- زاد إيران - المحرر
- 461 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، الأحد 27 يوليو/تموز 2025، حوارا مع السفير الإيراني الأسبق لدى فرنسا، أبو القاسم دلفي، حول أبعاد اجتماع إسطنبول بين إيران والترويكا الأوروبية، ومستقبل المفاوضات النووية بعد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت الإيرانية، وفي ما يلي نص الحوار:
ما دلالة اجتماع إسطنبول بين إيران والترويكا الأوروبية بعد الحرب الأخيرة، وأين تقف الدبلوماسية النووية الآن؟
لفهم نتائج اجتماع إسطنبول بشكل دقيق، يجب العودة إلى الفروقات بينه وبين الجولات السابقة من المفاوضات بين إيران وأوروبا.
ما وجه الاختلاف هذه المرة؟
يكمن الفرق في أنّه، على خلاف الجولات السابقة من المفاوضات التي لم يُسعَ فيها إلى إجراء حوارات موازية مع الأوروبيين إلى جانب مفاوضات مسقط، يبدو أن الأمريكيين أنفسهم، بعد العدوان الذي استمر 12 يوما وتوقف كل المسارات الدبلوماسية مع إيران، سعوا إلى إطلاق جولة جديدة من المفاوضات بشأن الملف النووي الإيراني من خلال قناة الاتحاد الأوروبي، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد استبعد الأوروبيين سابقا من المفاوضات النووية مع إيران، وحاول أن ينسب لنفسه الفضل في أي اتفاق محتمل، وللأسف، نحن أيضا لم نسعَ أبدا إلى إجراء حوارات موازية مع الأوروبيين إلى جانب المفاوضات مع أمريكا، ولهذا وصلنا إلى هذا الوضع.
وقد نبَّهتُ كثيرا في مقابلات سابقة مع صحيفة شرق على ضرورة عدم إخراج الحوار مع أوروبا من جدول أعمالنا.
ألم تكن أوروبا- بحسب ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي- هي من كانت عمليا تُفشل المفاوضات مع طهران؟
أكدتُ مرارا أن السياسة الخارجية يجب أن تستند إلى الجهد الدبلوماسي لتحقيق نتائج، ولا يمكن تهديد الأوروبيين وتوقع تخليهم عن مصالحهم، خاصة أن الأمريكيين، وبالأخص ترامب، استبعدوا الأوروبيين من المفاوضات ليُنسب إليهم الفضل، ولكن اتباعنا هذا النهج كان خطأ.
والآن، الاتحاد الأوروبي والترويكا الأوروبية، بتوجيه أمريكي، أطلقوا جولة جديدة من المفاوضات في إسطنبول، مع تنسيق كامل بين أمريكا وأوروبا، على عكس مفاوضات مسقط، كما أعلن المسؤولون الأمريكيون هذا التنسيق، بما في ذلك تفعيل آلية الزناد وفرض قرارات دولية على إيران. 
إذا، من نتائج العدوان الإسرائيلي-الأمريكي الذي استمر 12 يوما ليس فقط غياب الإدانة الأوروبية، بل تشكيل جبهة دبلوماسية موحدة تضغط على طهران لتحقيق مطالب الغرب.
هل يُعدّ هذا التحوّل في المسار أمرا إيجابيا أم سلبيا؟ وأين نقف فعليا في هذه المرحلة؟
كون هذا الأمر إيجابيا أو سلبيا يعتمد على ما قلناه وما سمعناه يوم الجمعة 25 يوليو/تموز 2025 في إسطنبول.
هل يمكن فعلا استخلاص تقييم واضح من تصريحات المسؤولين الإيرانيين والأوروبيين، أم أن الغموض لا يزال يحيط بنتائج المفاوضات؟
كما هو معتاد، لم تُنشر تفاصيل المفاوضات للرأي العام أو وسائل الإعلام، وكل ما قيل بقي في مستوى عموميات وكلام إنشائي، لكن، برأيي، تحديد المسار المستقبلي مرتبط إلى حدّ كبير بإرادة إيران نفسها، فبعد كل تلك التعقيدات والتصعيد، خصوصا بعد العدوان الذي استمر 12 يوما، فإن مجرد جلوسنا إلى طاولة التفاوض مع الأوروبيين يُعدّ خطوة إيجابية وتقدّمية.
وكذلك، الاتفاق المبدئي على عقد جولة جديدة من المحادثات في وقت قريب، يُعتبر بحد ذاته تطورا مشجعا ومبشّرا بالنسبة لي.
ومع ذلك، وكما أشرتَ بدقة، الأجواء لا تزال غامضة، فلا يمكن الحديث بيقين عن نتائج محددة للمفاوضات أو مآلاتها، ومع هذا، إن كان ثمة عامل حاسم ومؤثر في تحديد مخرجات هذه الجولة، فهو لا يوجد في أوروبا، بل في طهران، وعلينا أن نترقب كيف ستردّ طهران على الطروحات الأمريكية التي نُقلت عبر الأوروبيين، وما هي الخطوات التي ستتخذها في المقابل.
هل رفضت طهران تمديد آلية الزناد لمدة ستة أشهر في مفاوضات إسطنبول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما أسباب هذا الرفض؟
في مفاوضات إسطنبول، قدّم الأوروبيون اقتراحا لتمديد آلية الزناد ستة أشهر بعد أكتوبر/تشرين الأول 2025، لكن المسؤولين الإيرانيين رفضوه دون توضيح واضح أو مبررات معلنة، وحتى ليس مؤكدا إن تم الرفض فعلا، ورغم ذلك، أُعتبرت المفاوضات في إسطنبول خطوة للأمام لأنها استؤنفت أخيرا، ويبدو أنها ستستمر بناء على تأكيدات الطرفين.
ومن المهم أن تُعقد جولة جديدة بسرعة، وأكرر ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى جانب التفاوض مع الترويكا والاتحاد الأوروبي، وآمل ألا تنتهي هذه الجولة كما جولات سابقة قبل الحرب والاعتداء الذي استمر 12 يوما، أو كما جرت محادثات جنيف ونيويورك التي لم تستمر.
هل هدف أوروبا من التفاوض إعادة طهران للحوار مع واشنطن، أم تم الاتفاق مسبقا على الضغط بآلية الزناد، وهل ستتنحى أوروبا إذا استؤنفت المفاوضات المباشرة؟
لقد أعلن الأوروبيون أن الشرط الأساسي لعدم تفعيل آلية الزناد هو استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة والتوصل إلى نتيجة ملموسة، ما يؤكد أن تحليلي بأن الأوروبيين مكلفون من قبل أمريكا بالتفاوض مع إيران صحيح تماما.
كما أن هذا التصريح الأوروبي يدل على أنه مع بدء المفاوضات المحتملة بين إيران وأمريكا، فإن أوروبا ستنسحب تلقائيا أو أن أمريكا ستستبعدها، لأنني قلت مرارا إن ترامب لا يسمح لأي دولة بأن تلعب دورا في المفاوضات أو الملف النووي الإيراني، لأنه يريد أن تُسجّل أي إنجازات باسمه، أي أن تُسكّ العملة باسم ترامب.
أما بخصوص سؤالك الآخر، فيجب القول إن أمريكا تستخدم الآن كل وسيلة ممكنة لإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، ومن أبرز هذه الأدوات تفعيل آلية الزناد، إلى جانب تكثيف العقوبات، وتصعيد سياسة الضغط الأقصى، والتهديد المتكرر بالعدوان والقصف، كما أنها تستخدم ورقة أوروبا لتفعيل هذه الآلية من أجل إجبار إيران على العودة للمفاوضات.
ما دور أوروبا بالضبط؟ هل تفاوض لتحقيق أهدافها أم فقط للضغط على طهران للعودة إلى الحوار مع واشنطن؟
بعد العدوان الذي استمر 12 يوما، اعتبر ترامب أن الهجمات الأمريكية نجحت في تدمير المنشآت النووية الإيرانية ووقف التخصيب، مستندا إلى تصريحات عراقجي التي أكدت تعرض المنشآت لأضرار جسيمة، وبناء على ذلك، لم يعُد ترامب يرى ضرورة للتفاوض الفوري مع إيران، رغم وجود تواصل غير رسمي عبر شخصيات مثل المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الذي لا يُبدي هذه المرة حماسة كبيرة.
وفي المقابل، تؤكد الخارجية الأمريكية التزامها بالحوار، وتشير المعطيات إلى أن واشنطن لم تحقق ما أرادته من المفاوضات المباشرة، لذلك تسعى الآن لاستخدام الأوروبيين كوسطاء ورافعة ضغط، مع التلويح بآلية الزناد.
هل يعني ذلك أن مسار المفاوضات مع أوروبا لم يعد يُحدث فرقا؟
بالتأكيد، الحوار مع أوروبا مهم، سواء جاء بمبادرة أوروبية أو بإيعاز أمريكي، فالعدوان الأخير جعل هذه المفاوضات أكثر أهمية لأنها ترسم ملامح العلاقة مع أمريكا وتفرض حوارا صريحا مع الأوروبيين.
ولا يمكن تجاهل أوروبا كلاعب رئيسي في السياسة الدولية، ويجب التمسك بمبدأ التوازن وتنويع الشركاء، بدلا من استبعادها بسبب مواقفها، فحتى الصين وروسيا لم تقدما دعما يُذكر خلال الأزمة الأخيرة، كما أن تنويع العلاقات يعزز من قوة إيران التفاوضية، وربما لو كانت العلاقات مع أوروبا أقوى، لما وقع العدوان الأخير.
وبعد تقرير الوكالة وقرار الأوروبيين، تزايدت التهديدات ضد إيران، لذا من الضروري أن تُستأنف المفاوضات بشكل جدي مع الوكالة، وأوروبا، والاتحاد الأوروبي، وأيضا بشكل ثنائي مع كل دولة أوروبية، لأن لأوروبا دورا فاعلا في الاتفاق النووي، خاصة بريطانيا وفرنسا، ولا يجب التعامل مع أوروبا كأداة ضغط أمريكية أو وسيط مؤقت، بل يجب المضي في المفاوضات معها بالتوازي مع المفاوضات مع أمريكا.
وإذا حاول ترامب إقصاء أوروبا من المفاوضات، يجب على طهران ألا تنساق لذلك، فاستمرار التفاوض مع أوروبا فرصة لا يجب تفويتها، ويجب عقد الجولة الثانية من المحادثات بسرعة، خاصة مع تزايد أهمية ملف آلية الزناد، إلى جانب أهمية الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع أوروبا.
هل استئناف التعاون مع الوكالة خطوة تكتيكية قبل اجتماع إسطنبول أم مؤشر على مرونة دبلوماسية جديدة؟
أودّ أن أجيب على سؤالك المهم هذا من زاوية أخرى، للأسف، شهدنا أخطاء كبيرة في الأيام التي تلت العدوان الذي استمر 12 يوما، من جانب دبلوماسيينا، وخاصة الدبلوماسيين الكبار ووزير الخارجية شخصيا.
ما هي هذه الأخطاء؟
أهم خطأ هو أنه، بينما كان بإمكاننا استخدام بعض القضايا والمواضيع الرئيسية التي تم تناولها في المباحثات واللقاءات والمشاورات مع الأطراف الغربية كأوراق ضغط وأدوات للمساومة، كنا نقوم بسهولة وبدون أي تكلفة على الطرف الآخر ببيعها في مقابلة إعلامية، ولا أتحدث هنا عن مسألة عودة المفتشين إلى إيران أو استئناف التعاون الفني بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وأريد أن أسأل لماذا يجب على عراقجي في حديثه مع فوكس نيوز أن يبيع تنازلاتنا بسهولة؟ لماذا يجب أن يصرح بدون أي مقابل أن منشآتنا النووية دُمرت جراء قصف أمريكي، أو أن دورة تخصيبنا متوقفة حاليا، أو أننا يمكننا استئناف التعاون مع الوكالة بناء على تعليمات المجلس الأعلى للأمن القومي؟
هل الهدف الأكبر هو إيصال مواقف طهران عبر أهم قناة يمينية في أمريكا لترامب وصناع القرار لتجنب الحرب؟
لا يجب الإفصاح بسهولة عن كل موضوع في الإعلام وبيعه مجانا دون مقابل، ولقد كنت معارضا لقانون تعليق التعاون مع الوكالة لأنّه لم يخدم مصالحنا بعد الغزو الإسرائيلي والأمريكي، ورغم تنفيذ القانون وطرد المفتشين، واستخدامه كأداة ضغط، لا يجب كشف هذه التنازلات في الإعلام، فمثل هذه الأمور تُناقش خلف الأبواب المغلقة للحصول على مكاسب في المفاوضات.
والاعتراف بتوقف برنامجنا النووي، أو بالأضرار الناتجة عن القصف الأمريكي، أو بالاستعداد لاستئناف التعاون بقرار من المجلس الأعلى، يُعدّ تنازلا مجانيّا يشجّع الطرف الآخر على المضيّ قدما بمطالبه، ومؤخرا، لم يتقبل مدير الوكالة الدولية رافاييل غروسي هذه التصريحات، بل طالب بالتعاون بشأن منشآت نووية سرية جديدة قد تتيح استئناف التخصيب.
وعندما يبيع كبار دبلوماسيينا تنازلاتنا بسهولة في الإعلام، يزداد طمع الغرب والوكالة بالمزيد لأنهم يحصلون عليها بلا مقابل، وإذا طرح عراقجي أو المتحدث الرسمي مواقفنا وتنازلاتنا مجانا في وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي، فلا سبب لدخول الأوروبيين المفاوضات إلا لمطالبة تنازلات أكبر، كما حدث مع ملف الصواريخ.
وفي الواقع أن كل تصريح دبلوماسي هو ورقة قوة يجب استخدامها بحذر وفي الوقت المناسب، فالدبلوماسية ليست مجرد لقاءات إعلامية، بل استثمار للمواقف كأوراق ضغط في المفاوضات.
هل قررت أوروبا مسبقا، بتوجيه من الأمريكيين، تفعيل آلية الزناد، وهل سنشهد عودة قرارات مجلس الأمن والعقوبات في كل حالة من مفاوضات إيران وأوروبا أم لا؟
رغم أن أوروبا بدأت المفاوضات مع إيران بتوجيه أمريكي، إلا أن هذه المفاوضات مهمة لأنها تحدد مسار التعامل مع أمريكا، وترمم العلاقات مع أوروبا، وتؤثر على مستقبل آلية الزناد، فأوروبا تطالب إيران باستئناف المفاوضات والتعاون مع الوكالة وتوضيح مصير اليورانيوم لمنع تفعيل آلية الزناد.
ولا يجب الافتراض أن أوروبا قررت تفعيل الآلية مسبقا، فالقرار بيد إيران، ورغم صعوبة الوضع، لا تزال هناك فرصة، بالحذر والمرونة، لتحقيق مطالبنا ومنع تفعيل الآلية، وأهم نقطة: أن نُدرك بدقة ما نريده من أوروبا وأمريكا والوكالة.
هل يمكننا منع نشوب حرب جديدة أيضا؟
إذا تمكنا بحكمة ومرونة من استئناف المفاوضات ومنع تفعيل آلية الزناد، أرى أن فرص نشوب الحرب ستتلاشى، كما أنني أعتقد، خلافا لبعض المحللين، أنه لا توجد حاليا ظروف مواتية لهجوم جديد على إيران من قبل إسرائيل وأمريكا.
لماذا؟
كان هدف المعتدين إيقاف التخصيب وتدمير المنشآت النووية، وتصريحات عراقجي تؤكد تحقيق ذلك جزئيا، فاحتمال الحرب مجددا قائم فقط إذا تغير الوضع النووي الإيراني، لكن حتى الآن لم يتغير، والأنشطة النووية مستمرة كما هي بعد الهجوم، لذلك، ما دام الوضع كما هو، لا يوجد احتمال لحرب جديدة إلا إذا بدأت إيران باستئناف التخصيب أو إعادة تشغيل المنشآت.

