- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 190 Views
كتب: الترجمان
استيقظت إيران يوم الجمعة 27 مارس/آذار 2026 على وقع سلسلة من الانفجارات العنيفة التي لم تكن مجرد جولة عسكرية تقليدية، بل مثلت تدشينا لما وصفه المراقبون بـ “حرب تحطيم العظام الصناعية”. في هجوم جوي واسع النطاق، استهدف الطيران الإسرائيلي بالتنسيق المعلن مع الولايات المتحدة الأمريكية مفاصل السيادة الاقتصادية والنووية الإيرانية، مركّزا نيرانه على قطاع الصلب والمنشآت النووية ومحطات الطاقة.
هذا التصعيد غير المسبوق استدعى استنفارا إيرانيا شاملا على المستويات السياسية، العسكرية، والمدنية، حيث صاغت طهران خطابا جديدا يتجاوز الدفاع التقليدي إلى التهديد بتدمير أركان الصناعة في المنطقة بأسرها، معلنة أن زمن “الضربات الموضعية” قد ولى، وأن العالم بصدد مواجهة معادلة الدمار الصناعي المتبادل.
خارطة الاستهداف: ضرب “رئة” الاقتصاد والبرنامج النووي السلمي
لم يكن اختيار الأهداف عشوائيا، بل جاء ليضرب مراكز الثقل التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني في ظل العقوبات النفطية المشددة. فقد تعرض مجمع “صلب مباركة” في محافظة أصفهان، وهو العملاق الصناعي لقصف جوي مكثف.
وأكد محافظ أصفهان، مهدي جمالي نجاد، أن الهجوم استهدف بشكل مباشر محطتي توليد الكهرباء التابعتين للمجمع (بقدرة 900 و250 ميجاوات)، مما تسبب في شلل تام لخطوط الإنتاج وسقوط شهيد و15 جريحا من الكوادر الفنية.
وفي خوزستان، طال القصف “شركة صلب خوزستان” مستهدفا صوامع التخزين وورش الدعم الفني، بينما امتدت النيران لتطال مناجم الإسمنت في فيروز آباد بمحافظة فارس، حيث استشهد عاملان وأصيب آخرون في هجوم استهدف منطقة مدنية بامتياز، وفقا لتصريحات حسن قمري، القائم بأعمال النائب السياسي لمحافظة فارس، الذي وصف الحادثة بأنها جريمة بحق “الطبقة العاملة الكادحة”.
على المسار النووي، كانت مدينة خنداب مسرحا لهجوم مزدوج استهدف مفاعل الماء الثقيل والمنشآت المرتبطة به. وأعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن المجمع تعرض للقصف على مرحلتين، تزامنا مع استهداف مصنع “الكيك الأصفر”، إشارة إلى اليورانيوم، في أردكان بمحافظة يزد.
ورغم تأكيدات المنظمة بأن الهجمات لم تسفر عن تسريبات إشعاعية بفضل التدابير الأمنية المسبقة، إلا أن استهداف هذه المواقع يمثل خرقاً صريحاً لكافة المحرمات الدولية المتعلقة بالمنشآت النووية السلمية، وهو ما اعتبره الجانب الإيراني محاولة يائسة لعرقلة التقدم التكنولوجي الوطني تحت ذريعة العمل العسكري.

الموقف الدبلوماسي: عراقجي يفضح “الخداع الأمريكي”
قاد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الهجوم الدبلوماسي المضاد، موجهاً أصابع الاتهام مباشرة إلى واشنطن. وفي تصريحات شديدة اللهجة، أكد عراقجي أن الادعاءات الإسرائيلية بأن الهجوم تم بالتنسيق مع الولايات المتحدة تضع الإدارة الأمريكية في خانة الشراكة المباشرة في الجريمة.
وأشار عراقجي إلى التناقض الصارخ في السياسة الأمريكية، حيث تأتي هذه الهجمات بعد أيام قليلة من حديث الرئيس الأمريكي ترامب عن تمديد مهلة الدبلوماسية وتوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة.
وقال عراقجي بوضوح: “هذا الهجوم يتناقض تماما مع الوعود المعلنة، وإيران لن تقف مكتوفة الأيدي، بل ستجعل المعتدين يدفعون ثمناً باهظاً مقابل استهداف السيادة الوطنية والمنشآت المدنية”.
هذا الموقف يعكس قناعة طهران بأن المسار الدبلوماسي بات “غطاء لعمليات تخريبية”، مما يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية خارج الصندوق الدبلوماسي التقليدي.

الحرس الثوري والتهديد الوجودي: معادلة “ما بعد العين بالعين”
من الناحية العسكرية، كانت تصريحات قادة الحرس الثوري هي الأكثر إثارة للقلق في الأوساط الدولية. فقد صرح مجيد موسوي، قائد القوة الجوفضائية، بأن المعادلة قد تغيرت جذريا، محذرا من أن الرد القادم لن يكون “نديا” بل سيكون “تدميريا وشاملا”.
وقال موسوي في خطاب وجهه للأعداء: “لقد اختبرتمونا سابقا، واليوم بدأتم اللعب بالنار عبر استهداف البنى التحتية، فانتظروا رداً لا يخضع لمعادلة العين بالعين”.
وفي خطوة تصعيدية لافتة، أصدرت العلاقات العامة في الحرس الثوري بيانا تحذيريا طالبت فيه جميع العاملين في الشركات الصناعية الكبرى في المنطقة، والتي ترتبط بمساهمات أمريكية أو تحالفات مع إسرائيل، بمغادرة مواقع عملهم فورا، مؤكدة أن المقاتلين بصدد تنفيذ عمليات انتقامية ستطال مراكز اقتصادية حيوية خارج الحدود الإيرانية، كجزء من استراتيجية الردع الجديدة.

المواجهة القانونية: استغاثة وتوثيق “جرائم الحرب”
لم تكتفِ طهران بالوعيد العسكري، بل تحركت عبر القنوات القانونية الدولية لتوثيق الهجمات كـ “جرائم حرب”. وصرح عزت الله زارعي، المتحدث باسم وزارة الصناعة، بأن استهداف مصانع الفولاذ والألومنيوم التي تنتج سلعا مدنية هو انتهاك صريح لاتفاقية جنيف لعام 1949 وبروتوكولها الإضافي لعام 1977، وتحديدا المادة 52 التي تمنح الحصانة للمنشآت غير العسكرية.
وكشف زارعي أن وزير الصناعة محمد أتابك خاطب منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية رسميا، مطالبا بإرسال لجان تقنية لتقييم الخسائر والمساعدة في إعادة الإعمار، معتبرا أن الصمت الدولي على “إرهاب المنشآت” سيؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، مشددا على أن إيران ستمارس حقها القانوني في الملاحقة والتعويض عن كافة الأضرار التي لحقت بقطاعها الصناعي.
إدارة الأزمة والروح المعنوية: “إيران ستبقى والمغول سيرحلون”
على الجبهة الداخلية، سعى رئيس مجلس الإعلام الحكومي، إلياس حضرتي، إلى بث رسائل الطمأنة للشعب الإيراني، مؤكدا أن جميع المواقع المتضررة تخضع الآن لسيطرة الفرق الفنية واللوجستية.
وفي تدوينة له، وصف حضرتي الهجمات بأنها “دليل على عجز العدو” الذي فشل في تحقيق إنجازات ميدانية ولجأ إلى ضرب معيشة الناس. واستخدم حضرتي استعارة تاريخية قوية بقوله: “إن المعتدين سيرحلون كما رحل المغول من قبل، وستبقى إيران شامخة وبسواعد شبابها ونخبها سنعيد بناء ما دمره العدو بشكل أفضل مما كان”.
هذه التصريحات تهدف إلى احتواء أي حالة ذعر في الشارع الإيراني وضمان استمرارية العمل في المناطق الصناعية الأخرى رغم التهديدات المستمرة.
التداعيات الإقليمية وبنك الأهداف: “الكل في دائرة الخطر”
النقطة الأكثر خطورة في الرد الإيراني تمثلت في الكشف غير الرسمي عن “بنك أهداف” إقليمي يضم كبرى الشركات الصناعية في دول الجوار. فقد ألمحت مصادر إلى أن أي ضربة للصناعة الإيرانية ستقابل بضربات لمجمعات مثل “سابك حديد” في السعودية، و”إيميريتس ستيل” في الإمارات، و”قطر ستيل” في قطر، بالإضافة إلى مجمعات في الكويت والبحرين وإسرائيل.
ترى طهران أن استقرار الصناعة في المنطقة هو وحدة واحدة لا تتجزأ؛ فإما أن ينعم الجميع بالأمن الصناعي، أو أن تتحول المنطقة بأسرها إلى حطام. هذا الموقف يضع المجتمع الدولي ودول الجوار أمام مسؤولية الضغط على إسرائيل وواشنطن لوقف الهجمات، لأن الرد الإيراني هذه المرة يبدو أنه قد تجاوز حدود “ضبط النفس” وانتقل إلى مرحلة “الردع الشامل عبر التدمير الاقتصادي”.
إن الهجمات التي استهدفت مفاعل أراك ومجمعات الفولاذ في أصفهان والأهواز لم تكن تهدف فقط لتعطيل الإنتاج، بل لكسر الإرادة الإيرانية في لحظة تحول إقليمي. ومع ذلك، يظهر التقرير أن إيران قد اختارت الرد عبر مسارات متوازية: دبلوماسية “هجومية” تفضح واشنطن، وتهديدات عسكرية “غير متناظرة” تضع مصالح الحلفاء في مهب الريح، وإدارة مدنية تحاول تقليل الخسائر.
العالم الآن يراقب بحذر؛ فهل تنزلق المنطقة إلى “حرب المجمعات الصناعية” التي لن تترك رابحاً في ظل تداخل المصالح وسلاسل الإمداد، أم أن التهديدات الإيرانية الصارمة ستجبر واشنطن على كبح جماح تل أبيب قبل فوات الأوان؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة، لكن الثابت الوحيد هو أن إيران قد قررت أن أي استهداف لبنيتها التحتية سيعني “زلزالا صناعيا” يمتد من ضفاف الخليج إلى قلب تل أبيب.

