فر إلى أن توزيع المقاعد بين الأحزاب المختلفة بموجب النظام النسبي يشبه “تجزئة الانتخابات”، وهو أمر يعتبره غير مقبول شعبيا. وخلص إلى أن الهدف الحقيقي للانتخابات في النظام الإسلامي هو تمكين المخلصين للخدمة، وليس تقديم المناصب للباحثين عن النفوذ.

المنافع المحتملة للتمثيل النسبي بحسب الخبراء
على النقيض، يرى إقبال شاكري، الأكاديمي وعضو مجلس مدينة طهران السابق، أن النظام النسبي يعزز المنافسة السليمة ويزيد من مشاركة المواطنين. وأكد أن المجالس الإسلامية للمدن والقرى تُعدّ أدنى مستويات الديمقراطية الشعبية، إذ تُدار فيها الشؤون اليومية للمواطنين، ويكون للممثلين المنتخبين تأثير مباشر على جودة الحياة والخدمات الحضرية والريفية.
وأوضح شاكري أن هذه المجالس مسؤولة عن قضايا أساسية مثل النقل العام، تلوث الهواء، النشاط الاقتصادي، الخدمات الاجتماعية والصحية، والمرافق العامة. وكلما كانت المشاركة الشعبية أكبر، وكلما اختار المواطنون ممثلين أكفاء، كان أثر قرارات المجلس على جودة الحياة اليومية للمواطنين أسرع وأكثر وضوحا.
وأشار إلى أن انتخابات المجالس تمثل أحد أبرز مظاهر الدور المباشر للشعب في تقرير مصيرهم وإدارة شؤون حياتهم اليومية، وأن النتائج تظهر خلال أسابيع قليلة، مما يعكس الأهمية الكبرى لهذه الهيئات على مستوى المدن والقرى.

تعزيز دور الأحزاب والشفافية
من جانبها، أكدت زهرا نجاد بهرام، عضو مجلس طهران السابق، أن النظام التناسبي يعزز مكانة الأحزاب السياسية ويجبر التحالفات على تقديم قوائم موحدة، ما يسهم في تثبيت مكانة الأحزاب المسجلة بشفافية أكبر.
وأضافت أن هذا النظام يمكّن القوائم الانتخابية من التركيز على برامجها وخدمة المواطنين، بدلاً من الانشغال بالمنافسة على المناصب.
وأشارت إلى أن المجالس الحالية غالبا ما تعمل كأحد فروع البلدية، مما يضعف استقلالها في الرقابة واتخاذ القرارات. لذلك، يجب أن تكون حاجة المواطنين محور عمل المجلس، مع الحفاظ على استقلالية المجالس عن ضغوط الإدارة التنفيذية للبلدية، وممارسة النقد البنّاء ضمن الإطار القانوني.
وأكدت أن المجالس ينبغي أن تستخدم صلاحياتها القانونية كاملة، بما في ذلك الرقابة، طرح الأسئلة، الموافقة على القرارات، الاستجواب والتنبيه، لضمان أداء حقيقي لدورها.
كما شددت على أهمية مشاركة النساء في الانتخابات، معتبرة أنهن يشكلن أكثر من 60٪ من الطلبة الجامعيين ولديهن خبرة واسعة في الإدارة، ما يجعلهن من أهم الموارد البشرية لتعزيز كفاءة المجالس وجودة القرارات.

التصويت الإلكتروني وأثره على المشاركة
أشارت نجاد بهرام إلى أن التصويت الإلكتروني لأول مرة يمثل خطوة إيجابية لزيادة سرعة العملية الانتخابية وتوسيع مشاركة المواطنين. وأكدت أن الانتخابات التناسبية تُسهم في زيادة الشفافية والمساءلة، وتمكن الأحزاب من الاستفادة من قدراتها بشكل جماعي، بينما الانتخابات الفردية لا توفر هذا التأثير.
وبحسب تقييمها، فإن المجالس الأكثر ارتباطا بالمواطنين والتي تعمل على تلبية احتياجاتهم بفعالية، تعزز مكانتها الفعلية كمؤسسة قادرة على تحريك إمكانيات المدينة وتعزيز العلاقة مع السكان. كما أن ضعف هذه العلاقة يقلل من ثقة المواطنين ويحد من قدرة المجلس على تحسين جودة الحياة الحضرية.
أهمية اختيار قوائم متخصصة وكفؤة
وحول القوائم أكد إقبال شاكري على ضرورة أن يختار المواطنون القوائم الأكثر تخصصا ومهنية، والتي تتسم بالطابع الشعبي وروح الخدمة. وأوضح أن القوائم التي تعتمد على السمعة الشخصية أو الاعتبارات الذوقية، ولم تحقق أداء ناجحا في الدورات السابقة، ستحصل على أصوات أقل بشكل طبيعي. بينما اختيار قوائم تتمتع بالكفاءة الإدارية والتخصصية يضمن قدرة المجالس على تنظيم ومعالجة المشكلات الحضرية والريفية بفاعلية أكبر.
وأشار شاكري إلى المشاريع الملموسة التي ساهمت فيها المجالس السابقة، مثل تطوير خطوط المترو وإنشاء البنى التحتية للنقل العام، مؤكدا أن هذه المبادرات تُظهر كيف يمكن للقرارات المحلية أن تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية وتحسين جودة الخدمات العامة.

كيف تحسب المقاعد؟
جدير بالذكر أن في هذا النظام، يمكن للمرشحين خوض الانتخابات بشكل فردي أو ضمن قوائم حزبية، مع منح حق تقديم القوائم رسميا فقط للأحزاب والجبهات السياسية المرخصة وفق قانون الأحزاب لعام 2015، يُحدد عدد المقاعد لكل قائمة بحسب نسبتها من إجمالي الأصوات، بحيث يحصل كل حزب على تمثيل متناسب مع أصواته، بينما يتم تقييم المرشحين الأفراد وفق نسبة الأصوات التي يحصلون عليها.
ويُحسب عدد مقاعد كل قائمة من خلال جمع أصوات جميع أعضاء القائمة وتقسيمها على إجمالي الأصوات الصحيحة لتحديد حصتها. تُمنح المقاعد للمرشحين الأكثر حصولا على الأصوات ضمن حصة كل قائمة، بينما تُخصص المقاعد المتبقية للمرشحين الأفراد.
يبقى الجدل حول الانتخابات التناسبية قائمًا بين معسكرين: الأول يرى فيها فرصة لتعزيز المشاركة الشعبية، الشفافية، والمساءلة، بينما يحذر المعسكر الثاني من أن النظام النسبي قد يحوّل الانتخابات إلى تنافس حزبي على السلطة ويضعف اختيار الأصلح.
التجربة العملية تشير إلى أن نجاح المجالس في تحسين حياة المواطنين يعتمد على كفاءة الأعضاء، استقلالية المجالس، ومشاركة المواطنين الفعّالة. وبالتالي، تظل المشاركة الشعبية واختيار قوائم متخصصة ومسؤولة العامل الحاسم في جعل الانتخابات وسيلة لتعزيز الحكم المحلي وتحقيق مصالح المجتمع، بعيدًا عن النزاعات السياسية، مع التركيز على تمكين النساء وزيادة تمثيل الفئات الفاعلة في المجتمع.

