الإصلاح من الداخل… لماذا فشل الإصلاحيون في تغيير النظام الإيراني؟

محمد خاتمي- منصات التواصل

منذ ربيع 1997، حين صوت أكثر من عشرين مليون إيراني لصالح محمد خاتمي، بدا أن البلاد تقف على عتبة تحول كبير، فقد جسد الرجل، القادم من قلب المؤسسة الدينية، آمال أجيال من الإيرانيين المتعطشين لحريات أوسع وتخفيف قبضة الدولة الأمنية، ومع توالي العهود، من خاتمي إلى روحاني ثم بزشكيان، ظل شعار الإصلاح من داخل النظام الوعد المركزي الذي التف حوله ملايين المواطنين الباحثين عن تجربة سياسية أقل صداما وأكثر انفتاحا.

غير أن ربع قرن من التجارب أثبت أن هذا الوعد، رغم ما حمله من طموحات، ظل يصطدم ببنية صلبة تحكم طهران، من شبكة معقدة من مؤسسات غير منتخبة، وولاية فقيه فوق السلطات، وأجهزة أمنية وعسكرية تمتلك الكلمة الفصل، في المقابل، وجد الإصلاحيون أنفسهم بين مطرقة القيود الدستورية وسندان الرغبة في البقاء داخل اللعبة، ما جعل مشروعهم يتحرك في دائرة مفرغة من انتصارات شكلية، و انفراجات محدودة، لكن دون أي تغيير في جوهر السلطة.

يهدف موقع زاد إيران من خلال هذا التقرير الاستقصائي إلى تفكيك هذا الفشل المزمن، لا عبر سرد سياسي تقليدي، بل من خلال مقاربة استقصائية تسعى إلى الإجابة عن سؤال محوري، هل كان الإصلاح في إيران مشروعا مستحيلا منذ البداية، أم أن خيارات القيادات الإصلاحية أسهمت في اجهاضه؟ وبين تحليل البنية الدستورية، ومراجعة مسار التجارب الإصلاحية، وفحص مزاج الشارع، نقدم قراءة معمقة لصراع طويل بين سلطة تمتلك السلاح والدستور، وحركة إصلاحية تحاول منذ عقود اختراق جدار صلب لم يبد مستعدا للتصدع.

نشأة الإصلاحيين وبنية السلطة التي تجهض الإصلاح

منذ مطلع التسعينيات، بدأ يتشكل داخل الجمهورية الإسلامية تيار سياسي فكري يطمح إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع من داخل بنية النظام نفسه، نشأ هذا التيار الإصلاحي في أوساط  ثيوقراطية ومثقفين دينيين متأثرين بمدرسة الإسلام المدني التي رأت أن شرعية النظام لا تُستمد فقط من الثورة أو العقيدة، بل من قدرتها على تلبية مطالب المجتمع المتغير، وتحقيق قدر من الانفتاح الثقافي والسياسي،  ومع انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، وبدء مرحلة إعادة الإعمار في عهد هاشمي رفسنجاني، وجد هؤلاء مساحة للترويج لفكرة أن الدولة بحاجة إلى تحديث إداري وسياسي يتجاوز خطاب التعبئة الثورية، وأن إدارة مجتمع شاب ومتمدن تتطلب أدوات جديدة لا تعتمد على القسر وحده.

Image

وبرزت ضمن هذا السياق أسماء لامعة مثل عبد الكريم سروش، محمد موسوي خوئينيها، وغلام حسين كرباسجي، الذين أسسوا لخطاب يدعو إلى توسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وتقوية دور القانون، وتحجيم تدخل الأجهزة الأمنية في إدارة السياسة الداخلية، ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الخط الفكري إلى تيار منظم وجد حاضنة في الصحف الإصلاحية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، قبل أن ينتقل إلى الحقل السياسي عبر أحزاب مثل جبهة المشاركة ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية، اللتين حملتا مشروعا يقوم على فكرة الإصلاح التدريجي من داخل النظام.

Image
Image
Image

لكن هذا المشروع كان يصطدم دائما ببنية سياسية معقدة، ترتكز على مركزية سلطة المرشد الأعلى وهيمنة المؤسسات الموازية التي لا تخضع للمساءلة، فالنظام الإيراني يقوم على معادلة مزدوجة، فمن جهة، مؤسسات منتخبة تشمل رئاسة الجمهورية والبرلمان والمجالس المحلية، ومن جهة أخرى، شبكة واسعة من المؤسسات غير المنتخبة تتمتع بسلطات تنفيذية وعسكرية واقتصادية تفوق غالبا سلطات الحكومة نفسها، ويقف في قلب هذه الشبكة مكتب المرشد، إلى جانب الحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والقضاء، وكلها تمتلك صلاحيات تمكنها من تعطيل أو توجيه أي قرار حكومي لا يتوافق مع رؤيتها.

Image

وتبرز قوة هذه البنية في آليتين رئيسيتين، الأولى هي صلاحية مجلس صيانة الدستور في استبعاد المرشحين للانتخابات، بما في ذلك مرشحو التيار الإصلاحي، مما يسمح بتحديد شكل المنافسة السياسية مسبقا، أما الآلية الثانية فهي النفوذ الواسع للحرس الثوري في السياسة والاقتصاد والإعلام، وهو النفوذ الذي يمنحه قدرة عملية على تعطيل سياسات أي حكومة، خصوصا في الملفات الأمنية والاقتصادية الحساسة، وتؤدي هذه الثنائية إلى وضع تصبح فيه المؤسسات المنتخبة عاجزة عن تحويل الوعود الإصلاحية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

ومع أن الإصلاحيين حاولوا عبر العقود تقديم أنفسهم كجسر بين النظام والمجتمع، فإن صدامهم المتكرر مع مؤسسات السلطة العميقة كشف حدود قدرتهم على التغيير، فكل محاولة إصلاح اصطدمت في النهاية ببنية سياسية لا تسمح بتعديل قواعد اللعبة، بل فقط بإدارتها ضمن سقف مضبوط، وهكذا، تحولت نشأة التيار الإصلاحي، التي قامت على فكرة تحديث الدولة، إلى مسار متعثر يوضح حجم الهوة بين طموحات الإصلاحيين وآليات الحكم التي لا تزال تمسك بمفاصل القرار بعيدا عن إرادة الناخبين.

Image

جذور المشروع الإصلاحي وحدود انطلاقه

عندما صعد محمد خاتمي إلى رئاسة الجمهورية في العام 1997، بدا أن إيران تدخل مرحلة مختلفة عن العقود السابقة، مرحلة مشبعة بوعود الانفتاح السياسي والاجتماعي بعد سنوات طويلة من الحرب والقيود، فقد شكل انتخابه حدثا مفصليا لملايين الشباب والنساء والطبقة الوسطى الذين شعروا بأن صندوق الاقتراع يمكن أن يكون أداة حقيقية للتغيير السلمي من داخل المنظومة، وأن الإصلاح ليس مجرد حلم، بل مسار ممكن يتيح توسيع الحريات وتعزيز سيادة القانون وتخفيف قبضة المؤسسات الأمنية. كان هذا الشعور الجماهيري بمثابة الطاقة المؤسسة للمشروع الإصلاحي، الذي ولد وسط توق عميق لدى المجتمع لقيام دولة أكثر عقلانية ومرونة وانفتاحا، من دون الاصطدام المباشر بالثوابت العقائدية للنظام.

Image

لكن ومنذ اللحظة الأولى، حمل المشروع الإصلاحي في داخله تناقضا بنيويا كبيرا، فخاتمي، الذي جاء من قلب المؤسسة الدينية وكان يحظى بقبول نسبي داخل أجنحتها، طرح أفكارا تتضمن مجتمعا مدنيا حيويا يستطيع مساءلة السلطة ومراقبة إجراءاتها، داخل نظام يقوم جوهريا على سلطة ولاية الفقيه التي تتجاوز المؤسسات المنتخبة كافة، هذا التباين العميق بين خطاب الإصلاح ومفهوم الولاية لم يكن مجرد اختلاف فكري، بل كان حدا صلبا يحكم قدرة أي رئيس منتخب على تنفيذ وعوده. ومنذ الأيام الأولى للحكومة الجديدة، بدأ يظهر هذا التوتر بين طموحات الإصلاحيين وحدود النظام، الأمر الذي سيصبح لاحقا السمة الأبرز لمسار الإصلاح كله.

Image

كانت تجربة خاتمي في سنواتها الأولى أشبه باختبار متبادل بين الدولة والمجتمع، فبينما اندفع الإيرانيون نحو المشاركة السياسية بوتيرة غير مسبوقة وبدأت الصحف والجمعيات المدنية في الظهور بشكل لافت، تحركت المؤسسات الموازية بسرعة لاحتواء ما اعتبرته انفلاتا في الخطاب العام، فقد واجهت حكومة خاتمي مقاومة شديدة من السلطة القضائية التي كانت تسيطر عليها التيارات المحافظة، وبدأت هذه السلطة في إغلاق الصحف الإصلاحية ومحاكمة الصحفيين والنشطاء، بينما لعبت الأجهزة الأمنية دورا مركزيا في الحد من نشاط الأكاديميين والطلاب، بالتوازي مع ذلك، تدخل الحرس الثوري بوصفه مؤسسة تمتلك دورا يتجاوز الجانب العسكري، معتبرا أن الإصلاحيين يفتحون الباب أمام ما وصفه قادته آنذاك بالتغلغل الغربي والاضعاف الداخلي لجبهة الثورة.

Image

أمام هذا الواقع، بدأ يتكشف تدريجيا أن الرئيس المنتخب لا يمتلك الأدوات الكافية لتنفيذ أجندته، فالدستور الإيراني يمنحه، من حيث النص، صلاحيات تنفيذية واسعة، لكنه يقيده عمليا بالبنية الفوقية التي تتحكم بها مؤسسات غير منتخبة، وعلى رأسها مكتب المرشد ومجلس صيانة الدستور والمجلس الأعلى للأمن القومي، ومع كل خطوة حاول خاتمي اتخاذها لتعزيز استقلالية المؤسسات المدنية، كانت هذه الجهات تفرض حواجز تمنعه من الاقتراب من أي ملف يراه النظام حساسا، وهكذا، بدا واضحا أن الإصلاح، مهما بلغ حجمه الشعبي، لا يمكن أن يتجاوز سقفا مرسوما سلفا لا يسمح بتخطيه.

هذا السقف البنيوي كشف للإصلاحيين منذ وقت مبكر أن القوة السياسية الحقيقية ليست في يد الرئيس ولا في يد البرلمان المنتخب، بل في يد مؤسسات موازية تشكل جوهر السلطة في إيران، ومع كل أزمة سياسية، كان هذا الفارق في موازين القوة يظهر بوضوح، فعندما حاول الإصلاحيون فتح نقاش عام حول ملفات تتعلق بالحريات أو سلطات القضاء أو تدخل الأجهزة الأمنية، كانت هذه المؤسسات ترد بمنطق حماية النظام وتعيد ضبط الإيقاع السياسي وفق رؤيتها، وبدلا من أن تنجح الحكومة الإصلاحية في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وجدت نفسها في موقع دفاع مستمر، تحاول الحفاظ على قدر من الانفراج دون الدخول في مواجهة مباشرة مع البنية العميقة للنظام.

Image

ومع مرور الوقت، بدأ المجتمع الإيراني يشعر بأن وعود الإصلاح تتحرك داخل دائرة مغلقة، فرغم التحسن النسبي في المناخ الثقافي والاجتماعي في بعض السنوات، ظل جوهر السلطة كما هو، كل خطوة يتم اتخاذها نحو الانفتاح كانت تقابلها خطوة مضادة من المؤسسات الموازية، فتتقلص مساحة المكاسب تدريجيا حتى تعود إلى حدود ضيقة للغاية، هذا التذبذب المستمر بين الانفتاح والانكماش جعل المواطنين يكتشفون أن الإصلاحات، مهما كانت جريئة في خطابها، لا تمتلك قدرة حقيقية على تغيير قواعد اللعبة السياسية.

ومع نهاية الولاية الثانية لخاتمي، كانت الحركة الإصلاحية قد وصلت إلى مفترق طرق، فبينما كان بعض الإصلاحيين يدعو إلى المواجهة السياسية وفتح حوار وطني حول تعديل الدستور وإعادة تعريف صلاحيات المؤسسات غير المنتخبة، فضل آخرون البقاء ضمن الإطار القائم ومحاولة التكيف معه، هذا الانقسام الداخلي بين الإصلاحيين كان من علامات النضج السياسي من جهة، لكنه من جهة أخرى كشف عن محدودية المشروع نفسه، إذ إن الإصلاح التدريجي بدا غير قادر على تجاوز البنية الصلبة للنظام، في حين أن الإصلاح الجذري كان يحمل مخاطرة كبرى لم يكن التيار الإصلاحي مستعدا لخوضها.

Image

لقد تركت تجربة خاتمي إرثا معقدا، فقد نجحت في تحريك المجتمع، ورفع الوعي، وتعزيز المشاركة السياسية، لكنها لم تنجح في تغيير ميزان القوى داخل النظام، ومع أنها فتحت الباب أمام جيل جديد من المطالبين بالإصلاح، إلا أنها أظهرت في الوقت نفسه أن أي مشروع إصلاحي في إيران سيظل محكوما بمنظومة تتسامح مع التغيير السطحي، لكنها تمنع التغيير البنيوي. ومع هذا الإدراك، بدأ المجتمع يدخل عصرا جديدا يتأرجح بين الأمل والتشكيك، بين المشاركة السياسية والانسحاب، بين انتظار الإصلاح من الداخل والبحث عن بدائل أكثر جذرية.

الإصلاح في حقبة ما بعد خاتمي… من روحاني إلى بزشكيان

منذ بداية العقد الثاني من الألفية، ومع انتقال مركز الثقل في المشروع الإصلاحي من الرهان على التحولات الثقافية والسياسية الداخلية إلى التركيز على الانفراج الخارجي وإعادة هيكلة الاقتصاد، برزت تجربتان جوهريتان تعكسان حدود الإصلاح داخل البنية الصلبة للنظام الإيراني، تجربة حسن روحاني التي امتدت بين 2013 و2021، وتجربة مسعود بزشكيان التي انطلقت عام 2024. وعلى الرغم من اختلاف الظروف والسياقات والمقاربات بينهما، فإن كلتا التجربتين تقدمان نموذجا مكثفا لمعنى العمل السياسي داخل منظومة تتحكم بها مؤسسات فوق حكومية تمتلك القدرة على توجيه السياسات الكبرى وتعطيل القرارات التنفيذية متى رأت أنها تشكل تهديدا لتوازنات السلطة القائمة، وتعد هاتان التجربتان، بما حملتاه من وعود وتحديات وإخفاقات، مرآة واضحة لفهم حدود مشروع الإصلاح في إيران بعد ربع قرن من صعوده الأول.

جاء حسن روحاني إلى السلطة في لحظة كانت فيها البلاد منهكة من التوتر الدولي والعقوبات الاقتصادية الثقيلة التي تراكمت خلال فترة حكم محمود أحمدي نجاد، وقدم روحاني نفسه، منذ الحملة الانتخابية، بوصفه الرجل القادر على فتح نافذة تفاوضية مع الغرب، وإعادة إدماج إيران في الاقتصاد العالمي، وتقليص الضغوط على الداخل عبر تخفيف الاحتقان السياسي، ومع أنه لم يصنّف رسميا ضمن التيار الإصلاحي التقليدي، إلا أن خطابه البراغماتي وخلفيته الدبلوماسية جعلاه الوريث الطبيعي لآمال قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التي كانت تبحث عن مخرج من الأزمات الاقتصادية التي فاقمتها العقوبات، وقد تأسس الخطاب الانتخابي لروحاني على ثلاثة أعمدة رئيسية وهي إصلاح العلاقات الدولية، دعم الحريات الاجتماعية ضمن سقف محدود، وإعادة بث الحيوية في الاقتصاد عبر جلب الاستثمارات وتخفيف العزلة المالية.

Image

عندما تمكنت حكومته من توقيع الاتفاق النووي عام 2015، بدا الأمر، للوهلة الأولى، وكأنه اختراق سياسي غير مسبوق منذ عقود، فقد أعطى الاتفاق انطباعا بأن النظام، بمختلف مؤسساته، مستعد لمنح الحكومة المنتخبة هامشا أوسع للتحرك، طالما أن هذا التحرك يتقاطع مع المصلحة الاستراتيجية العليا وهي تخفيف الضغوط الاقتصادية التي أصبحت تهدد استقرار الدولة، وفي تلك المرحلة، شعر الشارع الإيراني بأن عملية الإصلاح يمكن أن تكتسب معنى فعليا إذا دعمتها تسويات كبرى بين الحكومة والمؤسسات غير المنتخبة، وعلى رأسها الحرس الثوري ومكتب المرشد.

Image
Image

لكن هذا التفاؤل لم يلبث أن تراجع سريعا، فالحرس الثوري، الذي يملك شبكة مصالح اقتصادية وأمنية واسعة، نظر إلى الانفتاح على الغرب بريبة شديدة، خصوصا أنه كان يخشى من تأثيره على دوره الاقتصادي المهيمن في قطاعات النفط والبنية التحتية والتجارة، وبالتزامن مع ذلك، لعبت التطورات الإقليمية، من الحرب في سوريا إلى تصاعد التوتر مع السعودية، دورا مهما في تعزيز خطاب التشدد داخل أجنحة السلطة، وهكذا، ومع مرور الوقت، أصبح روحاني محاصرا بين ضغوط الخارج ومحدودية الداخل، وتحوّل الانفتاح الذي وعد به الإيرانيون إلى مسار متعثر.

Image

كذلك، فقد كشفت احتجاجات 2017 و2019 حدود قدرة الحكومة على إدارة الأزمات الاجتماعية، حيث خرج المتظاهرون احتجاجا على الغلاء والفساد وتدهور مستوى المعيشة، لكنهم سرعان ما وسعوا مطالبهم لتشمل انتقاد النظام بأكمله، وليس الحكومة فقط. وعندما تدخلت الأجهزة الأمنية بعنف لإخماد الاحتجاجات، ظهر روحاني في موقع شديد الضعف، إذ لم يكن قادرا على حماية المحتجين ولا على مساءلة المسؤولين عن القمع، الأمر الذي عمق فقدان الثقة في إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسات القائمة. ومع الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في 2018، سقط الركن الأساسي في مشروع روحاني، فعادت السياسة الخارجية إلى يد المرشد والحرس الثوري، وانحسرت صلاحيات الحكومة التنفيذية أكثر فأكثر، وبدلا من أن ينهي ولايته وقد حقق انفراجا اقتصاديا، وجد نفسه مضطرا لإدارة تدهور اقتصادي جديد، وتضخم غير مسبوق، وانكفاء دولي أعاد إيران إلى مربع العزلة.

Image

في هذا السياق، جاءت تجربة مسعود بزشكيان عام 2024، وخلافا لروحاني الذي بنى مشروعه على الدبلوماسية والعقلانية الاقتصادية، ظهر بزشكيان بخطاب إصلاحي أكثر مباشرة، خصوصا بعد احتجاجات العام 2022 والتي حملت شعار المرأة، الحياة، الحرية، فقد أظهرت تلك الاحتجاجات الفجوة العميقة بين الدولة وقطاع واسع من المجتمع، خاصة النساء والشباب الذين فقدوا الثقة في وعود الإصلاح الجزئي، ورغم أن الانتخابات التي أوصلت بزشكيان إلى السلطة كانت محاصرة بالمقاطعة الواسعة وغياب التنافس الحقيقي، فإن فوزه حمل دلالة رمزية تتعلق باستمرار رغبة جزء من المجتمع في تجربة كل ما هو ممكن قبل اليأس الكامل من العملية السياسية.

Image

تميز خطاب بزشكيان بجرأة نسبية في الحديث عن دور المؤسسات غير المنتخبة، حيث أشار بوضوح إلى التأثير الواسع للحرس الثوري والقضاء وهيئات الرقابة الدينية على مجمل القرارات التنفيذية، وخلال حملته، وعد بإجراء إصلاحات في المجال الحقوقي وتخفيف القيود الاجتماعية ومراجعة السياسات الأمنية التي أدت إلى تصاعد الاحتقان. لكنه، كما حدث مع روحاني، اصطدم منذ اليوم الأول بالبنية ذاتها التي تتحكم بالقرار السياسي. فقد بقيت الملفات الكبرى، من السياسة الإقليمية إلى البرنامج النووي، خارج نطاق سلطته، وظلت الحكومة تدور في هامش محدود يسمح بإدارة الشؤون اليومية دون الاقتراب من مراكز القوة.

Image

في الداخل، أظهر أداء الحكومة خلال الأشهر الأولى أن بزشكيان غير قادر فعليا على إحداث أي تحول في مسارات القمع الأمني أو في آليات الرقابة على المجتمع، أما اقتصاديا، فقد وجد نفسه أمام شبكة مصالح راسخة يصعب كسرها، خصوصا أن المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري تسيطر على قطاعات واسعة من السوق، وحتى محاولاته الرمزية للتخفيف من القيود الاجتماعية اصطدمت بقرارات قضائية وإدارية ألغتها أو عطلتها، ما أعاد إلى الأذهان المشهد المتكرر خطاب إصلاحي أمام جهاز تنفيذي مقيد، في مقابل مؤسسات غير منتخبة تمتلك القدرة على تعطيل أي تغيير.

تكشف التجربتان، رغم اختلافهما، مسارا واحدا يكاد يكون ثابتا، الدعم الشعبي الأولي، ثم الصدام مع السلطة العميقة، ثم العجز، فالخيبة. ومع تراكم هذه الدورات السياسية المتكررة، أصبح جزء كبير من المجتمع الإيراني يرى أن الإصلاح من داخل النظام بات مسارا مستنفدا، بينما تتوسع القناعة بأن أي تغيير حقيقي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين السلطات المنتخبة وغير المنتخبة، وهو ما يبدو، حتى الآن، خارج قدرة أي حكومة تأتي عبر الآليات التقليدية.

 هل تواطأ الإصلاحيون؟ … مراجعة نقدية لأداء القيادات

يعد سؤال هل تواطأ الإصلاحيون؟ من أكثر الأسئلة حساسية في النقاش السياسي الإيراني، لأنه يذهب إلى قلب الإشكال الذي رافق التيار الإصلاحي منذ ولادته، هل كان هذا التيار فعلا يسعى للتغيير البنيوي، أم كان جزءا من بنية النظام، يؤدي وظيفة امتصاص غضب الشارع والحفاظ على استقرار المنظومة؟ وبين هذين الطرفين تقع مساحة واسعة من التعقيد، إذ لا يمكن فهم أداء القيادات الإصلاحية من خلال خطابها السياسي فقط، بل من خلال مواقفها وسلوكها في اللحظات التي احتاج فيها المجتمع إلى الحسم، سواء في مواجهة القمع أو في طرح البدائل. وفي هذا السياق، يظهر أن التيار الإصلاحي وقع، في كثير من الأحيان، في منطقة رمادية بين الرغبة في حفظ مكانه داخل النظام وبين التردد في مواجهة مؤسسات القوة، ما جعل الكثير من الإيرانيين ينظرون إليه باعتباره ظاهرة إصلاحية خطابية، أكثر مما هو قوة سياسية قادرة على التغيير.

Image

تبدأ الإشكالية من اللحظة الأولى لصعود محمد خاتمي، فقد شكلت حملته الانتخابية، كما ذكرنا، وعدا كبيرا بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، لكنه في ممارسته السياسية لم يذهب بعيدا في تحدي المؤسسات الموازية. صحيح أن خاتمي حاول الدفاع عن الحريات، واحتج مرارا على إغلاق الصحف واعتقال الناشطين، إلا أنه في كل مرة كان يتراجع أمام خيار المواجهة المباشرة مع القضاء والحرس الثوري، وقد رأى جزء من الشارع أن هذه التراجعات كانت تعبيرا عن رغبة خاتمي في تجنب الصدام، فيما رأى آخرون أنها كانت عجزا حقيقيا لا يملك الرئيس أدوات لتجاوزه، لكن بغض النظر عن التفسير، فإن النتيجة كانت واحدة، ومفادها أن الإصلاحيون اكتفوا بالحد الأدنى من الاحتجاجات السياسية، من دون أن يظهروا استعدادًا للمغامرة بمواقعهم داخل النظام.

هذا السلوك ظهر بشكل أوضح خلال أزمة 1999، عندما تعرض الطلاب لقمع شديد في جامعة طهران، كانت هذه اللحظة بالنسبة لكثير من الإصلاحيين اختبارا حقيقيا لمدى استعداد القيادة الإصلاحية للدفاع عن القوى الاجتماعية التي أوصلتها إلى الحكم. لكن ما حدث كان محبطا، إذ اكتفت الحكومة بإدانة شكلية للانتهاكات، دون اتخاذ خطوات عملية لحماية الطلاب أو محاسبة المتورطين في القمع. وهنا بدأ يظهر الشرخ بين الشارع والقيادات الإصلاحية، حيث شعر كثيرون بأن الإصلاحيين ليسوا مستعدين لدفع ثمن المواجهة مع السلطة، الأمر الذي جعل خصومهم يعتبرونهم إصلاحيين من دون إصلاح.

Image

ثم جاءت الحركة الخضراء عام 2009 لتكشف عمق الأزمة، حين خرج ملايين الإيرانيين احتجاجا على تزوير الانتخابات، مطالبين بالشفافية واحترام أصوات الناخبين، ورغم أن الحركة انطلقت بدعم ضمني من بعض الإصلاحيين، فإن القيادات الإصلاحية التقليدية لم تظهر قدرة أو رغبة في إدارة حركة احتجاج شعبية بهذا الحجم، ومع تصاعد القمع، ظهر ميزان القوى الحقيقي داخل النظام، وبان معه محدودية الدور الذي يمكن للإصلاحيين أن يلعبوه. وقد رأى كثيرون أن قيادات الحركة، وعلى رأسها محمد موسوي ومهدي كروبي، تركت وحيدة في مواجهة الدولة، وهو ما عزز شعورا متناميا لدى الشباب بأن الإصلاح الداخلي ليس سوى إطار رمزي لا يملك قوة اجتماعية أو سياسية منظمة قادرة على الصمود لحظة الاختبار.

Image

وفي عهد حسن روحاني، بدا أن المعضلة تتكرر بشكل أكثر وضوحا، فبعد توقيع الاتفاق النووي، شعر جزء من الشارع بأن الإصلاح بدأ يحقق نتائج ملموسة، وأن الانفتاح الاقتصادي قد يكون مدخلا لتخفيف القبضة الأمنية، لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد مع تصاعد دور الحرس الثوري، وخصوصا في الملفات الإقليمية، فعادت الاعتقالات، وازدادت الرقابة على الفضاء العام، فيما بدا روحاني نفسه عاجزا عن الاعتراض، بل إن بعض تصريحاته أظهرت ميلا إلى تقديم تبريرات بدلا من المواجهة. وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، بدا روحاني جزءا من اللعبة السياسية أكثر من كونه بديلا لها، خصوصا عندما حمل المجتمع نفسه مسؤولية الفشل بدلا من محاسبة الأجهزة الأمنية التي قمعت الاحتجاجات.

أما تجربة مسعود بزشكيان، رغم رمزيتها، فقد أعادت النقاش نفسه، فقد جاء الرجل بخطاب إصلاحي ينادي بإعادة فتح المجال العام ومراجعة أداء المؤسسات الأمنية، لكنه سرعان ما دخل في الإطار التقليدي ذاته، خطاب إصلاحي ناعم دون قدرات فعلية على تحدي القوة الصلبة التي تمسك بالمشهد، ومع أنه حاول التمايز عن سابقيه عبر الصراحة في النقد، فإن الانطباع الشعبي السائد بأن رؤساء الإصلاح لا يستطيعون أو لا يريدون الاصطدام بالبنية الحقيقية للسلطة لم يتغير.

Image

وبشكل عام، فتتضح أزمة التواطؤ المحتمل في نقطتين أساسيتين، الأولى هي أن الإصلاحيين، منذ البداية، اختاروا البقاء داخل النظام بدلا من الدفع نحو تغيير جذري، وهو خيار يمكن فهمه من الناحية الواقعية لكنه أضعف صدقيتهم مع الشارع، أما النقطة الثانية فهي أن القيادات الإصلاحية غالبا ما تبنت خطابا مزدوجا، خطابا تقدميا موجها للشارع، وخطابا محافظا موجها لمراكز القوة، هذا الانقسام أضعف مشروعهم السياسي وخلق فجوة بين طموحات قواعدهم وحدود أدائهم العملي.

لكن القول إن الإصلاحيين تواطأوا قد يكون مبالغة، إذ لا بد من الاعتراف بأن البنية الدستورية والسياسية للنظام تجعل المواجهة المباشرة مكلفة للغاية، وقد اختار الإصلاحيون، في معظم الأحيان، تجنب هذه المواجهة التي كانوا يدركون أنها ستنتهي إما بسحقهم سياسيا أو بإقصائهم من المشهد كليا. إلا أن هذا الخيار، حتى لو كان منطقيا لهم، كان مكلفا بالنسبة لقاعدتهم الاجتماعية التي شعرت بأن التيار الإصلاحي أصبح جزءا من آلية إدارة النظام، وليس قوة تغييرية حقيقية.

وهكذا، فإن السؤال عن تواطؤ الإصلاحيين ليس سؤالا عن النوايا فقط، بل عن طبيعة الاستراتيجية التي اتبعوها، استراتيجية الحذر والتدرج المفرط، وعدم خوض معارك جوهرية، والاكتفاء بالمناورة ضمن حدود النظام. ومع مرور الزمن، تراكمت نتائج هذه الاستراتيجية حتى وصلت الحركة الإصلاحية إلى لحظة ضعف تاريخي، حيث باتت عاجزة عن إقناع المجتمع بأنها قادرة على إحداث تغيير ذي معنى، بينما يتجه جزء كبير من الشارع نحو خيارات أكثر جذرية تتجاوز الإصلاح التدريجي إلى البحث عن تغيير بنيوي كامل.

الشارع الإيراني بين جيلين… من رهانات الإصلاح إلى خيار التغيير الجذري

لم يعد المشهد الاجتماعي والسياسي في إيران اليوم يشبه ما كان عليه قبل ربع قرن، حين كان الشارع يذهب إلى صناديق الاقتراع بأمل واسع في أن الإصلاح التدريجي قادر على تغيير شكل النظام، فقد مر المجتمع الإيراني بتحولات عميقة، أنتجت جيلين مختلفين في رؤيتهما للسياسة ولإمكانات الإصلاح من الداخل. الجيل الأول، الذي عاش تجربة صعود خاتمي، ظل يتمسك طويلا بفكرة أن قوة المجتمع المدني والضغط الانتخابي يمكنهما فتح المجال العام ودفع النظام نحو مسار أكثر تعددية. أما الجيل الجديد، خصوصا الذي برز في احتجاجات 2019 و2022، فقد تبنى قراءة أكثر جذرية، يرى فيها أن الإصلاح ليس مسارا واقعيا، وأن بنية السلطة في إيران مغلقة بطبيعتها، ولا يمكن تغييرها عبر آليات النظام نفسه، هذا التحول في المزاج الشعبي يمثل أحد أهم العناصر لفهم مستقبل الحياة السياسية في إيران.

في السنوات الأولى من حكم خاتمي، كان الشارع يختبر لأول مرة إمكانية التغيير السلمي من داخل النظام، فقد شعر كثير من الإيرانيين بأن الصناديق يمكن أن تحدث فرقا، وأن التيار الإصلاحي قادر على فتح الأبواب المغلقة أمام الصحافة والجامعات والمجتمع المدني، وظهرت آنذاك حركة طلابية نشطة، ساهمت في تعزيز المشاركة السياسية، وأنتجت نقاشات واسعة حول الحريات الفردية والجماعية وحقوق المرأة ودور الشباب. كان ذلك الجيل يرى أن الدولة، رغم قيودها، يمكن أن تتطور، وأن السلطة ليست تحت راية واحدة، بل قابلة للتفاوض، ولأن المجتمع كان خارجا من سنوات الحرب والعزلة، كان للأمل دور مركزي في تشكيل المزاج الإصلاحي.

Image

لكن سلسلة الصدامات المتتالية بين الإصلاحيين والسلطة العميقة، بدءا من أزمة 1999، مرورا بالحركة الخضراء، وصولا إلى الاحتجاجات المتكررة بعد 2017، أدت إلى تآكل تدريجي لهذا الأمل، ففي كل مرة حاول فيها الشارع استخدام الأدوات الدستورية لتحقيق الإصلاح، جاءت النتيجة نفسها، الآليات الانتخابية تضيق، مجلس صيانة الدستور يتدخل، الحرس الثوري يسحق الحركة الاجتماعية، والحكومة المنتخبة تبدو عاجزة أو غير راغبة في مواجهة هذه الجهات. ومع تراكم هذه التجارب، بدأ جزء كبير من الجيل الأول يشعر بالخيبة، وبدأت مساحة الإصلاح تتقلص لا سياسيا فحسب، بل ذهنيا أيضا.

أما الجيل الجديد، الذي برز بقوة في العقد الأخير، فقد دخل الحياة السياسية في سياق مختلف تماما، هذا الجيل لم يجرب لحظة الانفتاح النسبي في عهد خاتمي، ولم ير وعود الإصلاح تتحقق ولو جزئيا، بل وجد نفسه يعيش في ظل قبضة أمنية محكمة، وعقوبات اقتصادية خانقة، وأزمات بنيوية في سوق العمل والتعليم والحريات، ولهذا، لم يتشكل وعيه السياسي حول فكرة التدرج، بل حول فكرة القطيعة. ويعبر هذا التحول بوضوح في شعارات احتجاجات 2022، حيث اختفى الخطاب الانتخابي، وحل محله خطاب أكثر جذرية يطالب بإعادة تعريف الدولة نفسها. لقد أصبح هذا الجيل يرى أن الإصلاح لم يفشل لأنه لم تتح له الفرصة، بل لأنه غير ممكن من الأساس داخل بنية صممت لمنع التغيير.

Image

هذا وقد كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور مهم في تشكيل هذا الوعي الجديد، فقد كسرت الحدود التي فرضتها أجهزة الدولة على المعلومات، وربطت الشباب بالخطابات العالمية حول حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساواة، ومع كل حادثة قمع أو إقصاء انتخابي، كان الغضب الشعبي يتسع، خصوصا لدى جيل يشعر بأن أدوات التعبير التقليدية، كالصحافة والانتخابات والنشاط الطلابي، لم تعد مجدية، هذه الديناميكية الجديدة جعلت الشارع أقل صبرا على الوعود وأكثر استعدادا للمواجهة، وإن بقيت الحركة الاحتجاجية غير منظمة.

ولا يمكن تجاهل تأثير الانهيار الاقتصادي في تشكيل هذا التحول، فقد أظهرت الاحتجاجات الاقتصادية منذ 2017 أن الغضب الاجتماعي لم يعد محصورا في طبقة وسطى مثقفة تطالب بالحريات، بل امتد إلى الشرائح الفقيرة والعمالية التي طالما ظلت بعيدة عن الاحتجاجات السياسية، ومع اتساع الهوة بين الدولة والمجتمع، أصبح الخطاب المعارض متنوعا، يجمع بين المطالب المعيشية والمطالب السياسية. ومع ذلك، ظلت الاستجابة الرسمية واحدة، المزيد من القمع وتضييق الفضاء العام، ما دفع قطاعات جديدة من المجتمع إلى استنتاج أن الإصلاح لم يعد طريقا ذا جدوى.

هذا الانقسام بين جيلين يظهر بوضوح في الاستحقاقات الانتخابية، فقد شهدت السنوات الأخيرة أدنى مستويات المشاركة في تاريخ إيران، خاصة في انتخابات 2020 و2021، حيث بلغت المقاطعة مستويات غير مسبوقة، وتفسر استطلاعات الرأي هذا التراجع بأن جزءا كبيرا من الشباب يرى أن الانتخابات فقدت معناها، وأن النتائج تحدد مسبقا عبر آليات الإقصاء، ومع أن بزشكيان استطاع استعادة بعض المشاركة في 2024، فإن ذلك التغيير كان محدودا وظرفيا، ولم يعكس عودة حقيقية للثقة في إمكانية الإصلاح.

في الوقت نفسه، لا يزال جزء من المجتمع متمسكا بفكرة الإصلاح التدريجي، خصوصا بين الجيل الأكبر سنا الذي يرى أن أي تغير جذري قد يؤدي إلى فوضى أو انهيار الدولة، هذا الجيل يعتبر أن الإصلاح، رغم بطئه، يبقى المسار الأكثر أمانا، وأن مواجهة النظام مباشرة قد تنتهي بكارثة سياسية أو أمنية. ومع ذلك، يبدو أن هذا التيار الاجتماعي يتراجع أمام تنامي القناعة لدى الشباب بأن الانتظار لم يعد خيارا.

وفي ظل هذا التناقض بين رغبتين، رغبة في إصلاح هادئ يدور داخل النظام، ورغبة في قطيعة كاملة معه، تبدو ملامح المستقبل السياسي لإيران معلقة بين مسارين، الأول هو استمرار النظام في هندسة المشهد السياسي بطريقة تبقي السلطة الحقيقية في يد المؤسسات غير المنتخبة، بينما تتيح هامشا محدودا للمشاركة، وهذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط وإلى تكرار دورات الاحتجاج والقمع، أما المسار الثاني، فهو انبثاق حركة سياسية جديدة تتجاوز التجارب الإصلاحية التقليدية وتجمع بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو احتمال لا يزال قيد التشكل، لأن الحركة الشعبية في إيران لم تنجح بعد في تنظيم نفسها في إطار مستدام.

وفي النهاية، تكشف قراءة الشارع الإيراني عبر جيله القديم وجيله الجديد أن الأزمة لم تعد مجرد أزمة إصلاحية، بل أصبحت أزمة ثقة في النظام السياسي ذاته، فقد استنفد الإصلاح من الداخل جزءا كبيرا من قدرته الرمزية، بينما تزداد الحاجة إلى رؤية جديدة تتعامل مع الدولة والمجتمع بطريقة تتجاوز الثنائية التقليدية بين تشدد وإصلاح، وما لم يتغير ميزان القوى داخل بنية النظام، سيظل الشارع يتحرك بين الانفجارات المتقطعة وخيبة الأمل المستمرة، منتظرا لحظة يكون فيها التغيير امتدادا لقدرة المجتمع لا لحدود النظام.

بين حدود الإصلاح وإمكانات التغيير

تظهر التجارب المتراكمة خلال أكثر من ربع قرن أن مأزق الإصلاح في إيران لا يرتبط بضعف القيادات الإصلاحية فحسب، بل بتركيبة سياسية صممت لمنع أي تغيير يمس جوهر السلطة، فمنذ صعود خاتمي، اتسعت الآمال بإمكانية التغيير التدريجي من داخل النظام، غير أن كل محاولة إصلاحية اصطدمت بالبنية الصلبة التي يقودها المرشد ومجلس صيانة الدستور والحرس الثوري، وهي مؤسسات غير منتخبة تتحكم فعليا بمسار الدولة وتحدد حدود الحراك السياسي. ومع مرور الوقت، أصبح واضحا أن الرئيس المنتخب يمتلك هامشا محدودا لإدارة الشؤون اليومية، لكنه لا يستطيع إعادة، سم قواعد اللعبة.

وعلى الجانب الشعبي، تغير وعي المجتمع نفسه، فبينما راهن جيل 1997 على الإصلاح التدريجي وصناديق الاقتراع، نشأ جيل جديد يرى أن المسار الإصلاحي قد استنفد قدرته، وأن بنية السلطة مغلقة بطبيعتها، لا يمكن اختراقها عبر المشاركة الانتخابية أو الخطاب المعتدل، وقد أسهمت الاحتجاجات المتكررة والقمع المتصاعد وتراجع الحريات في تكريس قناعة واسعة بأن الإصلاح لم يعد خيارا عمليا، بل غطاء سياسيا لاحتواء الغضب الاجتماعي.

في ضوء ذلك، يبرز السؤال الجوهري، هل ما زال الإصلاح من داخل النظام ممكنا؟ تشير الوقائع إلى أن أي إصلاح ذي معنى يتطلب إعادة تعريف موقع المؤسسات غير المنتخبة داخل الدولة، وهو أمر لم تظهر السلطة استعدادا للتفاوض حوله، وإلى أن يحدث تغير في بنية القوة أو تتشكل حركة سياسية جديدة خارج الإطار التقليدي، سيظل الإصلاح مشروعا مقيدا بسقف منخفض، عاجزا عن تحقيق التحول الذي حلمت به الأجيال المتعاقبة.

كلمات مفتاحية: