خبير إيراني: مشروع تشديد عقوبة التجسس يفتقر إلى الدقة القانونية ويهدد مبادئ دستورية راسخة

Ad 4nxetlpkkmp4m6dvyz3uhwsiukrb3rowymim5qxj6of1x7yjcrldpmoh1p oupwozlevvkmsycy 4f7gwnx5gsx7tbsr8fbu9vy7 u9ul3csi8shztrbmfoqzytvybx7ynvqd 0xekeyea4 rh9n44tv5zdf5dh9oq

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت وكالة  أنباء “تسنيم” الإيرانية، الخميس 10 يوليو/تموز 2028، حوارا تفصيليا مع حسن حيدري، الباحث بمجال القانون الجنائي؛ لمناقشة الأبعاد القانونية لمشروع “تشدید عقوبة التجسس” وإشكالاته الدستورية والشرعية.

وفي ما يلي نص الحوار: 

قبل الخوض في تفاصيل المشروع، لماذا يُعد رأي مجلس صيانة الدستور في هذا الموضوع تحديدا بهذه الدرجة من الأهمية؟

نحن نعيش في ظروف أمنية حساسة، ومن الطبيعي أن يسعى المشرّع إلى اتخاذ موقف صارم تجاه التجسس والتهديدات الأمنية. ولكن في مثل هذه الظروف، تزداد احتمالية تغليب العاطفة على المنطق القانوني. وهنا تبرز أهمية مجلس صيانة الدستور، باعتباره الضامن للمبادئ الشرعية والقانونية لنظام  إيران وحقوق المواطنين.

في مثل هذه الحالات، يعمل المجلس كفرامل أمان. فحين يندفع قطار التشريع بسرعة، يتأكد المجلس من أن هذا القطار لا يخرج عن سكك الشرع والدستور. وفي هذه الحالة تحديدا، رصد المجلس العديد من الإشكالات والغموض، مما يدل على أن المشروع، رغم ضرورته، يحتاج إلى تعديلات.

دعنا نبدأ بأهم ملاحظة، وهي تهمة الإفساد في الأرض التي لاقت كثيرا من الانتقادات القانونية. لماذا تُعد هذه النقطة بهذه الحساسية؟

تُعد تهمة “الإفساد في الأرض” من أخطر التهم في النظام القانوني الإيراني، إذ قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. وفي الفقه الإسلامي، توجد شروط دقيقة لإثبات هذه الجريمة؛ إذ يجب أن يكون الفساد واسع النطاق، وأن يسبب أضرارا جسيمة، ويُرتكب بقصد ووعي كامل.

ما الذي حدث في هذا المشروع؟ في المادة الثانية، يُعتبر “كل فعل أمني أو عسكري أو اقتصادي أو مالي أو تكنولوجي، أو حتى أي نوع من المساعدة المباشرة أو غير المباشرة” للاحتلال الإسرائيلي بمثابة إفساد في الأرض. لاحظوا استخدام عبارة “أي نوع” ما يعني أن أصغر مساعدة قد تدخل ضمن هذا المفهوم!

هل يمكنكم توضيح ذلك بأمثلة عملية؟

بكل تأكيد. تخيل طبيب قلب يشارك في مؤتمر دولي، ويعلم أن هناك أطباء إسرائيليين مشاركين. يقدم في ندوة تخصصية طريقة جديدة للجراحة يستفيد منها الجميع، بمن فيهم الأطباء الإسرائيليون. هل تُعد هذه “مساعدة تكنولوجية بعلم ووعي”؟ هل تنطبق عليها شروط الإفساد في الأرض؟

مثال آخر: شركة برمجيات إيرانية تطور تطبيقا لتعليم اللغة الإنجليزية وتنشره على متجر Google Play، مع علمها بأن التطبيق متاح عالميًا. إذا قام مستخدمون من إسرائيل بتحميله، فهل يُعتبر المدير التنفيذي للشركة مرتكبا لجريمة الإفساد في الأرض؟ أو تخيل باحثا طبيا إيرانيا يستشهد في ورقته العلمية بمصادر إسرائيلية — فهل يُعد هذا “مساعدة غير مباشرة لإضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي؟

ما موقف مجلس صيانة الدستور تجاه هذه النقطة؟

يرى المجلس أن التطبيق يجب أن يكون متوافقا تماما مع المعايير الشرعية. فالمادة 286 من قانون العقوبات الإسلامي، التي سبق أن أقرها المجلس، حددت بوضوح شروط تحقق “الإفساد في الأرض”، ومنها: أن يكون الفساد واسع النطاق، ويؤدي إلى نتائج ضارة على نطاق كبير، ويكون مقترفًا عن علم بأثر الفعل. لذا، لا يمكن اعتبار كل سلوك بسيط مندرجا تحت هذه الجريمة.

لننتقل إلى مسألة “الدولة المعادية” التي وصفها المتحدث باسم المجلس بأنها غامضة. ما سبب الغموض هنا؟

هذا المصطلح من القضايا المعقدة في القانون المحلي. ففي القانون الدولي، تعني “الدولة المعادية” الدولة التي في حالة حرب معلنة معك وتشن أعمالا عسكرية ضدك. والأهم أن وزارة الخارجية الإيرانية أعلنت عام 2013 أن “باستثناء الاحتلال الإسرائيلي، لا توجد دولة في حالة تخاصم معنا”. بالطبع، تطورت الأوضاع مؤخرا.

رصد المجلس إشكاليتين أساسيتين هنا. أولا، من يملك الصلاحية لتحديد ما إذا كانت دولة ما متخاصمة — هل هي وزارة الخارجية؟ أم المجلس الأعلى للأمن القومي؟ أم يقرر القاضي ذلك بنفسه؟ هذا قد يؤدي إلى نتائج متضاربة؛ إذ قد يُبرّأ شخص في محكمة ويُدان في أخرى.

ثانيا، ماذا لو كانت هناك دولة متخاصمة سابقا (مثل العراق) ثم تحسنت العلاقات؟ هل يُحاسب الأشخاص الذين تعاملوا معها أثناء فترة التخاصم بأثر رجعي؟ هذا النوع من الغموض يجعل من الصعب على أي تاجر أو مختص أن يضمن سلامة أنشطته الدولية، لأنه لا يعلم ما إذا كان ما يفعله اليوم سيُعتبر جريمة غدا.

قضية رجعية القانون كانت أيضا من النقاط التي يبدو أنها أُثيرت كملاحظة. ما المقصود بهذه القضية بالضبط ولماذا تُعد بهذه الأهمية؟

دعني أبدأ بقصة بسيطة. تخيل أنك تعيش في مدينة لا يوجد فيها قانون يمنع القيادة بسرعة تفوق 60 كم/س. وكنت تقود يوميا بسرعة 80. في أحد الأيام، يصدر مجلس المدينة قانونًا يحدد السرعة القصوى بـ60 كم/س. هل من العدل أن يتم تغريمك عن كل المرات التي قدت فيها بسرعة 80 قبل صدور القانون؟

هذا بالضبط ما كانت تسعى إليه المادة 9 من هذا المشروع. فهي تنص على أن: «من ارتكب قبل سنّ هذا القانون بعض الجرائم المذكورة فيه، إذا لم يُبلغ عن نفسه، فسيُعاقب».

أليس التجسس جريمة أصلا من قبل؟

بلى، التجسس لطالما كان جريمة. لكن هذا المشروع يُعرّف العديد من الجرائم الجديدة. على سبيل المثال: أولا، استخدام الإنترنت الفضائي (ستارلينك) أصبح جريمة، وهذا لم يكن كذلك من قبل. فإذا استخدم شخص ما ستارلينك سابقا، فماذا سيكون مصيره الآن؟ ثانيا، تم تجريم «المشاركة في مظاهرات غير قانونية أثناء الحرب»، بينما كانت الإدارة العامة للشؤون القانونية في السلطة القضائية قد أعلنت سابقا أن المشاركة في التجمعات غير المرخصة لا تُعتبر جريمة.

 فهل يمكن تطبيق هذا التوصيف بأثر رجعي؟ ثالثا، تم توسيع مفهوم «التعاون» بشكل كبير، لتشمل سلوكيات لم تكن تُعد جرائم سابقًا لكنها الآن تُعد كذلك.

بينما ينص المادة 169 من الدستور الإيراني بوضوح على أن «لا يمكن اعتبار أي فعل أو امتناع عن فعل جريمة استنادا إلى قانون تم سنّه لاحقا». وهذا من المبادئ الأساسية في القانون الجنائي، وقد تم تضمينه صراحة في الدستور.

يبدو أن القسم الإعلامي من هذا المشروع كان أيضا مثيرا للجدل. ما الغموض الموجود تحديدا في هذا القسم؟

المادة 4 من هذا المشروع كان يمكن أن تثير إشكالات جدية فيما يتعلق بحرية التعبير. تنص هذه المادة على أن إنتاج أو نشر محتوى «من شأنه بطبيعته إثارة الفُرقة أو الإضرار بالأمن القومي» يُعد جريمة. دعونا نُحلل ذلك كلمة بكلمة. «إثارة الفُرقة» ما المقصود بها تحديدا؟ أي نقاش أو حوار يمكن أن يُنتج عنه آراء مختلفة، فهل يُعد هذا نوعا من الفُرقة؟ هل نية المشرّع كانت بهذا الاتساع؟ وماذا إذا قام بعض المواطنين بنشر محتوى في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتقدوا فيه المسؤولين؟ هل يُعد هذا إثارة للفُرقة؟

أما عبارة «الإضرار بالأمن القومي» فهي أيضا فضفاضة للغاية. الأمن القومي يشمل أبعادا متعددة: الأمن الاقتصادي، الغذائي، الاجتماعي، الثقافي… و«الإضرار» بكل منها غير مُعرّف بدقة. في أسوأ الفروض، يمكن تصنيف أي نقد ضمن هذا الإطار. وقد اعتبر مجلس صيانة الدستور هذه المفاهيم غامضة، وطالب مجلس الشورى بتعديلها حتى لا تدخل مفاهيم فضفاضة في مجال التجريم والعقاب.

هل تم اعتبار إرسال الصور والمقاطع إلى الشبكات المعادية جريمة في هذا المشروع؟ وهل كان لهذا الأمر أيضا ملاحظة من مجلس صيانة الدستور؟

نعم، المشروع أشار إلى «الشبكات المعادية أو الأجنبية» دون أن يُحدد بدقة ما المقصود بها. في العصر الرقمي، تلاشت الحدود بين الوسيلة الإعلامية والفرد. فمثلا، هل يُعتبر قناة على تلغرام تضم 10 آلاف مشترك «شبكة»؟ وهل يُعد مؤثر على إنستغرام يعيش في الخارج «شبكة معادية»؟ وإذا أرسل أحدهم مقطع فيديو إلى BBC الفارسية، هل يُعتبر متعاونا مع «شبكة معادية»؟ وماذا عن تغريدة موجهة لموقع أجنبي؟ مجلس صيانة الدستور اعتبر أن مصطلح «الشبكات المعادية أو الأجنبية» غامض، نظرا لإمكانية شموله للمنصات الافتراضية، والأفراد الذين يمثلون وسائل إعلام بأنفسهم، وغيرهم، ولا يوجد فارق عملي بينهم من حيث الأثر على البلاد.

أحد أكثر أجزاء المشروع غرابةً- بحسب ملاحظة مجلس صيانة الدستور- كان المادة 8، التي تسري فيها أحكام الاستئذان الخاص من القيادة في قضايا اقتصادية على هذا المشروع. ما الذي حدث بالضبط؟

نعم، هذا الجزء كان غريبا فعلا! ففي عام 2018، واجهت البلاد أزمة اقتصادية مفاجئة، وتضاعف سعر صرف العملة بشكل كبير، وظهرت طوابير للحصول على الذهب والعملات، وتفشّت بعض مظاهر الفساد. حينها، منح القائد الأعلى إذنًا لرئيس السلطة القضائية بتسريع معالجة هذه القضايا الاقتصادية بقواعد استثنائية: محاكم خاصة، مهل قصيرة، تنفيذ سريع للأحكام. الآن، يسعى البرلمان الإيراني لتطبيق هذه القواعد نفسها على قضايا التجسس!

وما الإشكال في تسريع إجراءات المحاكمة؟

قانونيا، هناك مشاكل عديدة. أولا، لم يُوضح المشروع أي بنود من الإذن يجب تطبيقها – والإذن الأصلي يتكون من 12 بندا، وآخرها يُحدد أن هذه الأحكام مؤقتة لمدة سنتين فقط، وقد انقضت هذه المدة! فهل يُقصد تطبيقها لفترة محددة أم بشكل دائم؟ ثانيا، طبيعة الجرائم مختلفة تماما. ففي القضايا الاقتصادية، الأدلة غالبا تكون واضحة: وثائق مالية، مستودعات، شيكات، إلخ. أما في قضايا الأمن، فالأدلة معقدة، وتتطلب تحقيقات استخباراتية، وقد تكون سرية.

ثالثا، الإذن الخاص نفسه يحتوي على غموض قانوني متعدّد، ويحتاج إلى صياغة قانونية دقيقة إذا أُريد إدخاله ضمن تشريعات دائمة. لذلك، من الضروري أن يحدد المشرّع الأحكام المقصودة بوضوح في نصوص قانونية، بدلا من الإشارة المجملة التي تُدخل تعقيدات عديدة في التنفيذ.

أشار مجلس صيانة الدستور أيضا إلى وجود تناقض غريب – أن بعض الجرائم البسيطة تقابلها عقوبات شديدة، والعكس بالعكس. هل يمكنكم شرح ذلك؟

نعم، وهذا يُظهر عدم الاتساق في المشروع. في المادة 2، حتى «مساعدة بسيطة» للاحتلال الإسرائيلي يمكن أن تؤدي إلى تهمة الإفساد في الأرض، والتي قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. بينما في المادة 5، إدخال أكثر من 10 أجهزة اتصالات غير مرخصة – وهو عمل يمكن استخدامه على نطاق واسع ضد الأمن القومي – يُعاقب فقط بالسجن من 5 إلى 10 سنوات!

تخيل أن شخصا يُدخل مئات الأجهزة التي قد تُستخدم من قبل جماعات إرهابية، ويُحكم عليه بالسجن فقط، بينما آخر يشارك في صفقة تجارية بشكل غير مباشر قد يستفيد منها الاحتلال الإسرائيلي يُواجه احتمال الإعدام! هذه المفارقة تُبيّن غياب التناسب، وقد أشار المجلس إليها بشكل صريح.

من الملاحظات المهمة الأخرى لمجلس صيانة الدستور كانت مسألة إعلان الحالات الأمنية والعسكرية. ما المشكلة هنا ولماذا هي مهمة؟

هذا بالفعل من أبرز الإشكالات التي أشار إليها المجلس بدقة. تنص المادة 6 على أن العقوبات في هذا القانون يمكن أن تُشدّد حتى ثلاث درجات أثناء الحرب أو «الحالات الأمنية والعسكرية» التي يُحددها المجلس الأعلى للأمن القومي. المشكلة أن قرارات هذا المجلس غالبًا ما تكون سرية، ولا تُنشر علنًا. فكيف يعرف المواطنون أنهم في حالة خاصة تتطلب تشديد العقوبات؟

هل هذا يعني أن العقوبات يمكن أن تتضاعف دون علم الناس؟

بالضبط. تخيل أن المجلس الأعلى للأمن القومي يقرر في اجتماع سري أن هناك «وضعا أمنيا خاصا»، دون الإعلان عنه. في هذه الحالة، قد يرتكب أحدهم فعلا يعاقب عليه بالسجن من الدرجة الرابعة في الظروف العادية، لكن بسبب ذلك القرار غير المعلن، تُصبح العقوبة من الدرجة الأولى! من الطبيعي أن يطالب المواطنون بمعرفة مسبقة للعقوبات.

بعيدا عن تفاصيل هذا المشروع، ما الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة تمريره في البرلمان الإيراني؟

برأيي، هذا المشروع يُقدّم عدة دروس مهمة لصانع القرار التشريعي في إيران. أولا، يُثبت أن نظامنا القانوني يملك أدوات رقابية فاعلة. مجلس صيانة الدستور، المكوّن من ستة فقهاء وستة حقوقيين، يلعب دورا أساسيا في حماية حقوق المواطنين، وهذا يتأكد مجددا في مشاريع كهذه. ثانيا، يُظهر أهمية الدقة في التشريع، لأن التسرع – خصوصا في القوانين الجنائية – قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ثالثًا، يُبرز ضرورة تحقيق التوازن بين الأمن والحرية.

نعم، الأمن القومي مهم، ولكن لا يجوز التضحية بالحريات المشروعة بحجّته. رابعا، تبرز أهمية الالتزام بالمبادئ حتى في الظروف الحساسة والمشحونة بالعاطفة؛ مبادئ مثل عدم رجعية القوانين، تناسب الجريمة والعقوبة، ووضوح النصوص القانونية.

كلمة أخيرة؟

كلمتي الأخيرة هي أنني آمل أن تُشكّل هذه التجربة درسا لنا جميعا. القانون الجيد هو ذلك الذي يوفّر الأمن للمجتمع ويحمي في ذات الوقت الحقوق المشروعة للأفراد. هذان الهدفان لا يتعارضان، بل يُكملان بعضهما البعض. فالمجتمع الآمن هو المجتمع الذي يشعر فيه المواطن أن حقوقه مصونة، وأن القانون واضح وعادل، وأن القضاء نزيه.

آمل أن يُقدّر مجلس الشورى هذه الملاحظات الصادرة عن مجلس صيانة الدستور، ويُعدّل المشروع ليُنتج قانونا فعّالا وعادلا في آن معا. والأهم من ذلك أن هذا الحوار يُبرز أهمية وعي المواطنين بالتطورات القانونية، فالقوانين التي تُسنّ تؤثر على حياة الجميع، ومن حق الناس أن يعرفوا، ويُعلّقوا، ويُطالبوا بالتعديل.