دبلوماسي إيراني بارز: طهران تعيد رسم علاقتها مع الوكالة في ظل فقدان الثقة

أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الأحد 27 يوليو/تموز 2025، حوارا مع المحلل في قضايا السياسة الخارجية رحمان قهرمان‌ بور، حول آفاق السيناريوهات المحتملة في العلاقات بين طهران والترويكا الأوروبية، ومستقبل التعاون الفني بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ظل تصاعد التوترات الدبلوماسية واحتمال تفعيل آلية الزناد وعودة عقوبات مجلس الأمن.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما تقييمكم لمشاورات يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025؟ وهل يمكن توقع إحراز تقدم فيها بالنظر إلى خطوط طهران الحمراء وتشديدها على حق التخصيب؟

نظرا للأجواء العامة السائدة في العلاقات بين إيران وأوروبا، لم يكن من المتوقع أن تحقق هذه الجولة من المشاورات تقدما كبيرا، لا سيما أن الجولة السابقة من المفاوضات بين إيران وأوروبا، والتي عقدت أيضا في إسطنبول، شهدت تصعيدا في التوتر بين الجانبين، حيث مارس الأوروبيون بعد تلك الجلسة ضغوطا على المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، داخل مجلس المحافظين، لنشر تقرير ضد إيران. 

لذلك، لا يمكن التعويل كثيرا على المفاوضات الأخيرة بين طهران والترويكا الأوروبية، خاصة أن كلا الطرفين، على ما يبدو، لم يرسلا ممثليهم الأساسيين إلى إسطنبول، وهو ما يعكس عدم امتلاكهم آمالا كبيرة حيال نتائج هذه المحادثات.

ومن جهة أخرى، يبدو أن إيران كانت تسعى بشكل أساسي لإيصال رسالتها إلى أوروبا، بينما الأوروبيون أخذوا بعين الاعتبار حساباتهم الداخلية، وفي هذا السياق، وبعد لقاءات المستشار الألماني والرئيس الفرنسي مع المسؤولين البريطانيين، قررت الترويكا الأوروبية أن تؤدي دورا أكثر فاعلية في السياسة الخارجية، ومن هذا المنطلق، فإن موضوع المفاوضات مع إيران كان يحمل لهم وظيفة داخلية أيضا.

هل استمرار المشاورات مع أوروبا قد يمهّد لاستئناف الحوار بين طهران وواشنطن؟

إن المشكلة الأساسية في استئناف المشاورات بين طهران وواشنطن تكمن في انعدام الثقة بعد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، خاصة على منشأة فوردو، ما أدى إلى انقسام داخلي بين تيارين، الأول يرى أن المفاوضات كانت خدعة ويعارض العودة إليها، والثاني يؤيد الدبلوماسية لكن مع وسائل ضغط أشد.

إن إطلاق المفاوضات مرهون بتقارب بين هذين التيارين، في وقت لم تُبدِ فيه واشنطن استعدادا لتقديم ضمانات بعدم التدخل العسكري، وهذا يزيد الغموض حول فرص استئناف الحوار، ووسط هذا التعقيد، يبرز احتمال وساطة صينية، وربما تأخر المفاوضات يعود لمشاورات إيرانية مع بكين – وروسيا بدرجة أقل – حول آلية التفاوض، وإذا تدخلت الصين رسميا، فقد تسهم في تهيئة الأجواء داخليا وإعادة إحياء المسار التفاوضي.

لكن حتى الآن، لا شيء مؤكد، ويُنتظر ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد إعلانا عن وساطة صينية أو مبادرة أميركية جديدة.

كيف تقيّمون آفاق التعاون بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية في ظل الحديث عن زيارة مشروطة لوفد فني، وتصريحات غروسي بشأن التعاون الفني مع إيران؟

في ظل الهجمات التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية، وغياب إدانة واضحة من الوكالة، تصاعدت أجواء انعدام الثقة بين إيران والوكالة، ما دفع طهران إلى إعادة النظر في شكل تعاونها معها.

كما تضرر جزء كبير من دورة تخصيب الوقود الإيراني نتيجة تلك الهجمات، ما يجعل القضية الراهنة تتجاوز الرقابة الروتينية، لتشمل تقييم الأضرار ومصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، وبما أن الوكالة تُعدّ المرجع الفني الدولي الأهم، فإن استمرار التعاون معها يكتسب أهمية خاصة، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى ربط تمديد آلية الزناد بمستوى هذا التعاون.

لذلك، يُنظر إلى علاقة إيران بالوكالة كأولوية أمريكية وأوروبية، وتعمل طهران في هذا السياق على صياغة فصل جديد من التعاون، دون القطيعة، ولكن ضمن إطار مختلف.

وفي هذا السياق، تشير الأخبار المنشورة إلى أن إيران تعمل، في ضوء التطورات الأخيرة، على إعادة صياغة شكل تعاونها مع الوكالة استنادا إلى صيغة أو إطار مختلف، وعلينا أن ننتظر لنرى كيف سيُرسَم هذا الإطار الجديد، وما هي طبيعته.

ومن جهة أخرى، رفضت إيران زيارة غروسي، إلى طهران، تعبيرا عن احتجاجها على نهج الوكالة، وأظهرت بذلك استياءها منها. 

ومع ذلك، فإن مستقبل التعاون بين إيران والوكالة يعتمد إلى حدّ كبير على مصير آلية الزناد. فإذا قامت أوروبا بتفعيل هذه الآلية، فإن أحد الاحتمالات هو أن تنسحب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، وفي هذه الحالة ستشهد علاقة إيران بالوكالة أزمة حادة، وسيتوقف التعاون القائم بشكل كامل.

لذلك، يُعد آلية الزناد العامل الحاسم في هذا السياق، ومع ذلك، وبرأيي، فإن موافقة إيران على زيارة الفريق الفني التابع للوكالة تشير إلى أن طهران لا تزال، في الوقت الراهن، غير راغبة في الانسحاب من معاهدة الـNPT.

في ظل التوترات الحالية، إلى أي مدى يُعدّ تفعيل آلية الزناد خيارا محتملا، خاصةً أن أعضاء الكونغرس الأمريكي، بالتوازي مع إسرائيل، يطالبون بتفعيله؟

يبدو أن تفعيل آلية الزناد بات شبه محسوم، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا، أو بين إيران وأوروبا، وهذا الاتفاق قد يتخذ شكل تمديد الوضع الحالي، أي أن تتعهد الدول الأوروبية بعدم تفعيل آلية الزناد لعدة أشهر أخرى. 

كما أن هناك مقترحات أخرى مطروحة؛ من بينها ما طرحه بعض الخبراء الإيرانيين، وهو أن تنسحب روسيا والصين من الاتفاق النووي (برجام) بهدف إسقاط الأساس القانوني لتفعيل الآلية من جذوره. ومع ذلك، فإن هذا الطرح ذو طابع قانوني بحت، وإذا لم يكن مدعوما سياسيا، فمن المستبعد أن يحقق نتائج ملموسة.

وفي النهاية، المسألة الأساسية هي سياسية، أي الوصول إلى تفاهم بين إيران وأميركا من جهة، وبين إيران وأوروبا من جهة أخرى، وقد أعلنت الدول الأوروبية بوضوح أن أحد شروطها لأي اتفاق محتمل بشأن آلية الزناد هو عودة إيران إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن، فضلا عن التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

ويبدو أن الأوروبيين، ضمن ما يُعرف بالدبلوماسية القسرية التي تتبعها واشنطن، يمارسون ضغطا متزايدا على طهران كي تقبل بالشروط الأميركية.

ما تقييمكم لدور أوروبا؟ وهل تسير الترويكا خلف واشنطن أم تسعى لإدارة الأزمة؟

تقف أوروبا حاليا في موقع حساس، إذ تنظر بقلق إلى أي دعم يُقدَّم لروسيا بعد حرب أوكرانيا وتعتبره تهديدا لأمنها، ما يفسّر تشددها تجاه إيران بسبب موقفها من تلك الحرب. 

وفي الوقت نفسه، يشعر الأوروبيون بأن الولايات المتحدة لم تعد شريكا أمنيا موثوقا كما في السابق، لذا يسعون لتعزيز استقلالهم الأمني والدفاعي، ومن هذا المنطلق، تحاول الترويكا الأوروبية لعب دور فاعل في الملف النووي الإيراني لضمان عدم تهميشها من قبل واشنطن.

 أما داخليا، تواجه أوروبا تحديات مثل الهجرة، وتصاعد اليمين، وخروج بريطانيا، وتبحث عن إنجاز خارجي يعزز تماسكها، ما يفسّر اهتمامها بلعب دور في المفاوضات مع إيران.

ما موقف إسرائيل واللوبيات اليهودية من مسار الدبلوماسية، سواء بين إيران وأوروبا أو مع الوكالة الدولية؟ وهل ترغب إسرائيل في استئناف المشاورات أم لا؟

بالنظر إلى الهجمات الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، يبدو أن تل أبيب، على خلاف الماضي، لم تعد تعارض بشدة التوصل إلى اتفاق محتمل، وقد توافق عليه بشكل مشروط بين واشنطن وطهران. 

إلا أن هذا الاحتمال يبقى مرهونا بشروط، إذ يُتوقع أن تطالب إسرائيل بأن لا يتم تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وأن تُفرض قيود على برنامج إيران الصاروخي.

ومع ذلك، لا ينبغي نسيان أن تل أبيب دائما ما تسعى لخلق ذرائع لتوجيه ضربات جديدة لإيران، كما أن مسؤولين إسرائيليين صرّحوا صراحة بأن احتمال شن هجوم جديد لا يزال قائما، والمسألة المهمة هنا هو الوصول إلى تقييم مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية؛ فإذا كان تقديرهم أن الأضرار ليست جسيمة، فقد يقررون زيادة الضغوط على طهران.

ومن المواضيع الحساسة الأخرى، مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% داخل إيران، وهي مسألة لا تزال تلعب دورا محوريا في موقف كل من إيران وإسرائيل تجاه أي اتفاق محتمل.

ما خيارات إيران في حال تفعيل آلية الزناد، وما تبعات كل خيار؟

خيارات إيران في مواجهة تفعيل آلية الزناد يمكن تحليلها في سياق الحرب التي استمرت 12 يوما، فسابقا، كانت طهران تصرّ بوضوح أكبر على أنها ستنسحب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) إذا تم تفعيل الآلية. 

لكن يبدو أن لهجة إيران أصبحت أكثر هدوءا بعد هجوم يونيو/حزيران 2025، إذ لم تعد التصريحات الرسمية تؤكد بشكل قاطع على الانسحاب من المعاهدة كما في السابق، وقد يعود هذا التغير إلى وجود آراء داخلية ترى أن مجرد الانسحاب من المعاهدة لا يكفي، بل يجب التوجه نحو امتلاك سلاح نووي.

ومع ذلك، يبدو أن إيران أصبحت أكثر حذرا بعد الهجمات الأخيرة والحرب القصيرة، وفي هذا السياق، فإن رد فعل طهران على تفعيل آلية الزناد سيتأثر بشكل كبير بمستوى دعم الصين وروسيا، فإذا قررت هاتان الدولتان، على سبيل المثال، في مجلس محافظي الوكالة الدولية أو في مجلس الأمن، عدم الاعتراف بالعقوبات التي تعود نتيجة لتفعيل الآلية أو عدم التعاون مع من يفرضها، فقد يؤثر ذلك أيضا على موقف أوروبا.

ومع هذا، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ترغب الصين وروسيا، وخصوصا الصين، في دعم إيران أو في الحد من تبعات تفعيل الآلية، وهذا الأمر مرتبط بنتائج المفاوضات الجارية بين إيران والصين، وبالتالي يجب انتظار ما ستُسفر عنه هذه المحادثات.

لماذا اختيرت إسطنبول لعقد أول اجتماع بين إيران والترويكا الأوروبية بدلا من جنيف أو فيينا؟

إن اختيار إسطنبول مكانا لعقد المفاوضات يُعد حلا وسطا، فداخل إيران، تساءل بعض المنتقدين عن سبب اختيار النرويج، التي لم تتخذ مواقف إيجابية تجاه إيران، أو عن جدوى العودة إلى فيينا، وفي هذا السياق، يمكن اعتبار اختيار إسطنبول إشارة إلى عدم رضا إيران عن أداء أوروبا، خاصة فيما يتعلق بردّها على هجمات إسرائيل وأميركا على إيران. 

ومن ناحية أخرى، تُعد تركيا، إلى جانب الصين والإمارات، من الشركاء التجاريين الرئيسيين لإيران خلال سنوات العقوبات، ولعبت دورا في مساعدتها على الالتفاف عليها، لذلك، ربما رأت طهران أن استضافة المفاوضات يجب أن تكون من نصيب دولة وقفت بجانبها اقتصاديا في أوقات صعبة. 

وهناك عامل آخر مهم، وهو السيطرة على التغطية الإعلامية، فمنذ بدء جولة المفاوضات الجديدة في مايو/أيار 2025، أصبحت إيران حساسة جدا تجاه تغطية وسائل الإعلام، وسعت إلى ضبط طريقة تناول المباحثات، وفي هذا الإطار، ورغم نشاط الإعلام الخاص في تركيا، يبدو أن الحكومة التركية تجاوبت نسبيا مع رغبة إيران في تقليص التغطية الإعلامية للمفاوضات.