- زاد إيران - المحرر
- 540 Views
أجرى موقع تجارت نيوز، الجمعة 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حوارا مع رحمان قهرمان بور، خبير الشؤون الدولية، حول مكانة إيران في المعادلة الجديدة للقوة العالمية بين الصين والولايات المتحدة ودور القوى الناشئة، وفيما يلي نص الحوا
هل يمكن اعتبار ما نشهده اليوم مرحلة جديدة من سياسة القوى الكبرى، حيث تتنافس الصين والولايات المتحدة على النفوذ العالمي، لكن ضمن إطار تعاون اقتصادي واسع وتجنّب المواجهة العسكرية المباشرة؟
إن المفهوم الأنسب لوصف النظام الجديد الناشئ هو Great Power Politics أو ما يُعرف بسياسة القوى الكبرى، ويعني هذا أن القوى الكبرى تحاول إنشاء مناطق نفوذ جغرافية لنفسها والاستفادة منها في سياساتها، وعلى سبيل المثال، روسيا في أوراسيا، والصين في آسيا والمحيط الهادئ، والولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.
ومع ذلك، نعلم أنّ روسيا في هذه اللعبة الناشئة ليست على مستوى الصين أو الولايات المتحدة، أي أنّ المنافسة الرئيسية في الوقت الحالي تجري بين بكين وواشنطن، وفي هذا السياق، لا ترغب الصين في تكرار مصير الاتحاد السوفيتي، لذا فهي لا تسعى لخلق ثنائية قطبية للمجال الدولي.
وهذا أمر حيوي ومهم يجب الانتباه إليه، فبالرغم من أنّ الصين والولايات المتحدة تتنافسان، إلا أنّ المنافسة الشاملة بينهما ليست جارية بالكامل، وكما نرى الآن، واشنطن وبكين لديهما تفاعلات تجارية واسعة مع بعضهما البعض، وعلى الأقل حتى الآن، حاولتا تجنّب المواجهة العسكرية المباشرة.
وتجدر الإشارة إلى أن الصين افتتحت ميناء مهما جدا في بيرو بالقرب من أمريكا، ولها حضور في بنما، وتمتلك أوسع العلاقات التجارية والاقتصادية مع البرازيل، وفي الوقت نفسه تتحمل مسؤولية نقل النفط من الخليج العربي في منطقة الشرق الأوسط التي تُعد تقليديا منطقة نفوذ للقوات الأمريكية، لذلك، بالرغم من المنافسة المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين، فإن هذين البلدين لا يسعيان إلى مواجهة شاملة أيديولوجية أو اقتصادية أو عسكرية.
وأؤكد مجددا أن هذا الوضع قائم حتى الآن، وربما تتغير الظروف في المستقبل، وتقييم الأمريكيين يشير إلى أن زيادة القوة العسكرية للصين قد تغيّر المعادلة.
ومن جهة أخرى، نشهد في هذا السياق حضور عدد من القوى الناشئة الدولية مثل البرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا وتركيا وحتى السعودية، التي تتعاون مع كلا الطرفين، الولايات المتحدة والصين، وربما يمكن إضافة الهند إلى هذه الفئة، وهذه الدول تسعى بشكل أساسي إلى الاستقلال الاستراتيجي في سياستها الخارجية، ولا ترغب في الانخراط في اللعبة التنافسية بين أمريكا والصين.
أين تقع روسيا والدول الأوروبية في هذه المعادلة الجديدة؟
حاولت روسيا من خلال هجومها على أوكرانيا تثبيت منطقة نفوذها في أوراسيا، لكنها حتى الآن لم تحقق أهدافها، وفي الوقت نفسه بدأت تفقد قدرات نفوذها في آسيا الوسطى والقوقاز، وهي مناطق تقليدية تحت نفوذ موسكو.
أما الدول الأوروبية، فيجب أن ننظر إليها ضمن هذا النظام الجديد، إذ لم تعد قادرة على الاعتماد كليا على الحماية العسكرية الأمريكية، وتعمل أوروبا على تحقيق استقلالها الدفاعي بما يتيح لها حماية نفسها من التهديدات المحتملة لأمنها – وخصوصا روسيا.
وقد أبرم أعضاء الاتحاد الأوروبي العديد من الاتفاقيات في مجال تصنيع الأسلحة، وزادت ألمانيا ميزانيتها العسكرية، وأعلنت فرنسا استعدادها لتوسيع مظلتها النووية لتشمل جميع الدول الأوروبية، وهذا جزء من الجهود الدفاعية لأوروبا في العصر الجديد.
ويمكن القول إن الولايات المتحدة والصين تتصدران المشهد في النظام العالمي الناشئ، في حين تشهد روسيا والدول الأوروبية تراجعا في نفوذهما وقوتهما مقارنة بالماضي، وفي الوقت ذاته، برزت قوى ناشئة جديدة تعمل بأسلوب يشبه إلى حد ما دول حركة عدم الانحياز خلال الحرب الباردة، وإن كانت تختلف عنها في الطبيعة والظروف، ويُشار إلى هذه الدول اليوم بوصفها قوى متوسطة ناشئة على الساحة الدولية.
ويُعتبر دور هذه الدول مهما في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، إذ كلما تمكن أحد الطرفين الرئيسيين في العالم الجديد من جذب عدد أكبر من هذه القوى الناشئة إلى جانبه، زادت سيطرته ونفوذه.
لذلك، نرى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعامل بلطف مع المكسيك، وانتقد البرازيل بسبب تعاونها الاقتصادي مع الصين، لكنه حافظ على مستوى هذه الانتقادات، وحاول إبقاء تركيا في محور الغرب، كما سعَى إلى منع اقتراب الهند من محور روسيا والصين، وبذلك، فإن قوة الدول الناشئة تلعب دورا أساسيا في تشكيل مستقبل النظام الدولي.
ما هي مكانة إيران في معادلة القوى العالمية، خاصة أنها لن تشهد رفع العقوبات الأممية اعتبارا من 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025؟
إن إيران، التي لن تشهد رفع العقوبات الأممية عنها بدءا من 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تواجه تحديا مهما يجب الانتباه إليه، وهو أننا لا نملك خبرة جيدة في أن نكون محورا في المنافسة بين القوى الكبرى.
والجدير بالملاحظة أن موقع إيران في الشرق الأوسط يجعل الصين والولايات المتحدة قلقتين من توجه إيران نحو القوة الأخرى، وفي هذا السياق، أرى أنّه يجب على إيران اتباع سياسة القوى المتوسطة والناشئة، مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل، أي أنّها رغم كونها قوة إقليمية، يجب أن تسعى للحفاظ على نوع من استقلال السياسة الخارجية على المستوى الدولي، وأن تعمل مع كلا الطرفين بطريقة لا تجعل أيا منهما يعتقد أننا في الجبهة المقابلة له.
لأن مثل هذا التصور قد يؤدي إلى جرّ إيران إلى قلب تنافس القوى الكبرى كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو خطر جسيم، ومن جهة أخرى، تُعد مسألة روسيا مهمة جدا بالنسبة لإيران، لأن روسيا تخلفت في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وتحاول إظهار أن العالم المستقبلي سيكون ثلاثي الأقطاب، ومع ذلك، فإن روسيا تضعف بسرعة، وقد زادت الحرب في أوكرانيا من هذا الوضع.
وبناء على ذلك، أرى أن روسيا تسعى إلى زيادة حلفائها، مثل نشر أسلحتها النووية في بيلاروسيا أو التقارب مع دول مثل الهند، وفي خطط روسيا، تلعب إيران دورا مهما، فإذا شاركت إيران في هذه اللعبة الروسية، فإن ذلك يساعد بشكل كبير على توسيع النفوذ الجغرافي والاستراتيجي لروسيا.
وقد تؤدي هذه السياسة إلى ابتعاد إيران عن الغرب، أو في أسوأ السيناريوهات، قد تستخدم روسيا إيران أداة ضد الغرب، ويعرف الروس أن توترهم مع أوروبا توتر طويل الأمد، لذا يحاولون خلق خلافات بين أوروبا والولايات المتحدة، ولذلك، في هذه الظروف، يجب على إيران أن تسعى للحفاظ على استقلالها، بحيث لا تقع في فخ التوتر بين الولايات المتحدة والصين، ولا تصبح جزءا من خطط روسيا.
مع أنّ اقتراح خروج إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) لم ينجح في البرلمان، فما هو موقف إيران الحالي فيما يخص الاتفاقيات النووية والمفاوضات مع الولايات المتحدة؟
أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بنود اتفاق القاهرة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المتعلقة بإمكانية التفتيش والرقابة من قبل الوكالة، لم تعد صالحة، كما أن وضع المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لا يزال غامضا، وتسعى الولايات المتحدة، ومعها إلى حدّ ما إسرائيل، إلى ترسيخ فكرة أن تفعيل آلية الزناد وبدء تخصيب اليورانيوم في إيران يُعادل عمليا السعي لتصنيع سلاح نووي، بهدف تهيئة المبرر لأي هجوم محتمل على طهران.
ومن وجهة نظري، يجب أن تكون سياسة إيران في الرد على هذا التضليل الدولي كما أكدت سابقا، أي التأكيد على أنّها لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، ليُحرم الغرب من هذه الذريعة.
هل يمكن أن يكون هناك أمل في مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟
أعتقد أن فرصة الدبلوماسية لا تزال محدودة للغاية، لكنّ الظروف الراهنة أصعب بكثير من السابق، بل ومنذ شهرين فقط، إذ يعتبر الغرب وإسرائيل أن تفعيل آلية الزناد قد أضعف كثيرا من قدرة إيران التفاوضية، في حين تزداد قوة الدبلوماسية القائمة على إجماع دولي ضد طهران.
ومع ذلك، يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق قائما، لكنه مشروط بأن يكون اتفاقا شاملا لا محدودا أو أحاديّ الموضوع، إذ لم نعد بصدد اتفاقات جزئية، وبحسب تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، فإنّ الأمريكيين يسعون أيضا إلى اتفاق شامل، ما يجعل الأمور أكثر صعوبة.
لذلك، يمكن القول إن هناك فرصة للدبلوماسية لكنها ضمن ظروف أصعب، مع التساؤل عما إذا كان الوضع خلال الأسابيع والشهور القادمة سيتجه نحو الدبلوماسية أم المواجهة العسكرية.
إلى أي مدى يُعد احتمال حدوث مواجهة عسكرية حقيقيا؟
لا يزال يُعتقد أن هناك إمكانية لهجوم إسرائيلي محتمل، ويبدو أن الغرب إلى حد ما يوافق على هذا الاحتمال.
ويُرجّح أن يكون العمل العسكري المحتمل من إسرائيل ناجما أكثر عن شعورهم بوجود فرصة يجب استغلالها، وليس بالضرورة عن تهديد مباشر من إيران، فقد أشار كل من روسيا في هجومها على أوكرانيا وإسرائيل في هجوم محتمل على إيران إلى أن هذه الهجمات كانت استباقية، أي أنّ الدول المعتدية اعتقدت أنه إذا لم تنفذ الهجوم الآن، فستخسر الفرصة.
وإذا كانت العقلية السائدة في إسرائيل تنظر إلى الموقف من زاوية الفرصة المتاحة، فقد يسعون لاستغلال هذه الفرصة، لأنه إذا عززت إيران قدراتها الدفاعية واتخذت إجراءات لتحسين وضعها الدفاعي، فإن هذه الفرصة قد تضيع على الإسرائيليين.

