- زاد إيران - المحرر
- 883 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت وكالة أنباء “تسنيم” الأصولية، الجمعة 5 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع غلام رضا مصباحي مقدم، الخبير في الاقتصاد الإسلامي وعضو المجلس الفقهي للبنك المركزي، حول تحديات تنفيذ المصرفية بدون ربا في إيران، ودور البنوك في خلق النقود والتضخم، وتجربة الدول الناجحة في المصرفية الإسلامية وسبل إصلاح النظام المصرفي.
وفي ما يلي نص الحوار:
هل يُطبَّق اليوم في إيران فعليا نظام مصرفي خالٍ من الربا، أم أن أسعار الفائدة الحالية ما يزال مشكوكا في شرعيتها؟
تم إقرار قانون العمليات المصرفية بدون ربا عام 1983، وكان من المفترض تنفيذه عمليا ابتداء من 1984، لكن لم تُهيأ البنية التحتية اللازمة لتطبيقه الأنظمة الفرعية التي كانت تهدف إلى تفعيل القانون ونقل ثقافة المصرفية بدون ربا إلى موظفي البنوك لم تُعد أو تُنفذ، ولم يُوفر التدريب الكافي للمسؤولين عن منح التسهيلات في الفروع، ما حال دون تطبيق العمليات وفق القانون بشكل صحيح.
كان الهدف من القانون ربط البنوك بالسوق وتحريك الأموال نحو القطاع الحقيقي للاقتصاد لتحقيق النمو والإنتاج والتوظيف، بحيث تصل الأموال مباشرة إلى المنتجين والتجار وتدخل السوق الفعلية للسلع.
لكن البنوك استمرت في اتباع الأسلوب القديم القائم على الفائدة كما سمح قرار مجلس النقد والائتمان بدفع «أرباح مبدئية» للمودعين شهريا، مما ألغى فعليا فكرة المصرفية بدون ربا، فالأرباح المبدئية تُدفع قبل استخدام البنك للموارد مع المنتج أو التاجر، ما يخلق تكلفة شهرية للبنك حتى قبل بدء التمويل الفعلي، وبالتالي يرتفع سعر المال كلما ارتفع معدل الفائدة.
من جهة التمويل، كان البنك يفرض على طالب التمويل دفع نسبة أعلى من الأرباح الشهرية للمودع (نحو 3%) كأجر وكالة مقابل خدمات البنك، ما يضاعف تكلفة المال على المودع والمستفيد، بينما المصرفية بدون ربا تهدف إلى أن تتحمل التكاليف الناتجة عن العمليات الاقتصادية نفسها وليس تكلفة المال.
وقد نقل حائري شيرازي عن الإمام الخميني قوله عند إقرار القانون «اذهبوا واجعلوا المال لا يحقق ربحا»، لكن الواقع كان عكس ذلك، فأصبح ربح المال أحد المشاكل الرئيسية، على عكس ربح التجارة والإنتاج الحلال.
مع ذلك، ليست كل عمليات البنك مشكوك فيها؛ فهناك تمويلات حلال وصحيحة، مثل تمويل بناء المساكن عبر عقود شراكة يحدد بعدها البيع بالتقسيط، أو تمويل شراء السيارات مباشرة باسم الشركة المنتجة، وهذه العمليات لا تتعارض مع المصرفية الإسلامية.

بعض الاقتصاديين الإسلاميين ينتقدون المصرفية التقليدية باعتبارها نظاما ربويا يعتمد دخله على «ربح المال»، ويرون أن أي إصلاح داخلي يبقى شكليا، وأن الحل يتطلب إنشاء هيكل مصرفي جديد بالكامل، هل تتفق مع هذا الرأي؟ وإذا نعم، فما الآلية أو النموذج البديل الممكن؟
البنك في الأصل مؤسسة وساطة مالية، ولا يوجد أي مانع من هذا الدور، وظيفة البنوك في جميع أنحاء العالم هي جمع الموارد الصغيرة من الناس ووضعها في خدمة المنتجين والفاعلين الاقتصاديين، ومن خلال ذلك يتم تمويل الإنتاج والتجارة، بالإضافة إلى ذلك، تراقب البنوك عن كثب الأداء والتدفق الفعلي للإنتاج والتجارة، الهدف من هذه الرقابة هو ضمان عودة الأموال وإدارة المخاطر.
وجود آليات الاستثمار يظهر أن البنك يمكن أن يكون مؤسسة تمويلية ووسيطا، دون أن يكون بطبيعته ربويا، كمثال عملي، يمكن الإشارة إلى “البنك الإسلامي للتنمية” (ITB) الذي تأسس بمشاركة 53 دولة إسلامية ويعمل بشكل كامل غير ربوي.
هذا البنك مول مشاريع تنموية في الدول الأعضاء، بما فيها إيران قبل الثورة، بشكل كامل غير ربوي، كما توجد بنوك إسلامية عديدة في العالم تعمل وفق الشريعة وبطريقة حلال، نموذج عمل هذه البنوك يعتمد على المشاركة في الربح والخسارة؛ بمعنى أنها تمول المؤسسات والأفراد وتأخذ نصيبا من الأرباح الفعلية الناتجة في العالم الحقيقي.
شخصيا، تعرفت على أنشطة “البنك الإسلامي الأردني” منذ أعوام 1973-1974، وراجعت تقارير أدائه المكتوبة، هذا البنك عمل بطريقة صحيحة ومشروعة تماما، ولا توجد في عملياته أي مشكلة ربا ولا مشكلة خلق النقود، بناء عليه، نستنتج أن تحقيق المصرفية الإسلامية ممكن، وأن طبيعة البنوك لا تستلزم بالضرورة وجود الفائدة (الربا).
في خطة التنمية السابعة، يُلزم البند البنوك بزيادة كفاية رأس المال، بالنظر إلى توسع نشاط البنوك وخسائرها المتراكمة وعدم شفافية بعض الميزانيات، هل من الممكن تطبيق هذا البند عمليا، أم أنه مجرد هدف مثالي يصعب تحقيقه في الواقع؟
نعم، هذه السياسة قابلة للتنفيذ تماما، ولكنها مشروطة بشرط أساسي: يجب أن تكون البنوك سليمة عمليا وتمتلك رأس مال كاف لتتمكن من القيام بعملية التمويل.
حاليا، معدل كفاية رأس المال في النظام المصرفي الإيراني 8%، بينما وفق المعايير العالمية يصل إلى حوالي 18%، وتم رفع هذا المعدل تدريجيا بعد الأزمة المالية العالمية التي بدأت من قطاع الإسكان، على مرحلتين: أولا، تم رفع الحد الأدنى لكفاية رأس المال إلى 12%، ثم في المرحلة التالية إلى 18%.
بناء عليه، يعتبر المعيار الدولي الحالي أن معدل 18% هو الأساس اللازم لكفاية رأس المال لكي يُسمح للبنك بالعمل، ويتمتع بسلوك صحي ومستدام في السوق المالي.
هل يمتلك المجلس الفقهي للبنك المركزي صلاحيات كافية لإلزام البنوك بتنفيذ المصرفية بدون ربا فعليا، أم أنَّ تدخل جهات رقابية أخرى ضروري؟
نعم، يمتلكها، لكنها مهمة صعبة ماذا يعني هذا؟ يعني أن هناك طائرة تطير بهيكل محدد، وتريد أن تجري عليها إصلاحات دون أن توقفها، لذلك، الأمر صعب جدا، لكنه ممكن.
والحمد لله، تلقينا دعما ومساندة من إدارة البنك المركزي. لكن في الفترات السابقة، بعض رؤساء البنك المركزي لم يسمحوا بذلك، وفي بعض الأحيان كانوا يقفون في وجهنا. لكن الحمد لله، الآن أي نقاش يُطرح يتم دعمه، ويُصغي له، ويؤمن به، وهذا مهم جدا لنا.
بالطبع، قمنا أيضا بخطوات مهمة على سبيل المثال، من الإجراءات التي نفذناها كان موضوع “الإمهال وتمديد المهل”، قبل هذا، كان يتم تمديد ديون المقترضين مع زيادة الفائدة، وقلنا بشأن العقود التجارية إن هذا باطل، لأن تمديد المدة مقابل زيادة المبلغ هو ربا جاهلي.
لذلك، يجب إنهاء العقد السابق بأي طريقة ممكنة، خصوصا إذا كان عقدا تجاريا، وتسوية ديون المقترض بالكامل، ثم توقيع عقد جديد يمكن أن يكون بسعر مختلف، لا مانع أما إذا كان عقد شراكة، فلا مشكلة في تمديد العقد لأن المشاركة تتيح ذلك.
هذا كان عملا استثنائيا في البنك، ولم يكن له سابق، وهو الآن قيد التنفيذ، لم يكتمل بعد 100%، لكن حصلنا على ردود فعل إيجابية وتم تحقيقه في كثير من الأماكن.
وكذلك، تدخلنا في مسألة القرض الحسن للبنوك ونجحنا إلى حد ما السبب أن البنوك كانت تعلن أن القرض 4%، فما معنى هذه النسبة؟ يجب أن تمثل التكلفة الكاملة للبنك لتوفير القرض الحسن.
كان يتم احتساب الأرباح على القروض السنوية بشكل متكرر، وهو أمر غير مشروع، فقررنا أن تُحسب مرة واحدة وفق التكلفة الفعلية للتمويل دون أي ربح إضافي، تابعنا ذلك مع بعض البنوك، ووجدنا أن بعضا منها لا يفرض أي رسوم، بينما طبق بنك آخر أسلوب تكلفة منخفضة ضمن مشروع يُعرف بـ«مشروع الرحمة».
أسلوب التمويل هذا أثبت فعاليته، حيث تمكنت البنوك من توزيع القروض بشكل واسع وتحقيق أثر إيجابي ملموس، وحوّل إدارة الموارد من حالة عجز إلى توازن، مما أدى إلى تعزيز رأس المال وتحقيق نتائج مالية إيجابية عند التصرف بشكل سليم.

هل يمكن اعتبار القروض المعلنة بنسبة 4% قروضا حسنة إذا كانت تتطلب تجميد المال لفترة ويُحتسب عليها فائدة مرتفعة فعليا؟
الفكرة الأساسية أن جمع النقاط على الودائع لا يضمن الحصول على القرض، فالعلاقة ليست مباشرة، كما تدخل بعض الجهات لتوزيع النقاط على موظفيها للحصول على القروض، وبذلك تُحل المشكلة السابقة.
من المسؤول عن الإشراف وضمان تخصيص نصف موارد البنوك لقطاع الإنتاج؟ وإذا لم تُنفذ البنوك هذا البند وتحولت الأموال للأسواق المضاربة، من يتحمل المسؤولية؟
البنوك هي الجهة التنفيذية لهذا الأمر، لذلك، يجب على البنك العمل وفق هذا الالتزام القانوني ولحسن الحظ، يمكن للبنك المركزي مراقبة هذه الأنشطة التي تُنفذ جميعها إلكترونيا بسهولة للتحقق مما إذا كان قد تم تنفيذها أم لا.
بالأمس أيضا، شددت في بنك ملي على أن البنوك يجب أن تعمل في تمويلاتها بحيث يُحول المال مباشرة لصالح المستفيد النهائي ماذا يعني ذلك؟ يعني أنه، على سبيل المثال، إذا جاء شخص لشراء ثلاجة وتم تمويله من البنك، يجب أن يذهب هذا المال مباشرة لشراء الثلاجة.
الطريقة الصحيحة هي أن يعقد البنك عقدا مع جهة بيع، ويُحال العميل إلى تلك الجهة. بمعنى أن البنك يقول للعميل: «لقد اشتريت الثلاجة نقدا من هذا التاجر، يمكنك شراؤها مني بالتقسيط» بهذا الشكل، يُنقل المال مباشرة إلى المستفيد النهائي (المنتج أو البائع) ويدخل في مسار الإنتاج والتجارة الحقيقي دون وساطة.
لماذا حققت المصرفية الإسلامية تقدما كبيرا في دول مثل البحرين وماليزيا، بينما لم تحقق إيران التقدم المتوقع رغم تبنيها للفكرة تاريخيا؟ هل السبب فقهي، أم نقص الإرادة السياسية، أم ضعف إدارة وحوكمة البنوك؟
في تلك الدول، من توجهوا نحو المصرفية الإسلامية أو المصرفية بدون ربا كانت لديهم دوافع حقيقية لبناء المصرفية في هذا الإطار لذلك، وضعوا الأسس الصحيحة منذ البداية وصمموا النظام بطريقة تحافظ على الطابع الإسلامي وبدون ربا.
بالإضافة إلى ذلك، تم تقديم دليل ومعايير موحدة من قبل جهات دولية معيارية مثل AAOIFI (هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية) وIFSB (مجلس الخدمات المالية الإسلامية)، هذه البنوك تبنت هذه المعايير وطبقتها بشكل صحيح.
أما في إيران، فالمشرع كان لديه الدافع، لكن المنفذ لم يكن كذلك. بما أن النظام المصرفي لم يظهر رغبة، لم تكن هناك دوافع كافية ولم تُهيأ البنية التحتية اللازمة سواء الأجهزة أو البرمجيات لتنفيذ القانون بشكل صحيح، فلم يحدث تغيير ملموس في أداء البنوك مقارنة بما قبل قانون العمليات المصرفية بدون ربا.

كيف تفسر مقاومة الجهاز المصرفي للتحول نحو المصرفية الإسلامية الحقيقية؟ هل السبب نقص القوانين أو ضعف التشريع، أم وجود مصالح مالية لبعض الأطراف المستفيدة من الوضع الحالي؟ وما وزن كل عامل في هذه المقاومة؟
يبدو أن المشكلة الرئيسية تكمن في عدم توفير الشروط اللازمة لتنفيذ القانون، قد يُقال إن هذا لا يتعلق بالمشرع، بل بالجهة التنفيذية، المشرع أقر القانون، لكن الجهة التنفيذية (البنك المركزي ووزارة الاقتصاد) لم تمتلك السلطة الكافية لتنفيذه بالكامل.
قبل ذلك، لم يكن هناك مسؤول محدد للبنك المركزي، لكن في القانون الجديد الذي أُقر العام الماضي، تم تحديد البنك المركزي صراحة كجهة مسئولة عن تنفيذ المصرفية الإسلامية، سابقا، لم يكن هناك متولي محدد، أو إذا كان موجودا لم يعمل بشكل صحيح، كان على الحكومة توفير البنية الأساسية، ومن بين الجهات الأساسية التي كان يجب تصميمها من البداية، المجلس الفقهي للبنك المركزي وحتى المجالس الفقهية للبنوك.
لو أن مجلس صيانة الدستور أقر قانون العمليات المصرفية بدون ربا منذ البداية، لما واجهنا اليوم تحدي «مخالفة الشريعة» أو «مخالفة الدستور»، بصراحة، هذا القانون ممتاز، وإذا نُفذ بشكل صحيح، كان سيمكن البنك من الدخول إلى السوق فعليا.
على سبيل المثال، تنص المواد 11 إلى 16 من القانون على أن البنك يمكنه شراء سلعة أو خدمة بناءً على طلب العميل والتزامه. لكن كان دائما يُطرح سؤال «هل التجارة من عمل البنك؟»، لذلك، لم تدخل البنوك مجال التجارة وفضلت العمل بشكل شكلي وصوري، الحل هو تصميم نظام برمجي حديث.
يمكن للعميل تسجيل طلب شراء في النظام، يقوم البنك بمراجعته والموافقة عليه، ثم يُحال العميل إلى جهة موثوقة ويتم تحويل التمويل مباشرة إلى حساب هذه الجهة، يمكن للبنك شراء السلعة وبيعها بالتقسيط للعميل، إذا تم تنفيذ هذا التصميم البرمجي بشكل صحيح، سيتمكن البنك من تطبيق جميع العقود الإسلامية بالكامل.
بالنظر إلى إصلاحات برنامج التنمية السابعة، كيف ترى مستقبل المصرفية خلال خمس سنوات؟ هل نتوقع تحولا جذريا، أم استمرار الوضع الحالي مع إصلاحات محدودة؟
المفتاح هو «إصلاح الفكر أولا ثم الأداء» يوفر القانون الجديد للبنك المركزي إمكانيات مناسبة: إلزام البنك بتنفيذ المصرفية بدون ربا، ومكلف المجلس الفقهي بالإشراف، بالتعاون مع إدارة الرقابة لضمان فعالية الرقابة على البنوك تصميم البرمجيات بشكل صحيح أساسي لتسهيل التنفيذ وتقليل المخاطر.
فيما يخص التضخم، يساهم البنك المركزي بنسبة حوالي 20٪، والبنوك الخاصة 60-65٪، والبنوك الحكومية ضئيلة جدا، أحد العوامل الرئيسية هو خلق النقود من قبل البنوك الخاصة بما يفوق الموارد القانونية، بعد تجاوز الظروف الطارئة، يجب جمع السيولة للسيطرة على التضخم.
المجلس الفقهي لديه أدوات شرعية للانكماش النقدي، مثل صكوك الوقف على أساس عقود ودائع، التي تحافظ على القوة الشرائية وتُسدد عند الاستحقاق بما يعادل التضخم، كما يمكن استخدام صكوك إسلامية حكومية أخرى من خلال الشراء أو الريبو، هذه الأدوات أثبتت فعاليتها وشرعيتها في السنوات الماضية.

