- زاد إيران - المحرر
- 459 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت وكالة أنباء “مهر” الإيرانية الأصولية، الأحد 7 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع محمد صالح أولیا، رئيس المنظمة الوطنية للإنتاجية في إيران، تناول واقع الإنتاجية في القطاعين الحكومي والخاص، وقد ركز الحوار على التحديات، والفرص، ودور الحكومة والقطاع الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي المستهدف
الإنتاجية بين الكفاءة والفعالية
استهل أولیا حديثه بالإشارة إلى أهمية أسبوع الحكومة، موضحا: “عندما نتحدث عن الإنتاجية، قد يتبادر إلى الذهن أولا إنتاجية الحكومة نفسها، ويُعد أسبوع الحكومة فرصة لكي يقيّم الجهاز التنفيذي أداءه ويكتشف ما إذا كان قد تمكن خلال هذه الفترة من العمل بكفاءة وفعالية أم لا”.
وذكر في شرحه للفارق بين الكفاءة والفعالية، أن “الكفاءة تتعلق بمدى الاستخدام الأمثل للموارد، وتقليص التكاليف، وتجنب فائض القوى العاملة أو المباني، أما الفعالية فهي مرتبطة بتحقيق الأهداف، إنجاز المهام بالشكل الصحيح، جودة الخدمات، ورضا المواطنين، والسؤال هنا: هل الأهداف الموضوعة في خطط التنمية تحققت بالفعل أم لا؟”.
الإنتاجية.. معادلة عامة تشمل الحكومة والقطاع الخاص
شدد أولیا على أن “الإنتاجية ليست حكرا على الحكومة، بل تشمل الاقتصاد الوطني كله، مبينا أن للوصول إلى النمو الاقتصادي المستهدف عند 8%، لا بد أن يأتي 35% من هذا النمو (أي 2.8%) عبر الإنتاجية، وهنا تبرز الأهمية البالغة لدور القطاع الخاص، فجميع مؤسساتنا الاقتصادية ينبغي أن تكون منتجة وفعّالة”.
وتابع موضحا أنه “يجب الانتباه إلى أن إنتاجية القطاع الخاص بدورها مرتبطة بإنتاجية الحكومة، فإذا قصّرت الدولة في توفير البنية التحتية، أو تقديم التسهيلات اللازمة، أو تبسيط الإجراءات، فمن الطبيعي أن يعاني القطاع الخاص في مجال الإنتاجية، وهذا يثبت أن مسؤولية الحكومة، وخاصة في أسبوعها، مسؤولية ثقيلة وكبيرة”.
عوامل الإنتاجية بين النفط والزراعة
لفت الاقتصادي الإيراني محمد صالح أولیا إلى إشكالية أساسية في ملف الإنتاجية، متسائلا: هل تعود مستويات الإنتاجية في الأساس إلى أداء الحكومات، أم أنها نتاج لعوامل أوسع نطاقا؟.
وبيّن أن التجارب والنماذج الدولية تحدد أربع ركائز رئيسية لتحفيز الإنتاجية، وهي: الاستقرار، وكفاءة الأسواق، والحوافز، والقدرات.
وأوضح أن تباين الأداء بين القطاعات الاقتصادية يرتبط بهذه العوامل، فربما يتوافر الاستقرار وكفاءة السوق بشكل أوضح في قطاع النفط خلال فترة معينة، فيما يبرز أثر الحوافز والقدرات بصورة أكبر في قطاع الزراعة في فترة أخرى.
وشدد على أن هذا التباين يستلزم تحليلا معمقا لكل قطاع على حدة لفهم أسباب التغيرات في معدلات الإنتاجية بدقة.

فوضى القوانين وتأثيرها السلبي على الإنتاجية
أوضح محمد صالح أولیا أن اختلاف مستويات الإنتاجية بين القطاعات لا يرتبط فقط بالسياسات الحكومية، بل يتأثر بدرجة أكبر بالعوامل الأربعة الأساسية للإنتاجية، وهي: الاستقرار، وكفاءة الأسواق، والحوافز، والقدرات، ورغم غياب أرقام دقيقة تحدد نسبة تأثير كل عامل، فإن أثرها يظل متفاوتا وحاسما.
وأضاف أن الدولة مطالَبة بتهيئة بيئة محفزة تُمكّن المؤسسات الاقتصادية، سواء الحكومية أو الخاصة، من رفع إنتاجيتها، فالمؤسسة التي لا ترى انعكاس إنتاجيتها على أرباحها أو ميزانيتها، تفقد تلقائيا الحافز للتحسين.
وأشار إلى دور البرلمان في هذا السياق، مؤكدا أن تراكم القوانين وتعقيدها خلقا حالة من الفوضى أثرت سلبا على الإنتاجية، حتى بات من غير الواضح ما الذي يجب القيام به بدقة، كما شدد على أن للسلطة القضائية دورا في ترسيخ الاستقرار والأمن بما يدعم الإنتاجية، فيما تتحمل الحكومة بدورها مسؤولية محورية في هذا الإطار.
تحدث أولیا عن تأثير مبيعات النفط في فترة الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي على مؤشرات الاقتصاد، موضحا أن الإنتاجية تتأثر بالظروف السائدة؛ ففي عهد رئيسي حققت البلاد نجاحا ملحوظا في تصدير النفط، وهو ما انعكس على ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي وتحسن الأرقام الاقتصادية.
وشدد في الوقت نفسه على أن هذا التحسن لا يعني بالضرورة زيادة في الإنتاجية، رغم أهميته من زاوية السياسة الخارجية وتأمين العائدات المالية، مشيرا إلى أن تقييم هذا الجانب يتطلب تحليلا أدق ولا يمكن الجزم به بشكل مباشر.
نمو اقتصادي هش ونسبة مرتفعة من الإنتاجية
أوضح أولیا أن “النمو الاقتصادي خلال عام 2024 بلغ 3.1%، منها 2% جاءت من الإنتاجية، أي ما يعادل 63% من النمو، بينما كان المستهدف في البرامج التنموية 35% فقط”.
وتابع أن هذه النسبة تحمل دلالتين متناقضتين؛ فهي إيجابية من حيث ارتفاع مساهمة الإنتاجية في النمو، لكنها في الوقت نفسه مقلقة لأن النمو الكلي للاقتصاد ضعيف، ما جعل الإنتاجية تغطي على هذا الضعف.
وأشار إلى مثال قطاع الزراعة، حيث أعلن وزير الزراعة عن ارتفاع النمو من 5% إلى 5.6%، وعلّق قائلا إن هذا الارتفاع ليس قفزة كبيرة، لكنه مؤشر جيد وغالبا ما ينتعش قطاع الزراعة في الفترات التي تواجه فيها قطاعات أخرى مثل الصناعة صعوبات وتراجعا.

إتلاف الطاقة.. خسارة 50 مليار دولار سنويا
أشار محمد صالح أولیا إلى ملف الطاقة، مؤكدا أن إدارة الاستهلاك وتحفيز المستهلكين على الترشيد يمثلان تحديا محوريا في الاقتصاد الإيراني، وقال إن التحديات قائمة على جانبي العرض والطلب، ونتائجها باتت واضحة للجميع.
وأضاف أن قضية الإنتاجية لا يمكن حصرها في الحلول التقنية والهندسية فقط، بل تتأثر أيضا بعوامل اجتماعية وسياسية وثقافية، فضلا عن اعتبارات التسعير، ما يجعل اتخاذ القرارات في هذا المجال أكثر تعقيدا.
وكشف أولیا عن تقديرات حديثة تشير إلى أن هدر الطاقة في البلاد يبلغ نحو 50 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل نصف ميزانية الدولة تقريبا، مؤكدا أن تقليص هذا الهدر عبر سلسلة الإنتاج والاستهلاك قد يكون من أهم محركات رفع الإنتاجية الوطنية.
وفي سياق آخر، أشار أولیا إلى أن إحدى المشكلات الكبيرة التي تواجه ملف الإنتاجية تتعلق بالشركات شبه الحكومية، وقال: “بدأنا إعداد تقرير سنوي تحت مسمى صورة الإنتاجية، وتبين أن الشركات شبه الحكومية تسجل مستويات إنتاجية أدنى من نظيراتها الحكومية، رغم أن حصتها في الاقتصاد أكبر ورقابتها أقل”.
وأكد أن معالجة هذا الملف يجب أن تكون ضمن أولويات الحكومة، موضحا أن بعض الخطوات بدأت بالفعل، لكنها لا تزال بحاجة إلى توسع أكبر.
وتحدث أولیا عن دور المنظمة الوطنية للإنتاجية، مبينا أنها تضطلع بدور “المُقيّم”، عبر إعداد كوادر متخصصة، وتنظيم برامج تدريبية، وإصدار تقارير تحليليةوأن المنظمة لا تملك صلاحيات تنفيذية مباشرة أو دور تشريعيا، ما يجعل مهمتها أقرب إلى التنسيق بين الجهات.
الإصلاحات الكبرى.. شرط لا مفر منه
أشار محمد صالح أولیا في ختام حديثه إلى أن تعثر الإنتاجية في إيران، رغم مرور نصف قرن على اعتبارها أولوية، يعود إلى غياب الإصلاحات الجوهرية، وفي مقدمتها تقليص حجم الحكومة وجعلها أكثر مرونة، وأكد أن التجارب الدولية الناجحة قامت بمثل هذه “الجراحة الكبرى”، في حين لم تصل إيران بعد إلى تلك المرحلة.
ورأى أن الظروف الراهنة قد تتيح فرصة لقبول مثل هذه الإصلاحات رغم تكاليفها ومخاطرها، مشددا على أن الحلول الجزئية مثل التدريب والتمكين لن تحقق نتائج ملموسة ما لم تُرفد بخطوات إصلاحية كبرى.
كما اعتبر أن إنجاز الإصلاح يتطلب تنسيقا وطنيا واسعا، واستعدادا شعبيا، وإعلاما فاعلا يعزز الثقة العامة ويواجه مقاومة المجتمع لأي تغييرات محتملة، وبيّن أن متابعة الإعلام ومطالبة المواطنين بتقليص الهدر والازدواجية من شأنهما دفع الأجهزة الرسمية لتحمل مسؤولياتها وتنفيذ الإصلاحات الضرورية.

