خبير سياسي: إيران تعيد رسم استراتيجياتها الإقليمية لمواجهة النفوذ الأمريكي

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الأحد 10 أغسطس/آب 2025، حوارا مع حامد خسروشاهي، عضو مركز الفكر “جريان”، والباحث في قضايا القوقاز، حول تداعيات ودلالات دخول واشنطن المباشر في إدارة ممر زانغزور، وتأثير ذلك على موازين القوى والتحالفات التقليدية في القوقاز الجنوبي.

ردود فعل إيران وتركيا تجاه تحوّل نفوذ واشنطن في القوقاز

نقلت الصحيفة عن خسروشاهي قوله إن حضور رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف معا في البيت الأبيض، خلال لقاء رسمي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف إتمام اتفاق السلام، يتجاوز دور الوسيط في نزاع ثنائي، ويُعد محاولة استراتيجية لنقل محور النفوذ الإقليمي من روسيا إلى الغرب.

وأضاف أن دور تركيا وإيران، اللتين تُعتبران لاعبين رئيسيين في المنطقة، سيكون تحت تأثير كبير لهذا التحول.

وتابع أن تركيا، التي عززت في السنوات الأخيرة موطئ قدمها الجيوسياسي في القوقاز عبر تقاربها مع باكو ودعمها الحازم لأذربيجان في حرب ناغورنو كاراباخ الثانية (2020)، تعتبر دخول أمريكا المتقدم في معادلات القوقاز تدخلا في ساحتها الخلفية التي أعادت إحيائها حديثا.

وأردف أنه رغم كون تركيا عضوا في الناتو وحليفة للغرب، فإن علاقاتها مع أمريكا شهدت توترات في السنوات الأخيرة، وأنقرة تسعى لأن تبقى القوة الرئيسية في القوقاز، لذلك، من المحتمل أن تحاول تركيا عبر مبادرات موازية أو تفاعلات مضاعفة مع روسيا وإيران إعادة بناء التوازن الجيوسياسي الجديد لصالحها.

وأوضح بشأن نتائج الخطة الأمريكية الجديدة لإيران أن الموضوع كان حساسا جدا من وجهة نظر طهران، إذ أبدت إيران قلقا كبيرا تجاه أي تغيير في الجغرافيا السياسية للمنطقة، خاصة ما يتعلق بإنشاء ممر زانغزور وقطع الحدود البرية بين إيران وأرمينيا، وبعد أن اقترح الأمريكيون تأجير جزء طويل الأمد من الممر لشركة عسكرية خاصة، رأت طهران في هذه التطورات خطرا إقليميا وتهديدا مباشرا لأمنها القومي.

وأفاد بأنه من المتوقع أن يظهر تفاعل إيران من خلال زيادة الضغط الدبلوماسي على يريفان، وتعزيز الوجود الأمني على الحدود الشمالية الغربية، بالإضافة إلى تعميق التقارب مع روسيا والصين ضمن محور مضاد لنفوذ أمريكا، وباختصار، هذا التحول لا يقتصر على إعادة رسم دور واشنطن في القوقاز، بل يفرض على اللاعبين الإقليميين مثل إيران وتركيا الرد وإعادة تعريف مصالحهم وأدوات نفوذهم في المنطقة.

ممر زانغزور بين رهانات باكو ويريفان وحذر موسكو

أوردت الصحيفة عن خسروشاهي في معرض تقييمه للتداعيات المحتملة للخطة الأمريكية المزعومة على أبرز الفاعلين في القوقاز، أي أرمينيا وأذربيجان وكذلك روسيا، أنه شدّد على أنّ هذا الاقتراح يفرض تكاليف على كلا البلدين، وأنّ قبوله مرهون بحساب دقيق للمصالح الاستراتيجية في ظل ضغوط اللاعبين الإقليميين.

وأبرز أنه من منظور باكو، فإن تسليم إدارة الممر إلى طرف ثالث قد يُعتبر ضمانا أمنيا للاستغلال المستدام لهذا الممر الاستراتيجي، فبعد التجربة الطويلة للثقة المنخفضة تجاه روسيا، خصوصا في الآونة الأخيرة، تسعى أذربيجان إلى تثبيت مكتسباتها الجيوسياسية، وفي هذا الإطار قد تُعدّ الرقابة من جهة أمريكية أو أوروبية ضمانا للحياد واستمرارية النظام بعد السلام.

ورأى أن باكو يجب أن تكون قلقة من رد فعل موسكو الحاد، والذي قد يشمل أبعادا اقتصادية، وطاقة، وحتى عسكرية.

وصرّح بأن أرمينيا، التي تراوحت بين اعتمادها التقليدي على روسيا ورغبتها في التقارب مع الغرب على مدار سنوات، قد تنظر إلى قبول هذا السيناريو كخطوة نحو ضمان استقلالها عن نفوذ الكرملين، رغم أن وجود أمريكا قد يكون جذابا لباشينيان ودوائر الغرب في حكومته، إلا أن هذا القرار قد يواجه مخاطر قطع الدعم الأمني الروسي وإثارة ردود فعل سلبية داخلية، بما في ذلك معارضة من أنصار موسكو.

وأشار إلى أن رد فعل روسيا في حال تنفيذ هذا المشروع سيكون حاسما ومحتملا، خاصةً أن الكرملين، لا سيما بعد حرب أوكرانيا، حساس للغاية تجاه أي تقليل لعمقه الاستراتيجي في ساحته الخلفية التقليدية.

وأورد أن خروج روسيا من موقعها كمراقب في ممر زانغزور يعني تنازلا عن امتياز حيوي لصالح الكتلة الغربية، وقد ترد موسكو على ذلك بإجراءات مثل الضغط الدبلوماسي، وفرض عقوبات غير رسمية، وتحريك الأقليات العرقية، أو حتى تنفيذ تحركات ميدانية على شكل توترات محدودة.

إيران تواجه تحديات جديدة على حدود القوقاز

استعرضت الصحيفة تصريحات خسروشاهي حول تداعيات السيناريو الأمريكي لإدارة ممر زانغزور على دور إيران، مؤكدا أن إيران وجب عليها الاستعداد للتحولات الجديدة، وبيَّن أن تغيير إدارة الممر وانتشار الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية بشكل غير رسمي قرب الحدود الإيرانية، خصوصا بعد الهجوم الأمريكي الأخير على المنشآت النووية الإيرانية والرد الصاروخي الإيراني على قاعدة أمريكية في قطر، يُعتبر تهديدا استراتيجيا.

وأشار خسروشاهي إلى أن إيران تمتلك عدة أدوات لمواجهة هذا التحدي:

  • أداة جغرافية سياسية تعتمد على استخدام موقعها كمسار بديل للنقل لأرمينيا وأوراسيا لتقليل جاذبية الممر الغربي.
  • أداة التوافق الإقليمي عبر تعميق التعاون مع روسيا والصين، خاصة من خلال مبادرات مثل منظمة شنغهاي ومشاريع موازية لمبادرة الحزام والطريق.
  • أداة الدبلوماسية متعددة المستويات، حيث يمكن لإيران استغلال العلاقات الاقتصادية والأمنية مع يريفان للاستفادة من تبعية أرمينيا المتبادلة معها.
  • أداة الردع غير المتكافئ، عبر تعزيز الوجود العسكري والأمني على الحدود الشمالية الغربية،مع الحفاظ على القدرات الاستخباراتية، بما يشكل ردعا ناعما وفعّالا.

وشدد على ضرورة مراقبة التطورات بحذر وتجنب ردود الفعل العاطفية، والتوجه نحو إدارة نشطة واستباقية للتحولات في المنطقة، لأن الصراع في القوقاز ليس مجرد نزاع حدودي بل جزء من تنافس أوسع تشارك فيه الصين وروسيا والولايات المتحدة والفاعلون الإقليميون.

وأبلغ أن إعادة تعريف الولايات المتحدة للآليات الأمنية والسياسية والاقتصادية في قوقاز الجنوبي مرتبط بتطورات المنطقة السريعة، فحضور باشينيان وعلييف في واشنطن ومباحثات تسليم إشراف ممر زانغزور لشركة أمريكية يعكس تحوّل واشنطن من وسيط سلام إلى مهندس أمن جديد في القوقاز.

وأبرز أن الولايات المتحدة استغلت الفراغ الناتج عن حرب أوكرانيا، وضعف روسيا، وانعدام ثقة أرمينيا بموسكو، لتشكيل إطار متعدد الطبقات مع أرمينيا وأذربيجان وربما جورجيا، يشمل الجوانب الاقتصادية والأمنية والسياسية، ويعمل كناتو ناعم لدفع نظام القرار في القوقاز نحو الغرب.

وأشار إلى احتمال تنسيق رد فعل مشترك بين إيران وروسيا والصين، التي تواجه تهديدات لنفوذها ومشاريعها، عبر مشاريع بنية تحتية مشتركة ومناورات سياسية وتبادل معلومات، لتشكيل رد استراتيجي على التدخل الأمريكي.

وأضاف أن هذا الرد نادرا ما سيكون تحالفا رسميا، لكنه سيخلق تحركات متزامنة ومعقدة تزيد من صعوبة تحقيق واشنطن لأهدافها في المنطقة، ولفت إلى أن دور تركيا وأذربيجان في هذا السياق سيكون حاسما في صياغة موازين القوى المستقبلية.

ونوَّه إلى أن أنقرة، رغم عضويتها في الناتو، تحتفظ بعلاقات وثيقة مع موسكو، وتتمتع بموقع استراتيجي يمكّنها من لعب دور موازن في اللحظات الحرجة، أما باكو، فتعيش حالة ازدواجية بين علاقاتها القوية مع إسرائيل والغرب، وقربها من طهران في بعض الملفات، ما يضعها بين مصالح اقتصادية وجيوسياسية متناقضة.

وأفاد بأن هذا الواقع يزيد من احتمالية ظهور انقسامات جيوسياسية متغيرة في القوقاز، حيث يتصرف اللاعبون بناء على مصالح مؤقتة بدلا من تحالفات تقليدية.

ممر زانغزور.. خط فاصل بين الشرق والغرب

ذكرت الصحيفة على لسان خسروشاهي، أن جنوب القوقاز يمر بمرحلة تاريخية جديدة، حيث قد يؤدي تنفيذ السيناريو الأمريكي لإعادة تعريف النظام الإقليمي بمشاركة أرمينيا وأذربيجان إلى تحويل نظام صنع القرار والأمن في المنطقة إلى غربي بالكامل لأول مرة منذ 30 عاما.

وأقرَّ بأن رد فعل إيران سيكون حاسما لمنع هيمنة أمنية أحادية، عبر التحول من مراقب إلى فاعل مؤثر باستخدام أدوات دبلوماسية وأمنية واقتصادية، سواء بالتعاون مع روسيا والصين أو عبر تعزيز علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة، كما يعكس مستقبل القوقاز تنافسات على مستوى النظام العالمي، وليس فقط نزاعات حدودية.

وجزم بأن توجه أرمينيا نحو واشنطن والمشاركة في مشاريع مثل إدارة ممر زانغزور تحت إشراف أمريكي سيؤدي إلى تغييرات عميقة وربما مكلفة في علاقاتها مع إيران وروسيا، ومن منظور موسكو، هذا التوجه يمثل خروجا تدريجيا من نفوذها، وقد يترتب عليه تقليل التعاون العسكري، وتعليق المشاريع الاقتصادية، أو دعم منافسي أرمينيا.

وصرَّح بأنَّ تحالف أرمينيا مع أمريكا في منطقة حساسة مثل زانغزور، المتاخمة لحدود إيران، قد يضعف العلاقات الاستراتيجية القديمة بين طهران ويريفان، إذ إن إيران، التي حاولت الحفاظ على توازن جيوسياسي في القوقاز رغم خلافاتها مع باكو وأنقرة، ستعتبر تثبيت الوجود الأمريكي عند حدودها تهديدا مباشرا لأمنها القومي.

وأوضح أن إيران في هذه الحالة، قد تعيد تعريف موقفها تجاه القوقاز، بالتقارب مع باكو وتعزيز التعاون مع روسيا والصين ضمن توازن قوى، وربما تتوقف عن دعم أرمينيا في منطقة سيونيك وتنظر بجدية إلى مشاريع نقل منافسة.

وأورد أن انحراف أرمينيا الواضح نحو واشنطن قد يمنح حكومة باشينيان مكاسب قصيرة الأمد، لكنه سيضعف موقعها الاستراتيجي في القوقاز، حيث يتعيّن عليها الحفاظ على توازن علاقاتها مع جميع اللاعبين الإقليميين، بدلا من الارتهان لجهة خارجية ذات أهداف جيوسياسية.

وأكَّد أن فتح الحدود وإحياء خطوط السكك الحديدية بين أرمينيا وأذربيجان، خاصة ممر زانغزور تحت إشراف قوى غربية، لن يهدد فقط الموقع الجيوسياسي لإيران وروسيا بل سيؤدي لتأثيرات اقتصادية وجيوستراتيجية ملموسة. 

وبيَّن أن من أهم النتائج المترتبة على ذلك بالنسبة لإيران تراجع دورها كمسار بديل للنقل بين آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا، خاصة إذا ما أصبح المسار السككي المباشر بين باكو ويريفان فعالا ومرتبطا بأسواق أوروبا عبر الأراضي الأرمينية، تحت رعاية واستثمار غربي، وبضمان شركات أمريكية.

وأبرز أن ممر الشمال-الجنوب سيظل مهما لإيران، لكن إعادة تعريف طرق النقل دون مراعاة مصالحها قد تضعف نفوذها السياسي في القوقاز الجنوبي، وبالنسبة لروسيا، تعتبر القوقاز الحياة الخلفية لنفوذها، وأي ممرات ترانزيت جديدة تدعمها جهات غربية دون مشاركتها تشكل تهديدا خطيرا لها. 

وأوضح أنه على المدى القصير، قد يتراجع نفوذها كوسيط أمني، بينما على المدى الطويل قد تظهر هياكل أمنية واقتصادية منافسة للاتحاد الاقتصادي الأوراسي، كما يُعَدّ مسار الشمال في مشروع الحزام والطريق الصيني أداة نفوذ مهمة لروسيا، وأي مسارات بديلة تدعمها جهات غربية ستقوّض هذا التوازن. 

وفي الختام نوَّه خسروشاهي إلى أن إيران وروسيا مضطرتان لإعادة ترتيب أولوياتهما وتعزيز تحالفاتهما، موضحا أن الصراع الحالي لا يقتصر على خطوط النقل، بل يمتد ليشمل إعادة تعريف النظام الأمني الإقليمي.