ديمقراطية تحت النار: كيف ترسم انتخابات 2026 وجه إيران الجديد؟

كتب: الترجمان

تمر إيران بمرحلة مفصلية تتشابك فيها التحديات الميدانية مع الاستحقاقات الدستورية، حيث تأتي الاستعدادات لانتخابات المجالس المحلية والانتخابات التكميلية للبرلمان ومجلس الخبراء في وقت تعيش فيه البلاد مناخا استثنائيا. في التاسع والعشرين من مارس/آذار 2026، ومع إعلان مجلس صيانة الدستور عن قوائم المرشحين المؤهلين، دخلت البلاد رسميا في العد التنازلي ليوم الاقتراع المقرر في الحادي عشر من مايو/أيار 2026. 

هذا المشهد لا يمثل مجرد إجراء إداري لملء مقاعد شاغرة، بل هو اختبار لتماسك الجبهة الداخلية وقدرة المؤسسات السياسية على إدارة شؤون الدولة في ظل ظروف إقليمية ودولية معقدة، وتحت قيادة القيادة الجديدة التي تسعى لتثبيت دعائم الاستقرار الوطني ومتابعة نهج القيادات السابقة.

المشهد الانتخابي: أرقام وتفاصيل العملية التكميلية

كشف المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، طحان نظيف، عن الانتهاء من فحص أهلية المتقدمين لخوض غمار الانتخابات التكميلية، وهي العملية التي تهدف إلى شغل المقاعد التي شغرَت لأسباب مختلفة في البرلمان ومجلس الخبراء. وبحسب الإحصائيات الرسمية، فقد حصل 123 مرشحا على الضوء الأخضر للمنافسة على مقاعد البرلمان، بينما تأهل 19 مرشحا لمجلس خبراء القيادة. 

هذه الأرقام تعكس تدقيقا دقيقا في المعايير القانونية والسياسية المتبعة، حيث تفتح هذه القوائم الباب أمام مرحلة الطعون، والتي حددها المجلس بجدول زمني صارم يبدأ من مطلع أبريل/نيسان، مما يمنح المستبعدين فرصة قانونية للمراجعة قبل اعتماد القوائم النهائية، وهو ما يعزز من شفافية الإجراءات الانتخابية داخل النظام السياسي الإيراني.

Image

الجغرافيا السياسية للمقاعد الشاغرة

تتوزع المعركة الانتخابية القادمة على جغرافيا واسعة تشمل خمس دوائر انتخابية رئيسية للبرلمان الإيراني، منها تبريز وبندر عباس ونقده، وهي مناطق تمثل تنوعا ديموغرافيا واقتصاديا كبيرا. أما فيما يخص مجلس خبراء القيادة، فستجري الانتخابات في أربع محافظات كبرى هي أذربيجان الشرقية، خراسان الجنوبية، خوزستان، بالإضافة إلى العاصمة طهران. 

إن إجراء هذه الانتخابات بالتزامن مع الدورة السابعة لانتخابات المجالس البلدية والقروية في عموم البلاد يضع عبئا لوجستيا وأمنيا كبيرا على كاهل وزارة الداخلية، لكنه في الوقت ذاته يهدف إلى رفع معدلات المشاركة السياسية من خلال دمج الاستحقاقات المحلية بالوطنية، مما يخلق حالة من الحراك الشعبي في مختلف الأقاليم الإيرانية.

الدور الحيوي للأحزاب السياسية في زمن الحرب

في سياق متصل، شدد رئيس لجنة الانتخابات في البلاد، علي زيني وند، على الدور المحوري الذي تلعبه الأحزاب السياسية في هذه المرحلة الحساسة. ففي لقاء جمعه بممثلي التيارات السياسية، أكد أن صوت الأحزاب الموحد يعد الركيزة الأساسية لحماية المصالح الوطنية، خاصة في ظل ما وصفه بظروف “الحرب”. 

وقد وجهت وزارة الداخلية دعوة صريحة للأحزاب الفاعلة في طهران لتقديم قوائمها الانتخابية في موعد أقصاه منتصف أبريل/نيسان، مشيرة إلى أن التعددية السياسية، رغم وجود بعض العتب أو الانتقادات، يجب أن تنصهر في بودقة الدفاع عن كيان الدولة. هذا الخطاب السياسي يهدف بوضوح إلى تحويل الانتخابات من مجرد تنافس على المقاعد إلى تظاهرة وطنية تؤكد على وحدة الصف الإيراني أمام التهديدات الخارجية.

Image

الاستمرارية المؤسسية في ظل القيادة الجديدة

تأتي هذه التحركات السياسية في ظل مرحلة انتقالية كبرى شهدتها البلاد، حيث أشار المسؤولون بفخر إلى استمرار تماسك أركان الدولة بعد رحيل القيادات السابقة وتولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الإيراني الأعلى. وأكد زيني وند أن التنسيق بين “الميدان” والدبلوماسية يسير بأعلى مستوياته، مشددا على أن الدولة لم تغفل عن العمل السياسي الخارجي رغم الانشغال بالدفاع الميداني. 

إن رسالة السلطة التنفيذية والرقابية في هذا التوقيت هي التأكيد للداخل والخارج على أن المؤسسات الإيرانية قوية بما يكفي لإدارة شؤون الحكم وإجراء الانتخابات وتطوير منظومة الحكم حتى في أحلك الظروف العسكرية، مع الاعتراف بوجود فجوات في منظومة الحوكمة يجب معالجتها لاحقا وفقا لرؤية أمين المجلس الأعلى للقومي الإيراني الراحل علي لاريجاني.

فلسفة الانتخابات التكميلية: من التاريخ الإنجليزي إلى الواقع الإيراني

تستمد الانتخابات التكميلية (By-elections) جذورها من تقاليد برلمانية عريقة تعود إلى القرن السادس عشر في إنجلترا، حيث طور توماس كرومول هذا النظام لضمان عدم بقاء المقاعد شاغرة في البرلمان. 

وفي إيران، اكتسبت هذه الممارسة أهمية خاصة نظرا للدور التشريعي والرقابي الكبير للبرلمان، والدور السيادي لمجلس الخبراء. فالانتخابات التكميلية لا تعالج فقط النقص العددي الناتج عن الوفاة أو الاستقالة أو فقدان الأهلية، بل تعمل كترمومتر سياسي لقياس مدى رضا الشارع عن أداء الحكومة والبرلمان في منتصف الدورة الانتخابية. 

وفي الدورة الحالية، تكتسب هذه الانتخابات بعدا إضافيا، فهي تسعى لملء فراغات تركتها شخصيات بارزة، مما يجعل نتائجها مؤشراً مهماً على اتجاهات الرأي العام المستقبلية.

الاستعدادات اللوجستية وتحديات الإدارة الميدانية

تؤكد تقارير وزارة الداخلية الإيرانية أن كافة الاستعدادات لإجراء الانتخابات في موعدها قد اكتملت، رغم انعقاد أكثر من ستة اجتماعات انتخابية كبرى تحت ضغط الظروف الراهنة. إن الإدارة الميدانية للدولة، كما تعكسها استطلاعات الرأي التي أشار إليها المسؤولون، تحظى برضا نسبي من قبل المواطنين، خاصة فيما يتعلق بدمج القدرات الدفاعية بإدارة شؤون الحياة اليومية. 

ويظل الرهان الأكبر في الحادي عشر من مايو/أيار 2026 هو قدرة الدولة على تأمين مراكز الاقتراع في كافة المحافظات المعنية، وضمان وصول الناخبين إلى صناديق الاقتراع بيسر، لتثبت الجمهورية الإسلامية مرة أخرى أن العملية الديمقراطية هي جزء لا يتجزأ من استراتيجيتها الوطنية حتى في وقت الأزمات الكبرى.

صناديق الاقتراع كدرع استراتيجي

إن الاستحقاق الانتخابي الإيراني المزمع يتجاوز كونه مجرد إجراء دستوري روتيني لملء مقاعد شاغرة، فهو يمثل في جوهره “مناورة سياسية” كبرى تهدف إلى إثبات مرونة الدولة وقدرتها على إعادة إنتاج شرعيتها في ذروة الأزمات الإقليمية. فبينما يتحرك “الميدان” العسكري بضوابطه المعقدة، تأتي هذه الانتخابات لترسل رسالة مفادها أن المسار الديمقراطي والمؤسسي لا يتوقف، بل يسير بالتوازي مع الاستراتيجيات الدفاعية، مما يعزز من صورة الدولة المستقرة التي لا ترتهن بالظروف الطارئة.

على صعيد التوازنات الداخلية، تسعى القيادة الجديدة لـ مجتبى خامنئي إلى تكريس مفهوم “الانتقال السلس والمؤسسي“، حيث يمثل ملء شواغر مجلس الخبراء والبرلمان خطوة حيوية لتمتين أركان الحكم ومنح المؤسسات الرقابية والتشريعية كامل صلاحياتها لمواكبة المرحلة القادمة. هذا التوجه يهدف بوضوح إلى طمأنة الحاضنة الشعبية والقوى السياسية بأن هيكلية الدولة وتوازناتها التقليدية تظل الضامن الأول للاستقرار، بعيداً عن تقلبات المشهد الميداني.

من ناحية أخرى، فإن دمج الانتخابات التكميلية مع انتخابات المجالس المحلية يمثل محاولة ذكية لرفع منسوب المشاركة السياسية وربط القضايا المحلية والخدمية بالتوجهات الوطنية الكبرى، ودعوة الأحزاب للانصهار في بودقة “المصالح الوطنية” تعكس رغبة النظام في تحجيم الاستقطاب التقليدي لصالح “جبهة موحدة”، مما يحول صناديق الاقتراع من ساحة للتنافس الحزبي الضيق إلى استفتاء شعبي على تماسك الدولة وأمنها القومي أمام التحديات الخارجية.

في النهاية، سيظل يوم الحادي عشر من مايو/أيار 2026 محطة فاصلة تتخطى نتائجها أسماء الفائزين، فالاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة النظام السياسي على الموازنة بين الشرعية الثورية ومتطلبات الحوكمة العصرية. إن نجاح هذا الاستحقاق في ظل هذه الظروف الاستثنائية سيكون بمثابة شهادة ميلاد جديدة لمنظومة الحكم، تؤكد من خلالها أن “صوت الشعب” يظل الأداة الأكثر فعالية لتحصين الجبهة الداخلية وتثبيت دعائم الاستقرار الاستراتيجي في إيران.

كلمات مفتاحية: