خبير إيراني: طهران قدمت أعلى مستويات التعاون والاتهامات مبنية على ذرائع سياسية

في ظل تصاعد التوترات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعرب الخبير الإيراني البارز في الشؤون الدولية، حسن بهشتي‌بور، في حوار مع وكالة “إيلنا” يوم الأربعاء 11 يونيو/حزيران 2025، عن قلقه إزاء مشروع القرار الجديد الذي يُتداول في مجلس محافظي الوكالة، والذي يتّهم إيران بانتهاك اتفاق الضمانات النووية.

انتهاك اتفاق الضمانات النووية 

قال حسن بهشتي‌بور، الخبير البارز في الشؤون الدولية، في حديث مع مراسل وكالة “إيلنا”، في معرض تقييمه لاجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتقرير الفصلي للوكالة الذي زاد من حدة التوترات بين إيران والوكالة أكثر من ذي قبل: “إننا للأسف لسنا في وضع جيد، واحتمال إقرار هذا القرار مرتفع جدا”. 

وتابع أن هذا القرار سيكون غير مسبوق خلال العشرين سنة الأخيرة، ويعني أن إيران قد اتُهمت بانتهاك اتفاق الضمانات النووية، وتقرير السيد غريب‌آبادي في هذا الصدد واضح للغاية ومفيد، ويقدّم إحصاءات دقيقة عن زيارات الوكالة، المقارنة بين مجموع زيارات الوكالة للمراكز النووية حول العالم وتلك التي أجرتها في إيران، ليست قابلة للمقارنة بأي شكل من الأشكال”.

إيران قدّمت أعلى مستويات التعاون مع الوكالة

وتابع أن نسبة كبيرة من هذه الزيارات التي قامت بها الوكالة خُصّصت لإيران، ولم تُقارن الزيارات فقط، بل جرت المقارنة من حيث الميزانية أيضا، وهذه معلومات وحقائق لم تصدر حتى عن إيران نفسها، بل هي تقارير موجودة على موقع الوكالة، أي أن السيد غريب‌آبادي لم يقدّم هذه الأرقام من باب الدعاية. والآن، يتهمون إيران التي تعاونت بهذا القدر بانتهاك اتفاق الضمانات النووية.

التزام إيران ببنود الاتفاق النووي 

وفي شرحه لطبيعة اتفاق الضمانات النووية، قال بهشتي‌پور إن كل دولة تقبل معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT) توقّع مع الوكالة عقدا ثنائيا تُحدَّد فيه ترتيبات التفتيش والرقابة الخاصة بالوكالة، ويُطلق على هذا العقد الموقّع بين الطرفين اسم ’اتفاق الضمانات النووية‘. 

وتابع أن “إيران وقّعت هذا العقد منذ عام 1973 وحتى الآن لا تزال تنفّذه، أي أنها التزمت به قبل الثورة وما زال يُنفَّذ حتى اليوم. 

لماذا استندت هذه الدول إلى اتفاق الضمانات؟ لأنها رأت أن بنود الاتفاق النووي لم تعد تخدم مصالحها، إذ إن الوكالة نفسها، طالما أن الولايات المتحدة لم تنسحب من الاتفاق، أصدرت 15 تقريرا أكدت فيها أن إيران نفّذت بنود الاتفاق النووي، أي أنها من دون أي خرق نفّذت بدقة كل ما تعهّدت به في الاتفاق النووي، وكان الطرف الأميركي هو من انسحب من الاتفاق في أيار/مايو 2018″.

انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي

أضاف الخبير في السياسة الخارجية الإيرانية أن “إيران انتظرت عاما واحدا بعد الاتفاق النووي، وكان الأوروبيون الذين قدّموا اليوم مشروع القرار لإيران قد وعدوا في عام 2018 بإنشاء آلية إنستكس، وببعض أشكال التعاون مع إيران، على نحو لا يسمحون فيه للولايات المتحدة بأن تحقق أهدافها الأحادية، لكن الهيمنة المالية الأمريكية أظهرت أن هؤلاء لم يتجاوزوا حدود الكلام، ولم يقدِموا على أي فعل.

 إن تذكّر هذه الوقائع أمر بالغ الأهمية، حيث إن إيران، ومنذ مايو/آيار 2019، وعلى الرغم من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، كانت لا تزال تواصل تنفيذ الاتفاق”. 

وبعد مايو/أيار 2019، أي بعد مرور عام، بدأت بشكل تدريجي في تقليص التزاماتها على خمس مراحل، إلى أن أقرّ مجلس الشورى القانون المعروف بالقانون الاستراتيجي، وبدأنا في التوجه نحو تنفيذ ذلك القانون. 

في الوقت الحالي، لا تستند هذه الدول الأوروبية الثلاث، بالتعاون مع أمريكا، إلى الاتفاق النووي، لأنها رأت أن إيران نفذت الاتفاق النووي.

حظر التخصيب

وفي طرحه لهذا التساؤل حول أسباب الوكالة في اتهام إيران بانتهاك اتفاق الضمانات، قال هذا المحلل في الشؤون الدولية: “تقول الوكالة إن إيران هي الدولة الوحيدة التي تقوم بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60% دون أن تستخدمه، وتقول إيران إنها تستخدم هذا المستوى من التخصيب لأغراض بحثية، وهناك سبب آخر أيضا وهو استخدامه في محركات السفن التي تعمل بالوقود النووي”. 

وتابع إن إيران لم تُنتج بعد هذه المحركات أو السفن، لكنها بحاجة إليها على مستوى البحث والتطوير كي تتمكن من تنفيذ هذه الأعمال، أحد الأسباب التي يُقال إن إيران لا تلتزم بسببها باتفاق الضمانات هو هذا الموضوع. 

في حين أن إيران لم توقّع قط، في أي وقت، أي التزام في إطار اتفاق الضمانات يمنعها من التخصيب أو يقيّد نسب التخصيب، أي إنه لا يوجد أي التزام من إيران يتعلق بأصل التخصيب أو بنسبة التخصيب.

 إعادة فتح الملفات 

أشار بهشتي‌بور إلى مبادئ معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية (NPT)، بالقولِ أن بإمكان إيران تنفيذ عملية التخصيب تحت إشراف الوكالة، أي ما دامت إيران تحت رقابة الوكالة، فلا ينبغي أن تكون هناك مخاوف من انتهاك اتفاق الضمانات النووية. 

إنما تظهر المخاوف في حال رغبت إيران بعدم الخضوع لإشراف الوكالة أو معاهدة NPT، لذا فإن ما تقوم به إيران من أنشطة تحت إشراف الوكالة هو أمر بالغ الأهمية. والنقطة الثانية المهمة أيضا هي أن الأوروبيين اعتبروا أن إيران انتهكت الضمانات النووية لأنها لم تُجب على الأسئلة الثلاثة التي طرحتها الوكالة.

 السؤال الأول، الذي كانت الوكالة نفسها قد أغلقته، يتعلّق بمنطقة لويزان وشيان، والذي أُعيد فتحه بتحريض من إسرائيل.

 وتقول الوكالة بشأن هذا الملف إنه “نظرا إلى مرور وقت طويل على هذه القضية، لا يمكننا إجراء تحقيقات، ولذلك وضعناه جانبا، لكن عندما نقرأ التقارير، نرى أنهم أعادوا طرح موضوع يعود إلى 23 عاما مضت وكان قد تم حسمه في السابق”.

عمليات التفتيش

واعتبر الخبير في الشؤون الخارجية أن طرح هذه الأسئلة وموضوعي “ورامين” و”تورقوزآباد” ليس إلا ذريعة، وقال: “قضية شيان التي تعود إلى 23 عاما مضت، وإيران سمحت في عام 2019 بإجراء زيارات تفتيشية إلى تلك المواقع التي تم تحديدها، فلو كانت لدى إيران نوايا مبيتة، لما سمحت بإجراء هذه الزيارات. 

لقد أتوا وقاموا بعمليات تفتيش، وعثروا على نسبة ضئيلة جدا من اليورانيوم المخصب تقلّ عن 5%، واعتُبرت سببا لانتهاك الضمانات، ومن الذرائع الأخرى التي تُطرح أيضا أن الطرف الإيراني لا يطبّق البند 3.1، في حين أن هذا تفسير خاطئ لهذا البند.

 فالبند 3.1 يعني أن على الدول، عندما ترغب في افتتاح مشروع ما، أن تُخطِر الوكالة بذلك قبل ستة أشهر، أما الوكالة فتقول إن تفسيرنا هو أنه، ووفقا للبروتوكول الإضافي، عليكم أن تُبلغوا الوكالة منذ لحظة التخطيط للمشروع، أي حتى عندما يكون المشروع في طور الفكرة والتصميم، وليس بعد التنفيذ والقيام بإبلاغ الوكالة قبل الافتتاح بستة أشهر فقط”.

خفّض وتيرة التخصيب 

وأضاف أنه عندما تقارن هذا الأداء من قبل الوكالة مع مستوى التعاون الذي قدمته إيران، ترى أنه أساسا لا توجد قضية تستدعي إحالة إيران إلى مجلس الأمن أو طرح قرار شديد اللهجة ضدها. 

وتابع أن إيران كان ينبغي أن تُكثّف من مستوى تفاعلها، وألا تسمح لغروسي بإعداد مثل هذا التقرير. 

وأضاف أن “إيران كان بإمكانها، كما فعلت في السنوات الماضية، أن تخفّف من سرعة التخصيب، لتُظهر للطرف المقابل أنها تريد حلّ المشكلة وتسعى لفكّ العقدة. 

على سبيل المثال، في ما يخص نسبة الـ60%، كان يمكنها أن تُقلل من وتيرة التخصيب، أنا، كمواطن إيراني، كنت أتوقّع أن تبدي منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بعض الليونة في هذا المجال، لتجتاز هذه الفترة الممتدة حتى شهر أكتوبر/تشرين الأول، وما يتعلّق بمسألة سناب باك (العودة التلقائية للعقوبات)؛ حتى لا تُمنح للطرف الآخر ذريعة، فكل هذه الخطوات تُعدّ تمهيدا لتفعيل آلية الزناد”.

منشآت إسرائيل

قال الباحث في مجال السياسة الخارجية، بشأن الوثائق التي حصلت عليها إيران من الكيان الصهيوني ودورها في استمرار المفاوضات بين إيران والغرب، إنه لم يرَ هذه الوثائق، أي إن إيران يجب أولا أن تنشرها، كما فعلت إسرائيل عندما أتاحَت جزءا من هذه الوثائق على موقع إلكتروني للاطلاع العام.

 صحيحٌ أنها أخفت بعض الأجزاء (باللون الأسود)، لكنها قامت بذلك في نهاية المطاف، ويمكن لإيران أيضا أن تفعل ذلك، لا يمكنني إبداء الرأي ما دمت لم أطلع على هذه الوثائق.

 أما في ما يتعلق بذريعة الوكالة حيال الإحتلال الإسرائيلي، فهي دائما تقول إن إسرائيل ليست عضوا في معاهدة NPT، أي أنها لم توقّع عليها من الأساس. وهذا من دهاء إسرائيل؛ فهي عضو في الوكالة لكنها، مثل باكستان والهند، لم توقّع على معاهدة الحد من الانتشار النووي”.

وأشار إلى أنه “عندما لا تكون إسرائيل قد وقّعت على NPT، فعلى أي أساس يمكن للوكالة أن تبرم معها اتفاقا للرقابة والتفتيش النووي؟ فهم لم يعترفوا أصلا بـNPT. 

وحتى لو قمنا نحن بنشر وثائق المنشآت النووية الإسرائيلية، فإننا لن نتمكن سوى من القول إن فرنسا التي ساعدت إسرائيل في صناعة القنبلة النووية، هي نفسها التي تلومنا الآن على قيامنا بتخصيب سلمي! مثل هذه المقارنات لا تصبح ممكنة إلا إذا نُشرت تلك الوثائق، وإذا تم نشر هذه الوثائق، عندها يمكننا أن نسلّط الضوء إعلاميا وتحليليا على المساعدات التي قدمها الأمريكيون والفرنسيون لإسرائيل لصنع القنبلة النووية”.