- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 211 Views
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها إيران، خاصة مع تصاعد الحرب والتوترات الإقليمية، برزت ظاهرة لافتة تتعلق بالغياب النسبي لكل من حسن روحاني ومحمد جواد ظريف عن واجهة المشهد السياسي. الرجلان اللذان شكلا خلال سنوات طويلة عنوانا للنهج الدبلوماسي والانفتاح السياسي، يبدوان اليوم أقل حضورا في النقاش العام، مقارنة بمرحلة سابقة كانا فيها في صلب صناعة القرار أو في قلب الجدل السياسي والإعلامي. هذا الغياب لم يمر بصمت، بل أثار انتقادات وتساؤلات، خصوصا من قبل التيار الأصولي، في وقت تعتبر فيه المرحلة الحالية لحظة اختبار للمواقف و الاصطفافات.
هجوم رئيس تحرير فرهیختكان على روحاني وظريف
في خضم هذا الغياب، خرج سينا زعيم زادة، رئيس تحرير صحيفة فرهیختكان الأصولية، الإثنين 30 مارس/ آذار 2026، بانتقاد مباشر وصريح موجه إلى حسن روحاني، الرئيس الإيراني الأسبق، ومحمد جواد ظريف، وزير الخارجية ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، في رسالة حملت نبرة حادة ودعوة واضحة لاتخاذ موقف، وقد جاء في تصريحه “السيد روحاني، السيد ظريف، اليوم هو يوم الاختيار، هل ستبقون صامتين ومجرد متفرجين، أم ستسيرون على طريق الشهيد العزيز لاريجاني؟ دافعوا عن إيران بصوت عال فهذه الأيام ستبقى في التاريخ”.

جديرا بالذكر، أنه وخلال الاحتجاجات التي ضربت الداخل الإيراني في يناير/ كانون الثاني 2026، كانت قد انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي شائعات تفيد باعتقال الرجلين أو فرض الإقامة الجبرية عليهما، غير أن مصادر مطلعة نفت هذه الادعاءات بشكل قاطع، مؤكدة أن الخبر لا أساس له من الصحة وأنهم لم يتعرضا لأي إجراء من هذا النوع. وأوضح مصدر مطلع أن ما تم تداوله يندرج ضمن الأخبار غير الموثوقة التي تتزايد في فترات التوتر.


هذا وقد عكس هذا الخطاب، حسب قراءات، المزاج السائد داخل بعض دوائر التيار الأصولي، حيث ينظر إلى الصمت أو الحضور المحدود باعتباره تقاعسا في لحظة مصيرية، كما يكشف عن رغبة واضحة في دفع شخصيات بارزة من التيار الدبلوماسي إلى تبني خطاب أكثر صلابة، يتماشى مع طبيعة المرحلة، كذلك فإن الإشارة إلى “طريق الشهيد لاريجاني” ليست مجرد توصيف عابر، بل تحمل بعدا رمزيا يعزز فكرة التضحية والانخراط الكامل في المعركة، مقابل تصوير الحياد أو الصمت بوصفه موقفا سلبيا، وهو ما يضع روحاني وظريف أمام معادلة سياسية حساسة، إما الانخراط في الخطاب التعبوي، أو الاستمرار في نهج أكثر تحفظا، مع ما يحمله ذلك من كلفة سياسية وإعلامية.
نشاط حسن روحاني ومحمد جواد ظريف خلال الحرب
رغم الاتهامات المتكررة بغيابهما، فإن تتبع مواقف روحاني وظريف خلال فترة الحرب يكشف أن حضورهما لم ينقطع، بل اتخذ شكلا مختلفا، يقوم على الرسائل السياسية المدروسة والبيانات العامة، بعيدا عن الظهور المكثف أو المواجهة الإعلامية المباشرة.
فقد أختار روحاني أن يظهر عبر بيانات رسمية تحمل طابعا سياسيا وقانونيا، ففي أحد أبرز مواقفه، وصف الحرب في خطابه الأول منذ بدايتها بأنها أوضح مثال على الإرهاب الحكومي وجريمة حرب، وهو توصيف يعكس موقفا حادا من الطرف المقابل، لكنه في الوقت ذاته يحافظ على لغة قانونية تتماشى مع الخطاب الدولي. هذا الأسلوب يكشف عن استمرار روحاني في تبني مقاربة قائمة على مخاطبة الرأي العام الدولي، وليس فقط الداخل الإيراني.

وفي سياق متصل، شدد روحاني على أن الرد الإيراني هو رد دفاعي موجه ضد المعتدين، وليس ضد دول الجوار، في محاولة واضحة لتجنب توسيع دائرة الصراع الإقليمي، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الدول المحيطة، هذا الطرح يعكس رؤية دبلوماسية تسعى إلى احتواء التصعيد، حتى في ظل ظروف الحرب.
على الصعيد الداخلي، حاول روحاني إعادة صياغة المشهد السياسي عبر طرح فكرة الثنائية الوحيدة، معتبرا أن الانقسام لم يعد بين تيارات سياسية، بل بين حب إيران ومعاداتها، هذا الخطاب يهدف إلى تجاوز الانقسامات التقليدية، وتقديم إطار جامع يدعو إلى الوحدة الوطنية، كما دعا إلى إجراء إصلاحات جوهرية بعد انتهاء الحرب، مؤكدا أن الإصلاحات الأساسية ستكون ثمرة الصمود اليوم، هذا الربط بين الصمود العسكري والإصلاح السياسي يعكس محاولة لفتح أفق مستقبلي، يتجاوز اللحظة الراهنة.

إلى جانب حضوره السياسي المحدود، ظهر روحاني في سياقات رمزية تعكس استمراره في المشهد العام، وإن بصورة غير مباشرة، حيث وجه رسالة تهنئة بمناسبة اختيار القيادة الجديدة، دعا فيها إلى تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد. كما أصدر رسالة تعزية عقب مقتل علي لاريجاني، وصف فيها فقدانه بأنه مصيبة كبيرة معتبرا أن رحيله في هذه المرحلة يزيد من حجم التحديات، لكنه في الوقت ذاته يعزز روح التضحية لدى المجتمع.
في المقابل، اختار محمد جواد ظريف منصة مختلفة للتعبير عن مواقفه، حيث اعتمد بشكل أساسي على وسائل التواصل الاجتماعي، ففي إحدى رسائله على منصة إكس، أكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران السلام تهديدا لوجودهما، في طرح يعكس رؤيته النقدية للسياسات الغربية، ولكن بأسلوب دبلوماسي، وأضاف أن إيران “صمدت عبر آلاف السنين أكثر من أي معتد”، وهو خطاب يجمع بين البعد التاريخي والوطني، ويهدف إلى تعزيز الثقة بالصمود الإيراني.

كما نشر ظريف رسالة بمناسبة العام الجديد وعيد الفطر، ركز فيها على مفاهيم السلام والمصالحة، داعيا إلى أن يكون العام الجديد عام السلام والهدوء والتقدم، هذا الخطاب يعكس تمسكه بالنهج الدبلوماسي، حتى في ظل أجواء الحرب.

ولم يغب ظريف عن الحراك المدني، إذ كان من بين الموقعين على بيان لا للحرب والعدوان على إيران، الذي دعا إلى رفض الحرب والتأكيد على الحلول الداخلية، هذا الحضور يشير إلى استمرار تفاعله مع القضايا العامة، وإن من خارج الإطار الرسمي.

في المجمل، يظهر أن نشاط الرجلين خلال الحرب اتسم بالحذر والانتقائية، حيث ركزا على الرسائل العامة ذات الطابع الوطني والدبلوماسي، وتجنبا الانخراط في خطاب تصعيدي أو سجالات سياسية مباشرة، وهو ما ساهم في تكوين صورة عن غيابهما، رغم استمرار حضورهما بطرق مختلفة.
لماذا يغيب الرجلان؟ قراءة في أسباب الغياب
لا يمكن فصل الغياب النسبي للرجلين من واجهة المشهد السياسي عن طبيعة المرحلة التي تمر بها إيران، فالساحة اليوم يدار بإيقاع مختلف، تهيمن عليه الاعتبارات الأمنية والعسكرية، وهو ما يحد بطبيعة الحال من حضور الشخصيات المرتبطة بالدبلوماسية والتفاوض.
في مثل هذه الأجواء، تتقدم أصوات ترتبط بالمؤسسة العسكرية أو بالتيارات الأكثر تشددا، بينما يتراجع حضور رموز المرحلة السابقة الذين ارتبطت أسماؤهم بالانفتاح والاتفاقات الدولية، هذا التحول لا يعني بالضرورة إقصاء مباشرا، لكنه يعكس إعادة ترتيب للأولويات داخل النظام السياسي.

في الوقت نفسه، يبدو أن روحاني وظريف يعتمدان أسلوبا يقوم على الحضور المحدود، من خلال بيانات ورسائل عامة، دون الانخراط في السجالات اليومية. هذا الأسلوب يمنحهما مساحة للتعبير دون الدخول في صدام، لكنه في المقابل يخلق انطباعًا بالغياب، خاصة في ظل تصاعد الخطاب التعبوي.
هناك أيضا عامل يتعلق بالإرث السياسي، إذ لا تزال سياسات المرحلة السابقة، خاصة الاتفاق النووي، محل جدل وانتقاد، فبعض الخطابات السائدة تربط بين تلك السياسات وبين ما يعتبر تراجعا في القدرة الردعية، وهو ما يضع الرجلين في موقع دفاعي، ويدفعهما إلى تقليل الظهور في لحظة سياسية حساسة.
كما أن الضغط الإعلامي والسياسي، كما ظهر في تصريحات رئيس تحرير فرهيختجان يعكس بيئة لا ترحب كثيرا بالأصوات المختلفة، خاصة إذا لم تتماهَ مع الخطاب السائد. في مثل هذه الظروف، يصبح الحضور العلني أكثر كلفة، ما يدفع بعض الشخصيات إلى تبني نهج أكثر تحفظًا.

من زاوية أوسع، يعكس هذا الغياب تحولا في بنية النخبة السياسية، حيث تشهد الساحة إعادة تموضع للتيارات المختلفة. روحاني وظريف، اللذان كانا في صلب المشهد خلال السنوات الماضية، يبدوان اليوم في موقع أقل تأثيرا، ليس بالضرورة بسبب غياب الإرادة، بل نتيجة تغير السياق العام.
في النهاية، لا يبدو أن الرجلين قد اختفيا بقدر ما أعادا تموضعهما في ظل ظروف معقدة، حيث يختاران التعبير عن مواقفهما بأسلوب مختلف، يتناسب مع طبيعة المرحلة، لكنه يترك في الوقت ذاته مساحة واسعة للتأويل والتساؤل حول دورهما المستقبلي في السياسة الإيرانية.

