خبير سياسي إيراني: تركيا والسعودية تنقلان الرسائل بين طهران وواشنطن دون لعب دور الوساطة

Image

أجرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية، الثلاثاء 2 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حوارا مع جعفر حق بناه، الخبير الإيراني في الشؤون التركية، تناول فيه أبعاد زيارة وزير الخارجية التركي هاکان فيدان إلى طهران، وناقش طبيعة الدورين التركي والسعودي في تبادل الرسائل بين طهران وواشنطن بعيدا عن أي وساطة فعلية.

Image

 نص الحوار:

كيف تقيمون علاقات إيران وتركيا في ظل العقوبات وحاجة إيران للغاز؟

العلاقات بين إيران وتركيا كانت دائما متميزة، إذ تمكنت رغم التعارضات والمنافسات من التقدم على المستويين الثنائي والإقليمي، مع مزاوجة بين التعاون والمنافسة، وعلى مدى كل هذه السنوات، كلما تقدمنا، مال المستوى الثنائي من مجال المنافسة الى مجال التعاون. 

وكلما جرى حل المزيد من القضايا السياسية والامنية، أصبح التعاون الاقتصادي هو الموضوع الرئيسي والأولوية، مع بقاء بعض نقاط التباين والتحديات، وقد أقر الجانبان بذلك في مفاوضات الأمس، إذ توجد فجوة كبيرة مع المستوى المنشود.

ومنذ أواخر العقد الثمانين حتى الآن، كان الحديث يدور دائما حول رفع مستوى العلاقات الاقتصادية الى 30 مليار دولار أو أكثر، لكننا شهدنا في أحسن الأحوال تحقق نصف هذا الرقم، أي ثلث حجم التبادل المتوقع. 

وعلى أي حال، في المجال الثنائي، الاقتصاد هو العنصر الاساسي، وسائر القضايا يمكن إدارتها بسهولة اكبر، وحتى في الملفات الخلافية والامنية ليست هناك مسائل حادة او صعبة. 

وعندما جرى حل التحديات الأمنية والسياسية، تولد اعتماد متبادل مكّن الطرفين من فتح الطريق أمام التعاون الاقتصادي، وهذه الدلالات موجودة لدى الطرفين؛ فمن جانب تركيا، تتبع الحكومات هناك سياسة خارجية تجارية الطابع وتوجهات قائمة على دعم التجارة.

كما أن السياسة الخارجية لهذا البلد داعمة لاقتصاد تركيا، وتتخذ القرارات التي تضمن إتمام هذه التجارة بأفضل شكل، وقد طبق ذلك تماما في حكومة الرئيس التركي أردوغان. 

فزيارات الرئيس أو وزير الخارجية التركي ترافقها دائما وفود من رجال الأعمال، والسوق الإيراني البالغ 85 مليون نسمة مهم لتركيا في الطاقة والسياحة والقطاع الخاص والصناعات الصغيرة. 

وقد نجحت تركيا في تعزيز ارتباط المناطق الحدودية بإيران عبر استراتيجية 10 سنوات، وطلبت فتح قنصلية في وان، وافتتاح فروع للبنوك الإيرانية، وزيادة المنافذ الجمركية وتسهيل الترانزيت، ما أفاد الجانب التركي أكثر. 

ومع استثناء قطاع الطاقة تصبح الكفة لصالح تركيا، رغم وجود مشكلات بالتعرفة التفضيلية التي يُتوقع تسويتها، خاصة مع حاجة إيران لتحسين تعاملاتها مع تركيا.

Image

هل كان لهذا الأمر علاقة بزيارة وزير الخزانة الأمريكي إلى تركيا؟

تريد الولايات المتحدة ألا يقيم جيران إيران ولا أي دولة أخرى علاقات معها، ومدى تحقق هذا الأمر يرتبط بالعلاقات الثنائية بين الدول، وهذه مسألة تتعلق بالعلاقات الثنائية للدولة المعنية وما إذا كانت الولايات المتحدة تلبي احتياجاتها. 

ورأينا في العراق أن نفوذ الولايات المتحدة أكبر، وقد جرى تمديد الإعفاءات مرارا، أما في تركيا فالأمر مختلف تماما، فالمكانة التي تتمتع بها تركيا ترفع قدرة التفاوض لديها بدرجة كبيرة. 

فتركيا تتبع منذ عقدين سياسة تنويع مصادر الطاقة، وقد تحولت إلى مركز اقليمي للطاقة، ومن الطبيعي ألا تتخلى عن التعاون مع إيران في قطاع الطاقة. 

ورغم أن هذا المجال طالما كان مليئا بالتحديات، سواء في ما يتعلق بسعر الغاز أو كمياته أو مد خط أنابيب جديد، لا أعتقد أن تركيا ستمنح الولايات المتحدة امتيازا في هذه المسائل. 

ورغم أن تركيا ستتماشى في الإطار العام مع سياسة العقوبات الأمريكية، إلا أنها لن تفعل ذلك في مسألة شراء الغاز، ومن جهة أخرى، نعلم أن هذا الحجم من الغاز ليس كبيرا جدا، رغم انه ثابت ومضمون، ولا يشكل موردا سياسيا او امنيا حساسا مثل ما يحدث في العراق. 

 ففي العراق يتقاطع بيع الغاز والكهرباء مع النفوذ الإيراني ما يثير رد فعل أمريكي، أما في تركيا فالوضع مختلف، وقيود العقوبات تمنع زيادة الطاقة التبادلية رغم كونها سوقا استهلاكية كبيرة محتملة.

كيف ترون مستوى التنسيق بين إيران وتركيا في غزة وسوريا؟

في قضية فلسطين وغزة، يوجد اختلاف في الخطاب بين البلدين، وهذا التباين في النهاية يفضي أيضا إلى منافسة، لكن في المجمل، خصوصا في الظروف الحالية لإيران، فإن النظرة المشتركة أكبر. 

فمن الناحية الإنسانية، وأمام تفاقم أزمة غزة، نحن أمام مأساة غير انسانية، بل أن أوروبا تشهد موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات على هذه الكارثة. 

ومن الطبيعي أن تكون هذه القضية أولوية لإيران ودول المنطقة، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن على إيران أن تبلور رؤية مشتركة ليس فقط مع تركيا، بل حتى مع الدول العربية أيضا بشأن غزة.

أما بالنسبة لسوريا، فيجب الانتباه الى موقع إيران بوصفها طرفا فاعلا في الظروف الحالية، فتركيا الآن في موقع أعلى، لكنه هشّ ومليء بالتحديات، وقد يكون أحد نقاط التقاطع بين البلدين في سوريا هو عدم السماح بتحولها الى ساحة نفوذ لإسرائيل؛ فكلاهما يشعر بالتهديد في هذا الجانب. 

والتهديد الآخر المشترك هو تحول سوريا الى دولة منهارة وملاذ للتيارات المتطرفة والإرهابية.

فأي دولة تعاني من الفقر وانعدام الاستقرار تصبح البيئة الانسب للجماعات “المتشددة” مثل داعش، وهذا تهديد لكلا البلدين، كما يوجد اتفاق حول الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. 

بالنسبة لإيران، الظروف في سوريا غير مواتية، بينما تركيا، رغم حدودها المشتركة، تملك أوراقا أكثر وتشعر بخطر فقدان موقع استراتيجي، لذا ستزيد جهودها.

وبالتالي، في موضوع سوريا يبقى مستوى التنسيق محدودا، أما القضايا الاخرى فستبقى في الأجواء المتوترة ذاتها، ولن تصل الى تعاون، بينما يظل احتمال التعاون في العراق أكبر.

Image

أشرت إلى أن التهديد المشترك للبلدين يتمثل في نفوذ إسرائيل داخل سوريا؛ وفي هذه الحالة أيضا لن تتعاون تركيا مع إيران؟

لا، تركيا لن تجري تغييرا كبيرا في سوريا بمساعدة إيران، والسبب هو الوضع الحالي الذي تشهده الساحة من اختلال التوازن بين إيران وإسرائيل. 

فلو كان ذلك قبل حرب الـ 12 يوما، ربما كان من الممكن حصول تعاون أكبر، خاصة إذا وصلت مواجهة تركيا مع إسرائيل الى مستويات حادة، لكن اليوم، تستثمر تركيا في أذرع أخرى. 

فهي تتابع، عبر الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، خاصة قطر ومؤخرا السعودية، إمكانات تعاون أكثر فعالية مع سوريا.

وأرى أن موقف أردوغان في مواجهة إسرائيل بشأن غزة يأتي في إطار محاولة تحقيق توازن يريد أن يجري أيضا في سوريا، بهدف منع إسرائيل من التفرغ بشكل كامل من غزة للتوجه نحو لبنان وسوريا، وهو أمر لا يتوافق مع مصالح تركيا.

هل تمتلك تركيا القدرة على لعب دور في الملف النووي وفي علاقات إيران مع الولايات المتحدة؟

تركيا والسعودية لا تمتلكان قدرة فعلية على التأثير في الملف النووي الإيراني أو علاقات إيران مع الولايات المتحدة، إذ يقتصر دورهما على نقل الرسائل وتعزيز مكانتهما الدولية. 

رغم حرصهما على تجنب الحرب، ويرحبان باحتواء إيران وتقليص قدراتها النووية، لكن الملف ليس أولوية لهما، وزيارة فيدان تُقيَّم ضمن هذا الإطار المحدود.

هل تمتلك تركيا دورا في مجمل علاقات إيران الإقليمية؟ وهل يمكن اعتبار تزامن زيارة نائب وزير خارجية السعودية مع زيارة هاكان فيدان مرتبطا؟

نحن لا نعلم حتى بما يجري داخل إيران، فكيف نعلم بما يحدث في هذه المفاوضات واللقاءات، أو إلى أي مدى كان البلدان منسقين؟

تركيا كانت دائما نشطة في هذه الملفات، وخصوصا في القضايا المتعلقة بإيران، فلطالما كان هناك تصور بأن وزراء خارجية تركيا عبر حكومات هذا البلد يأتون إلى إيران بدور وسيط، وربما هذا امتداد لهذا المسار التاريخي. 

أما الأمر اللافت فهو زيارة نائب وزير خارجية السعودية إلى طهران بعد زيارة محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، وهذه الزيارة تبدو أكثر جدية ومعنى من زيارة فيدان.

كيف تحللون دور الدبلوماسية في الوضع الحالي للبلاد؟

Image

يثير الجمود والصمت على السياسة الخارجية الإيرانية القلق، إذ لم يظهر تحرك يذكر من وزارة الخارجية أو رئاسة الجمهورية أو الأجهزة العليا الأخرى، رغم التحديات غير المسبوقة. 

ويمكن ملاحظة أثر ذلك في اضطرابات السوق والعملات، وهو انعكاس لشعور عدم الأمان والغموض في السياسة الخارجية. 

فالمقاربة السابقة “لا حرب ولا تفاوض” لم تعد فعالة، ولا توجد سياسة منسقة، ما يزيد المخاوف ويستدعي تحويل هذه المواقف إلى سياسات واضحة تنقل للمجتمع.