- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 232 Views
تشهد إيران مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحولات السياسية مع التحديات الأمنية المتصاعدة، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وضغوط متزايدة على مختلف المستويات. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، تبرز التغييرات في المناصب العليا ليس فقط بوصفها إجراءات تنظيمية، بل كمؤشرات تعكس اتجاهات القرار داخل الدولة، وطبيعة أولوياتها في إدارة المرحلة المقبلة. فاختيار شخصيات بعينها لتولي مواقع مفصلية يرتبط عادة بحسابات دقيقة، تتداخل فيها الخبرة، والولاء المؤسسي، والقدرة على التعامل مع الأزمات.
كما أن إعادة تشكيل مراكز صنع القرار في المؤسسات ذات الطابع الأمني يعكس إدراكا لحجم التحديات الراهنة، وسعيا لتعزيز الجاهزية في مواجهة السيناريوهات المعقدة التي قد تفرض نفسها. وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الأخيرة داخل بنية السلطة أهمية خاصة، باعتبارها جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المشهد الداخلي، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها
ذو القدر… الوجه القديم الجديد للأمن القومي
فقد أعلنت السلطات الإيرانية تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا جديدا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة لافتة تأتي في توقيت حساس تمر به طهران على المستويين الأمني والسياسي. وجاء الإعلان الرسمي عبر رسالة نشرها مهدي طباطبائي، نائب شؤون الاتصالات والإعلام في مكتب رئاسة الجمهورية، على منصة إكس، الثلاثاء 24 مارس/ آذار 2026، حيث أكد أن التعيين تم بناء على رأي وموافقة القائد الأعلى للثورة الإسلامية، مجتبى خامنئي، وبقرار من رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان.

ويعد هذا المنصب من أبرز المناصب الحساسة في هيكل الدولة الإيرانية، إذ يضطلع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بدور محوري في تنسيق السياسات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية، كما يشرف على صياغة التوجهات العليا المتعلقة بالأمن القومي في ظل التحديات الداخلية والخارجية.

ويأتي تعيين ذو القدر خلفا لعلي لاريجاني، الذي كان يشغل هذا المنصب سابقا واغتيال في هجمات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت العاصمة طهران، ما أضفى على التغيير طابعا استثنائيا، وربطه بتطورات أمنية متسارعة في المنطقة.
بين الحرس والقضاء والعمل المجتمعي… مسيرة حافلة لرجل الساعة
ولد محمد باقر ذو القدر عام ١٩٥٤ في مدينة فسا بمحافظة فارس، ويعد من الشخصيات التي تشكلت مسيرتها في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها إيران منذ سبعينيات القرن الماضي. بدأ نشاطه في سن مبكرة، حيث انخرط خلال فترة المراهقة في الأنشطة الدينية والسياسية المعارضة لنظام الشاه، وشارك في الحراك الثوري الذي أدى إلى قيام الجمهورية الإسلامية عام ١٩٧٩.

بعد انتصار الثورة، بدأ ذو القدر نشاطه الرسمي من خلال الانضمام إلى لجان الثورة الإسلامية، التي كانت تعد من أوائل الأطر التنظيمية التي تولت مهام الأمن الداخلي خلال المرحلة الانتقالية. بعد ذلك، التحق بالحرس الثوري الإيراني، الذي أصبح لاحقا أحد أبرز أركان النظام.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية، بين أعوام١٩٨٠و١٩٨٨ والتي عرفت بحرب الدفاع المقدس، تولى ذو القدر مسؤولية تدريب قوات الحرس الثوري، وهو دور حيوي ساهم في بناء القدرات العسكرية والتنظيمية للقوات. لاحقا، تم تعيينه قائدا لمقر الحروب غير النظامية، وهو ما يعكس الثقة التي حظي بها في إدارة العمليات المعقدة وغير التقليدية.

بعد انتهاء الحرب، واصل صعوده داخل المؤسسة العسكرية، حيث شغل منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري لمدة ثماني سنوات، قبل أن يتولى منصب نائب القائد العام للحرس الثوري لمدة ثماني سنوات أخرى، وهو من أعلى المناصب العسكرية في البلاد، كما امتدت مسيرته إلى العمل الحكومي، إذ تم تعيينه في الحكومة التاسعة للرئيس محمود أحمدي نجاد عام ٢٠٠٥ نائبا لوزير الداخلية، ونائبا للشؤون الأمنية والشرطية، وهو منصب يجمع بين البعدين الأمني والإداري.
وفي المجال القضائي، شغل ذو القدر منصب نائب الشؤون الاستراتيجية في السلطة القضائية خلال الفترة من ٢٠١٢ إلى ٢٠٢٠، كما تولى منصب نائب حماية المجتمع والوقاية من الجريمة بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٢، ما يعكس تنوع خبراته بين العمل العسكري والأمني والقضائي، وتولى منصب نائب وقائم مقام في الحرس الثوري، وكان له دور في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة في شؤون التعبئة، البسيج، إضافة إلى رئاسته للمقر الانتخابي لجبهة القوى الشعبية للثورة الإسلامية.

وفي ١٩ سبتمبر ٢٠٢١، تم تعيينه أمينا لمجمع تشخيص مصلحة النظام، خلفا لمحسن رضائي، بقرار من رئيس المجمع آنذاك آية الله صادق آملي لاريجاني، وبموافقة القائد الأعلى، ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى الآن.
أما من الناحية العلمية، فقد حصل ذو القدر على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة طهران، ثم نال درجة الماجستير في الإدارة الحكومية من كلية الإدارة في الجامعة نفسها، قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية من جامعة الدفاع الوطني العليا، وهو ما يعكس خلفية أكاديمية داعمة لمسيرته التنفيذية.
دلالات التعيين وقراءة تحليلية في توقيته
يحمل تعيين محمد باقر ذو القدر أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي دلالات متعددة، تتجاوز الإطار الإداري إلى أبعاد سياسية وأمنية عميقة، خاصة في ظل طبيعة المرحلة التي تمر بها إيران.
أول ما يلفت الانتباه في هذا التعيين هو الخلفية العسكرية والأمنية الثقيلة لذو القدر، إذ يعد من قيادات الحرس الثوري الذين تدرجوا في مواقع حساسة، سواء خلال الحرب أو بعدها. وهذا يشير إلى أن القيادة الإيرانية تتجه نحو تعزيز الطابع الأمني والعسكري في إدارة ملفات الأمن القومي، في مواجهة تحديات متزايدة.
كما أن خبرته في إدارة الحروب غير النظامية، وتوليه مسؤوليات تدريبية خلال الحرب، تعكس توجها نحو الاعتماد على شخصيات لديها خبرة في التعامل مع التهديدات غير التقليدية، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو حتى استخباراتية. وهذا يتماشى مع طبيعة التحديات التي تواجهها إيران اليوم، والتي تتسم بالتعقيد والتداخل بين الجبهات المختلفة.
من ناحية أخرى، فإن انتقال ذو القدر من مواقع داخل الحرس الثوري إلى مواقع في السلطة القضائية والحكومة، ثم إلى مجمع تشخيص مصلحة النظام، يعكس مسارًا يجمع بين الخبرة التنفيذية والسياسية، وهو ما يجعله خيارا مناسبا لمنصب يتطلب تنسيقا عاليا بين مؤسسات متعددة.

كما أن توقيت التعيين، في ظل ما تشير إليه التقارير من تصعيد عسكري وسقوط عدد كبير من القيادات، يضفي على القرار طابعا عاجلا، ويعكس حاجة النظام إلى إعادة ترتيب هرم القيادة الأمنية بسرعة وكفاءة. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تعيين ذو القدر رسالة داخلية وخارجية في آن واحد، فداخليا لتأكيد استمرارية مؤسسات الدولة رغم الضربات، وخارجيا لإظهار الجاهزية والاستعداد.
غير أن المقارنة بين علي لاريجاني وخلفه ذو القدر تكشف عن تحول لافت في طبيعة الشخصية التي تتولى هذا الموقع، فبينما عرف لاريجاني بخلفيته السياسية والدبلوماسية، وارتبط اسمه بإدارة ملفات تفاوضية معقدة، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي والعلاقات الخارجية، يأتي ذو القدر من خلفية عسكرية أمنية صلبة، ما يعكس، حسب خبراء، انتقالا من نموذج المفاوض السياسي إلى نموذج رجل الأمن. هذا التحول قد يشير إلى إعادة تعريف أولويات المرحلة، بحيث تتقدم الاعتبارات الأمنية على حساب المقاربات الدبلوماسية التقليدية.
وفي هذا السياق، يطرح تعيين ذو القدر تساؤلات مهمة حول مستقبل المفاوضات مع الولايات المتحدة. فمن جهة، قد يفهم التعيين كإشارة إلى تشدد أكبر في المواقف، خاصة أن الرجل لم يعرف بدور تفاوضي مباشر، بل بمسار أمني وعسكري، ما قد يعني تقليص هامش المرونة في الملفات الحساسة. ومن جهة أخرى، قد يكون الهدف هو التفاوض من موقع قوة، عبر تعزيز القيادة الأمنية بشخصية قادرة على إدارة الضغوط والتصعيد، بما يمنح طهران أوراقا إضافية في أي مسار تفاوضي محتمل.
في المحصلة، يبدو أن اختيار محمد باقر ذو القدر لهذا المنصب يأتي في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز القيادة الأمنية بخبرة ميدانية عميقة، وقدرة على التعامل مع الأزمات، إضافة إلى فهم مؤسسي واسع لطبيعة النظام الإيراني. وهو ما يجعل هذا التعيين خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الشخص إلى طبيعة المرحلة التي تدخلها إيران، حيث تتزايد الحاجة إلى شخصيات قادرة على الجمع بين الحزم الأمني وإدارة التوازنات السياسية في بيئة شديدة التعقيد.

