انقلاب النفط وسقوط محمد مصدق في أغسطس 1953

كتب: سيد نيما موسوي

منذ اندلاع الثورة الدستورية في إيران عام 1906، انطلقت الحركة الديمقراطية في البلاد، وقد شكّلت هذه الثورة من جهة امتدادا للتجربة الدستورية في الدولة العثمانية، ومن جهة أخرى تعبيرا عن الموجات الديمقراطية التي أخذت في التشكل عالميا منذ مطلع القرن التاسع عشر.

ومع انهيار الدولة القاجارية وصعود الأسرة البهلوية إلى الحكم عام 1925، وقعت نقطة تحوّل لافتة في التاريخ الإيراني؛ إذ وصلت سلطة سياسية إلى الحكم لأول مرة بدعم مباشر من قوة أجنبية، وفي الوقت نفسه تلاشت معظم مكاسب الثورة الدستورية.

كان رضا شاه نتاجا لموجة التوتاليتارية التي اجتاحت العالم بين الحربين العالميتين، والتي برز من بين رموزها هتلر، وستالين، وأتاتورك. ومع ما شهدته إيران في العقدين 1910 و1920 من أزمات قاسية، مثل المجاعة، وانتشار الأوبئة، وتعرض البلاد للتجزئة، رأى كثير من المثقفين ـ متجاوزين فكرة الديمقراطية ـ أن إيران بحاجة إلى «استبداد مستنير» قادر على مواجهة التحديات. وهكذا فضّلت قطاعات واسعة من المجتمع، في ظل أزمات تلك المرحلة، الحكم الاستبدادي ولو على حساب الديمقراطية.

ومع سقوط رضا شاه عام 1941 وصعود نجله الشاب محمد رضا شاه بهلوي ـ وكان حينها في الثانية والعشرين من عمره ـ تراجع نفوذ البلاط وضعفت قبضة الاستبداد الحكومي، الأمر الذي أفسح المجال أمام نشوء أحزاب سياسية متعددة.

Image

تُعرّف بداية الحرب الباردة منذ أواخر الأربعينيات، واندراج إيران تحت مظلة المعسكر الغربي، جعلا الولايات المتحدة بوصفها الحامي الرئيس لحكومة محمد رضا شاه، فمنذ سبتمبر/أيلول 1941، حين خضعت إيران لاحتلال قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، بات نظامها المالي خاضعا عمليا للوصاية الأميركية، ومع نشوء أوليغارشية مالية مرتبطة بواشنطن، تأسست مؤسسات مثل «منظمة التخطيط والميزانية» لإدارة شؤون الاقتصاد الإيراني.

كما أن إيران، منذ عهد الرئيس الأميركي هاري ترومان، أُدرجت ضمن إطار المساعدات التي وفرها «مشروع مارشال» لمواجهة النفوذ الشيوعي، الأمر الذي جعل النظام المالي لمحمد رضا شاه مندمجا في المنظومة الغربية، وكرّس الولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيس لبقاء الملكية.

غير أن تعديل الدستور الإيراني عام 1949 وما ترتب عليه من توسيع صلاحيات الشاه، أفضيا عمليا إلى تآكل جانب كبير من المكتسبات الديمقراطية التي ظهرت بعد سقوط رضا شاه في سبتمبر/أيلول 1941،  ومن جانب آخر، اتسمت علاقة الشاه الشاب بالنخب السياسية المخضرمة في الدولة البهلوية ـ مثل محمد مصدق، وأحمد قوام، وحاج علي رزم آرا ـ بالضعف والتوتر، إذ كان نفوذ هؤلاء وتجربتهم السياسية يُنظر إليهما على أنهما يتعارضان مع ترسيخ سلطة الشاه الفتي.

Image

ارتبطت مسألة النفط في مطلع الخمسينيات بالنمو المتسارع للاقتصاد الأميركي وحاجته المتزايدة إلى نفط الشرق الأوسط، فمع انحسار النفوذ البريطاني وصعود الولايات المتحدة ـ التي تجنبت ويلات الحرب العالمية الثانية ـ تحوّل النفط إلى ركيزة محورية في السياسة الخارجية الأميركية، وأصبح ساحة التنافس الرئيسة في النظام الدولي الجديد.

لقد جاء قرار تأميم النفط في إيران انعكاسا مباشرا لضعف بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فالمملكة المتحدة، التي أثقلت كاهلها الديون والخسائر الناجمة عن الحربين، انسحبت في عهد رئيس الوزراء العمالي كليمنت أتلي من مستعمرات مهمة مثل إندونيسيا والهند. وفي هذا السياق، أقدم محمد مصدق، بدعم من البلاط وبمساندة غير مباشرة من إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، على إعلان تأميم النفط الإيراني.

أما محمد رضا شاه، الذي كان يخشى من خطة رئيس الوزراء حاج علي رزم آرا عام 1951 بشأن النفط، فقد حاول في البداية مسايرة مشروع مصدق والتماهي معه. كما أن بعض التيارات الدينية ساندت ذلك المشروع بدرجات متفاوتة، غير أن موازين القوى العالمية بدأت تتغير مطلع عام 1952، مع عودة ونستون تشرشل، السياسي العتيد، إلى رئاسة الوزراء خلفا لأتلي، مطروحا خيار التدخل العسكري ضد إيران.

في المقابل، سعى ترومان إلى لعب دور الوسيط بين مصدق وتشرشل، محاولا تقديم حلول وسطية؛ فرفض منح قرض لمصدق، لكنه حال في الوقت نفسه دون شنّ عمل عسكري بريطاني. وإلى جانب ذلك، كان عدد من أبرز مسؤولي السياسة الخارجية الأميركية على علاقة وطيدة بمصدق، منهم «جورج ماك غي» نائب وزير الخارجية دين أتشيسون، و«هنري غريدي» السفير الأميركي في طهران.

ومع ذلك، فإن تعمّق الخلافات بين مصدق من جهة، والشاه والإدارة الأميركية من جهة أخرى، دفعه إلى الاقتراب من القوى الشيوعية المرتبطة بحزب توده، بل ومنح الحزب مساحة أوسع للتحرك بهدف الضغط على واشنطن، وقد أسفر هذا التقارب عن صعود خطاب مناهض للملكية، تجلّى في الدعوة إلى إقامة جمهورية، وهو ما تبناه الشيوعيون الإيرانيون. عند هذه اللحظة، وجد محمد رضا شاه ومعه التيارات الدينية أنفسهم في مواجهة صريحة مع مصدق.

على المستوى الأعلى، ومع وصول دوايت آيزنهاور إلى السلطة في فبراير/شباط 1953، كان محمد مصدق يعتقد أنه ما زال قادرا على استخدام ورقة حزب تودة لانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة. غير أنّ الشاه، الذي كان يخشى منه كما خشي من رزم آرا وقوام لاعتباره سياسيا قويا، اتجه نحو التحالف مع القوى المحافظة تمهيدا لإسقاطه. في الوقت نفسه، رأت التيارات الدينية في تنامي نفوذ الشيوعيين تهديدا مباشرا لها، فانتقلت إلى موقع المواجهة مع مصدق.

زاد من مأزق مصدق أنه كان يعوّل على دعم الاتحاد السوفيتي، لكنه فوجئ بوفاة جوزيف ستالين بعد أسابيع قليلة من تولي آيزنهاور الحكم. ورغم أن علاقة مصدق بستالين لم تكن جيدة في بداياتها، فإنه سعى لاحقا إلى تحسينها بغية استخدام موسكو كورقة ضغط على واشنطن. إلا أن وفاة ستالين في مارس/آذار 1953 أجهضت هذا المسعى، فيما كان نيكيتا خروشوف منهمكا طوال عامين تقريبا في تثبيت سلطته، ما جعل خيار المساندة السوفيتية يتلاشى.

وبذلك وجد مصدق نفسه في وضع بالغ الصعوبة: داخليا كان يواجه البلاط الملكي، والقوى الدينية، وكبار الملاّك؛ وخارجيا تبلورت جبهة خطيرة ضده جمعت بين ونستون تشرشل وآيزنهاور. أما السوفييت، المنشغلون بمرحلة انتقال السلطة وبملف الحرب الكورية، فاختاروا مراقبة المشهد الإيراني من بعيد، وهكذا لم يبقَ لمصدق من حلفاء سوى الجناح اليساري في الجبهة الوطنية وحزب تودة، وهو ما جعله معزولا إلى حد بعيد، الأمر الذي مهّد الطريق لتنفيذ الانقلاب في أغسطس/آب 1953 بأقل تكلفة ممكنة.

يمكن مقارنة سقوط حكومة محمد مصدق بسقوط حكومة خاكوبو آربنز في غواتيمالا عام 1953، حيث تولّت وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية، الخاضعتان آنذاك لنفوذ الأخوين جون فوستر دالاس وآلن دالاس، الإشراف على تنفيذ الانقلاب هناك. ففي غواتيمالا ارتبط الانقلاب بمصالح الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في قطاع «الموز»، بينما كان انقلاب إيران مرتبطا بالسلعة الاستراتيجية “النفط”.

إن دور الولايات المتحدة في الانقلابين يكشف، قبل كل شيء، عن تنامي مكانة الشركات المتعددة الجنسيات في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وعن تزايد الطابع الأمني لهذه السياسة. ففي تلك المرحلة، ظهرت الولايات المتحدة كقوة عظمى تحمل راية الاستعمار الجديد. وكما كان ملف الاحتلال السوفيتي لمنطقة أذربيجان شمال غربي إيران وطرحه أمام مجلس الأمن بداية الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، جاء الانقلاب على مصدق ليشكل أول مظهر من مظاهر الواقعية الهجومية في السياسة الخارجية الأميركية.

Image

فحتى عهد الرئيس ترومان، كانت الولايات المتحدة تُعد قوة شبه منعزلة يتركز نفوذها داخل نصف الكرة الغربي فقط، أما الانقلاب على مصدق، فقد مثّل لحظة التحول الحاسمة من العزلة إلى الواقعية الهجومية، وهي الاستراتيجية التي تصاعدت تجلياتها منذ ذلك الوقت ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

الأهم من ذلك كله هو الأثر العميق لسقوط مصدق على وعي المثقفين الإيرانيين، فقد جعل انقلاب 1953 من النزعة الديمقراطية في إيران قضية تتجاوز حدود المطالبة بالدستورية، لتصبح في جوهرها مواجهة مع النفوذ الأجنبي. لقد ولّد الانقلاب جيلا جديدا من المثقفين الذين اعتقدوا أن تحقيق الديمقراطية لا يقتصر على مقاومة الاستبداد الداخلي، بل يتطلب قبل ذلك خوض معركة ضد الإمبريالية الأجنبية، وعلى رأسها القوة الصاعدة آنذاك المسماة “الولايات المتحدة”.

بعد سنوات قليلة من الانقلاب، جسّد الشاعر الإيراني مهدي أخوان ثالث هذه الأجواء القاتمة في ديوانه الشعري الشهير “زمستان” (الشتاء)، الذي عبّر عن برودة المشهد السياسي والاجتماعي في إيران ما بعد 1953. وقد شكّل هذا الديوان إيذانا بظهور جيل جديد من المثقفين الذين أعادوا صياغة الصراع مع الولايات المتحدة ضمن إطارٍ فكري مستند إلى الأدبيات اليسارية.

هذا الجيل الثاني من المثقفين الإيرانيين لعب دورا محوريا في الثورة عام 1979. وبمعنى آخر، يمكن النظر إلى ثورة 1979 على أنها ثمرة مباشرة لفشل «ثورة تأميم النفط» التي أُجهضت بانقلاب 1953.