- زاد إيران - المحرر
- 413 Views
تحل في الثالث من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام ذكرى كتابة الدستور الإيراني بعد الثورة، المناسبة التي تستحضر فيها إيران، بصيغتها الإسلامية، واحدة من أهم اللحظات السياسية والقانونية التي رسمت شكل النظام القائم وحددت قوام السلطة وهوية الدولة.
وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على الاستفتاء الذي حسم تبني هذا الدستور، فإن الجدل لا يزال حاضرا حول كيفية صياغته، والظروف التي أحاطت بإقراره، وما إذا كانت بنوده ما تزال قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي شهدها المجتمع الإيراني والدولة، وفي كل عام تتجدد هذه النقاشات في إطار قراءة نقدية للتجربة الدستورية، خصوصا في ظل التغييرات الاجتماعية والسياسية التي تجعل بعض فصول الدستور أكثر حضورا وإثارة للجدل من أي وقت مضى.
فبهذه المناسبة، أرسل نظام الرسائل النصية التابع للرئاسة الإيرانية، اليوم الأربعاء 3 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تهنئة للشعب الإيراني بمناسبة حلول يوم الدستور، جاء فيها “الدستور هو محور التضامن والوفاق الوطني، ذكرى دستور سعيدة للجميع”.

كذلك، فقد شدد هادي طحان نظيف، المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، في تصريحات على هامش اليوم، أن الدستور الذي وضع بعد الثورة يتميز عن كثير من الدساتير في المنطقة، إذ خصص فصلا مستقلا ومفصلا لحقوق الشعب، ورسخ هذه الحقوق بوصفها جزءا من الهوية السياسية للنظام.

كيف كتب الدستور الإيراني بعد الثورة؟
لم يكن سقوط نظام الشاه في فبراير/ شباط 1979 مجرد حدث سياسي، بل بداية لمرحلة انتقالية معقدة كان من أولوياتها صياغة دستور جديد يحل محل دستور الحركة الدستورية، أبرز المحطات السياسية والفكرية في تاريخ إيران الحديث والتي جاءت في مطلع القرن العشرين، الذي لم يعد قادرا على مواكبة التحولات الجذرية التي شهدتها إيران.

فمنذ البداية، أدركت القوى الثورية أن نجاح النظام الجديد يحتاج إلى سند قانوني يحدد ملامحه ويمنحه الشرعية الشعبية، فكان المزاج العام آنذاك مشبعا بالحماسة الثورية، وكان الشارع الإيراني يتطلع إلى نظام يقوم على الجمهورية الإسلامية كما أعلن في استفتاء إبريل/ نيسان 1979 بنسبة موافقة اعتبرت ساحقة، هذا الاستفتاء كان البوابة الأولى لتشكيل النظام السياسي الجديد، لكنه لم يكن كافيا، فكان لا بد من وضع دستور مفصل يترجم مفهوم الجمهورية الإسلامية إلى مؤسسات، وصلاحيات، وحدود، وقوانين.

بدأت الخطوة الأولى بإعداد مسودة أولية من قبل لجنة شكلتها الحكومة المؤقتة، برئاسة مهدي بازرجان، وهي لجنة من الحقوقيين والخبراء صاغت مشروعا أوليا لدستور يميل في روحه إلى النموذج البرلماني، ويمنح دورا أكبر للمؤسسات المنتخبة ويقلل من حضور المؤسسات غير المنتخبة، إلا أن هذه المسودة لم تبق على حالها، فقد تقرر أن تحال إلى هيئة منتخبة تملك صلاحية إعادة صياغتها أو تعديلها جذريا، وهكذا جرى انتخاب مجلس خبراء الدستور في صيف 1979، وهو هيئة مكونة من رجال دين وشخصيات سياسية وقانونية تمتلك حق مناقشة المسودة وصياغة النص النهائي.
عند هذه النقطة تحديدا بدأت ملامح الدستور المعروف حاليا بالتشكل، فمجلس خبراء الدستور لم يكتف بتعديل المسودة، بل أعاد صياغة الكثير من بنودها، وأضاف إليها فصلا جوهريا لم يكن موجودا في النسخة الأصلية، وهو مبدأ ولاية الفقيه الذي أصبح الركن المؤسس للنظام السياسي الجديد، انتقلت صياغة الدستور من مشروع ذي طابع مدني وبرلماني إلى مشروع يعطي الهيمنة للفقه والقيادة الدينية، ويضع الفقيه القائد في قلب العملية السياسية، صاحبا لصلاحيات واسعة تشمل القوات المسلحة، والسياسات العامة، وحق تعيين رؤساء مؤسسات كبرى.

استمرت مناقشات مجلس الخبراء ثلاثة أشهر، وشهدت جدالات حقيقية حول تعريف الإسلام السياسي، وتموضع الشعب في بنية السلطة، وماذا يعني أن تكون الدولة إسلامية وجمهورية في الوقت ذاته، بعض أعضاء المجلس دافعوا بقوة عن ضرورة وجود مؤسسات رقابية دينية، بينما طالب آخرون بأن تبقى السيادة الشعبية في مركز العملية السياسية، إلا أن الاتجاه الغالب كان لصالح تقوية المؤسسات المرتبطة بالقيادة الدينية، وهو ما انعكس في بنية الدستور النهائي.
وفي الثالث من ديسمبر/ كانون الأول 2025، وضع النص النهائي للدستور أمام الشعب في استفتاء عام، وبحسب الأرقام الرسمية، فقد وافق أكثر من 99% من المشاركين على الدستور الجديد، وبذلك انتقلت إيران إلى المرحلة الثالثة من تثبيت النظام الجديد بعد إسقاط النظام الملكي، وتحديد شكل النظام عبر استفتاء الجمهورية الإسلامية، وجاء الميثاق الدستوري ليشكل الإطار القانوني الذي تبنى عليه مؤسسات الدولة، كما فتح هذا الدستور الباب أمام انتخابات رئاسية وبرلمانية وقضائية، لتدخل إيران مرحلة بناء المؤسسات التي ما زال كثير منها قائمًا حتى اليوم.

هل يمكن تعديل الدستور؟
يجمع المختصون في القانون الإيراني على أن الدستور الحالي، رغم ثباته الظاهري، ليس نصا مغلقا بالكامل، بل يحتوي على آلية تسمح بتعديله في ظروف محددة، هذه الآلية لم تكن موجودة في دستور 1979 الأصلي، لكنها أضيفت بعد التعديلات الكبرى التي شهدها الدستور عام 1989 عقب وفاة الخميني، فقد اكتشف النظام خلال سنوات الحرب الإيرانية العراقية، ومع تعقد إدارة الدولة، أن بعض البنى الدستورية تحتاج إلى إعادة نظر، وأن غياب آلية واضحة للتعديل قد يدخل الدولة في مأزق دستوري حقيقي.
بعد وفاة الإمام الخميني بأربعين يوما، وفي مرحلة حساسة من تاريخ إيران، صدر أمر من القيادة لتشكيل هيئة من عشرين عضوا تعنى بمراجعة الدستور، هذه الهيئة ضمت شخصيات دينية وسياسية كبرى، بعضها كان في قلب صناعة القرار منذ السنوات الأولى للثورة، وقد عملت الهيئة على مراجعة عدد من المواد، وخلصت إلى حزمة من التعديلات الجوهرية، أبرزها إلغاء منصب رئيس الوزراء، وتكريس موقع رئيس الجمهورية باعتباره رأس السلطة التنفيذية، وتنظيم صلاحيات القيادة بطريقة أكثر تفصيلا، وتحديد طبيعة العلاقة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور عبر تعزيز دور مجمع تشخيص مصلحة النظام.

هذه التعديلات حملت معها إضافة تاريخية إلى الدستور، هي المادة 177، التي أصبحت منذ ذلك الوقت الإطار القانوني الوحيد لأي حديث عن تعديل الدستور، فتنص هذه المادة على أن صلاحية البدء بعملية التعديل تعود حصريا إلى المرشد الأعلى بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهي خطوة تعكس رؤية الدستور بأن التغيير الدستوري يجب أن يكون نابعا من قمة النظام وليس من البرلمان أو من مبادرة شعبية، وبعد صدور الأمر، يشكل مجلس لمراجعة الدستور يضم أعضاء مجلس صيانة الدستور، ورؤساء السلطات الثلاث، وخبراء من مجلس القيادة، وممثلين من الحكومة والسلطة القضائية والبرلمان والجامعات، إضافة إلى عشرة أعضاء يختارهم المرشد نفسه.

هذا فيما لا تصبح التعديلات نافذة إلا بعد تصويت شعبي مباشر، شرط أن تحصل على أغلبية مطلقة من المشاركين، وبعد أن يصادق المرشد عليها، لكن المادة 177 تضع حدودا واضحة، فهي تمنع تعديل هوية النظام الإسلامية، أو مبدأ ولاية الفقيه، أو الطابع الجمهوري للدولة، أي أن الدستور يسمح بتعديل بنود مهمة، لكنه في الوقت نفسه يضع جدارا دستوريا يحمي أركان النظام الثلاثة التي يراها غير قابلة للتغيير.
ورغم أن الإيرانيين لم يشهدوا سوى تعديل واحد للدستور في تاريخ الجمهورية الإسلامية، فإن النقاش حول التعديل يتجدد بين حين وآخر، فالبعض يرى أن الظروف الحالية، بما فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتراجع المشاركة الانتخابية، تجعل الحديث عن تعديل الدستور غير مناسب، في حين يرى آخرون أن مرور أكثر من 40 سنة على إقرار الدستور كاف لأن تعاد قراءة مواده بما يتناسب مع تحولات الدولة والمجتمع، وأن تعديل الدستور قد يكون شرطا ضروريا لاستعادة الثقة العامة في العملية السياسية.
ما هي المواد المطالب تغييرها؟
على مدى العقود الماضية، تكررت الدعوات في إيران لمراجعة بعض فصول الدستور التي تعتبر مصدرا رئيسيا للجدل السياسي والقانوني، وغالبا ما تدور هذه الدعوات حول محورين وهما بنية السلطة، وحقوق المواطن، وفي كل منهما توجد مواد يرى جزء من الإيرانيين أنها لم تعد مناسبة للواقع الحالي، أو أنها تسببت في مشكلات عملية تعيق المشاركة السياسية أو تضعف المؤسسات المنتخبة.

تأتي مواد القيادة في مقدمة المواد المثيرة للنقاش، فالمواد التي تنظم ولاية الفقيه وصلاحيات القائد تعطيه موقعا فوق المؤسسات المنتخبة، وتمكنه من تعيين كبار المسؤولين في القضاء والإعلام والجيش ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ويرى منتقدو هذا النموذج أنه يخلق توازنا مختلا في السلطة، ويجعل قدرة البرلمان أو الرئيس على ممارسة دورهما مرتبطة بالإرادة العليا للقائد، بينما يرى المدافعون عن هذه المواد أن القيادة الدينية ضرورة لحفظ هوية النظام الإسلامية، وأن التجربة التاريخية برهنت على الحاجة لسلطة مركزية عليا تتجاوز الانقسامات السياسية.
أما مجلس صيانة الدستور، فهو أكثر المؤسسات التي تواجه انتقادا بسبب تفسيره الواسع لمفهوم الإشراف على الانتخابات، فبدل الاكتفاء بمراقبة العملية الانتخابية، تبنى المجلس منذ التسعينيات ما يعرف بالإشراف الاستصوابي، أي حقه في قبول أو رفض أهلية المرشحين قبل خوضهم الانتخابات، هذا الأمر أدى، وفق منتقدين، إلى تقليص المشاركة السياسية وتراجع التنوع الحزبي، حيث ترفض ترشيحات شخصيات بارزة من تيارات مختلفة، بعض الدعوات الإصلاحية تدعو إلى تحديد إطار قانوني أكثر وضوحا لصلاحيات المجلس، أو إعادة تعريف دوره ليكون أقرب إلى محكمة دستورية لا جهة رقابية انتخابية.
ويبرز أيضا دور مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي تحول من هيئة لحل الخلاف بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور إلى هيئة سياسية نافذة ذات طابع استشاري وتنفيذي، فيذكر بعض الحقوقيين أن توسع مهام المجمع أدى إلى تداخل السلطات وخلق مسار يزيد من تعقيد العملية التشريعية، بدل حل الإشكالات البنيوية، لذلك تطرح فكرة دمج هذا المجمع مع مجلس صيانة الدستور في هيئة واحدة تتولى الرقابة على التشريعات بصورة أكثر شفافية.
وفي باب الحقوق والحريات، يشير كثيرون إلى أن الفصل الثالث من الدستور، رغم احتوائه على ضمانات واسعة لحقوق الشعب، يعاني من ثغرة خطيرة تتمثل في أن معظم الحقوق مشروطة بما يسمّى مقتضيات الشريعة أو حفظ النظام، هذا الشرط الفضفاض يسمح للسلطات بتقييد حرية التعبير أو تشكيل الأحزاب أو التجمعات السلمية، ولذلك ينادي بعض القانونيين بتعديل هذا الفصل لتحديد صلاحيات الدولة بدقة أكبر، وتوسيع هامش الحريات بما يتوافق مع مبادئ الدساتير الحديثة.

