رواد الأعمال الإيرانيون بين الداخل والخارج.. قصة ميلاد منشي بور ونماذج النجاح العالمي

شهدت السنوات الأخيرة موجة متصاعدة من قصص النجاح في مجال ريادة الأعمال الإيرانية، سواء داخل إيران أو في أوساط الأعمال خارج إيران حول العالم. وفي قلب هذه الظاهرة، يبرز اسم ميلاد منشي بور، بوصفه واحدا من أبرز رواد الأعمال الذين نجحوا في مزج الرؤية التكنولوجية مع الطموح الشخصي، مما جعله نموذجا ملهما لجيل من الشباب يعاني في الداخل من مشاكل حياتية صعبة.

فقد أعلن منشي بور، في يونيو/حزيران 2025، عن إطلاق شركة عقارية ذكية تحمل اسم AIR Prop، وهي منصة تكنولوجية تهدف إلى إعادة تعريف تجربة شراء وتأجير العقارات في المنطقة، معتمدا على نموذج يشبه الشركات الناشئة الكبرى في وادي السيليكون بالولايات المتحدة.

 وتهدف شركة AIR Prop إلى دمج الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتسهيل تجربة العملاء، وتوفير خيارات عقارية مصممة حسب الطلب، وقد اختار منشي بور مدينة دبي مقرا لمشروعه الجديد، مستفيدا من مناخ الابتكار والاستثمار المتسارع في الإمارات، شأنه شأن العديدين من رواد الأعمال حول العالم.

من هو ميلاد منشي بور؟

ميلاد منشي بور، من مواليد نوفمبر/تشرين الثاني 1982، ولد في عائلة من الطبقة المتوسطة في إيران، ونشأ في بيئة لا تعتبر مشجعة على المخاطرة أو ريادة الأعمال، لم يكن مولعا بالدراسة في البداية، لكنه امتلك شغفا بالعلوم التقنية، ما قاده لاحقا إلى الالتحاق بجامعة طهران لدراسة الهندسة الميكانيكية.

بعد إنهاء دراسته الجامعية، عمل منشي بور في قطاع النفط والغاز، غير أن الروتين الوظيفي لم يكن كافيا لإشباع طموحه، فقرر مغادرة إيران ومتابعة دراسته في فرنسا، حيث التحق ببرنامج دراسة الأعمال رغم التحديات المالية الكبيرة. لم يحصل على منحة، لكنه تغلب على هذه العقبة عبر القروض والعمل الجزئي.

بعد التخرج، عمل في شركات عالمية مرموقة منها شركة فورجون، واكتسب خبرة عميقة في الإدارة والتسويق وتطوير الأعمال. وعلى الرغم من النجاح المهني، ظل حلم العودة إلى إيران يراوده، وبعد خمس سنوات، عاد في عام 2015 إلى طهران، مدفوعا برغبة في تأسيس مشروعه الخاص.

وبالتعاون مع حميد مهيني، الذي كان يعمل مهندس برمجيات في وادي السيليكون بالولايات المتحدة، أسس منشي بور شركة تبسي، ثاني أكبر تطبيق لحجز سيارات الأجرة في إيران بعد سناب، وقد اعتمد النموذج التجاري لتبسي على تجربة أوبر، لكنه صُمم خصيصا ليتلاءم مع الواقع الإيراني من حيث البنية التحتية، الثقافة، واللوائح.

وقد تطورت “تپسي” سريعا، وبلغ عدد السائقين النشطين فيها نحو 150 ألف سائق، إضافة إلى أكثر من 250 ألف سائق مسجل، وطاقم إداري يتجاوز 230 موظفا بدوام كامل وجزئي.

وفي شتاء العام 2024، أعلنت “تپسي” عن صفقة كبرى تم بموجبها بيع نحو 70% من أسهمها إلى مجموعة جرلنك الصناعية، أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في إيران، في تحول اعتبر وقتها نقلة نوعية في مسيرة الشركة، إذ وفر لها رأس المال اللازم للتوسع وتطوير الخدمات، لا سيما في ظل المنافسة الشرسة مع “سناب” وغيرها من المنصات الناشئة.

رواد أعمال في الداخل

لم يكن منشي بور الوحيد من رواد الأعمال الناجحين في إيران، حيث برز عدد من رواد الأعمال الذين تمكنوا من بناء شركات تقنية وخدمية رغم العقوبات والقيود الاقتصادية، من أبرزهم الأخوان حميد وسعيد محمدي، مؤسسا متجر ديجي‌ كالا، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في إيران، والتي بدأت عام 2006 برأس مال بسيط لا يتجاوز 100 ملايين ريال، ما يقارب 170 دولارا، و5 موظفين فقط، لتطور “ديجي‌ كالا” لتغدو اليوم الوجهة الأولى للتسوق عبر الإنترنت لملايين الإيرانيين.

كما يبرز اسم مجيد حسيني ‌نجاد، مؤسس منصة السفر الشهيرة علي بابا، والتي تعد اليوم من أهم بوابات حجز التذاكر والفنادق في إيران، ومن بين السيدات، سطعت نازنين دانشور، المؤسسة والمديرة التنفيذية لموقع تخفیفان، الذي يقدم خدمات تخفيضات جماعية للأفراد والشركات، ما جعلها رمزا لريادة الأعمال النسائية في إيران.

وفي قطاع التكنولوجيا المالية والتأمين، برزت أسماء مثل محمد رضا فرحي مؤسس بيمه بازار، وحامد ولي ‌بوري مؤسس بيميتـو، وهي منصات أحدثت تحولا في الطريقة التي يتعامل بها الإيرانيون مع خدمات التأمين، كما ساهمت مشاريع مثل با سلام، منصة التجارة الاجتماعية للمحليات والمنتجات الريفية، التي أسسها محمد رضا آقایا، في ربط الأسواق الصغيرة بالمستهلكين على نطاق واسع.

هذه النماذج تكشف عن حيوية المشهد الريادي الإيراني في الداخل، رغم ما يواجهه من تحديات تتعلق بغياب الدعم الحكومي، وصعوبة الوصول إلى رؤوس الأموال، فضلا عن غياب بعض التشريعات اللازمة لدعم الابتكار.

نماذج ناجحة خارج إيران

أما خارج إيران، فقد تمكن العديد من المهاجرين الإيرانيين من بناء شركات عملاقة كان لها أثر عالمي، من أبرز هؤلاء، بير مراد أميديار، مؤسس موقع eBay، الذي وُلد في فرنسا عام 1967 لأبوين إيرانيين، وهاجر إلى الولايات المتحدة في طفولته، وأسس eBay عام 1995، وتحول سريعا إلى واحد من أعمدة التجارة الإلكترونية في العالم، وأصبح مليارديرا في سن لم يتجاوز 31 عاما، ولاحقا، أنشأ مؤسسة أميد يار لدعم المشاريع الخيرية والتعليمية.

كما تشتهر أنوشه أنصاري، أول رائدة فضاء من أصول إيرانية، بتأسيسها شركة Telecom Technologies، ثم Prodea Systems، إلى جانب إدارتها الحالية لمؤسسة XPrize التي تشجع على الابتكار العلمي والتكنولوجي.

ومن وادي السيليكون، يبرز اسم شروين بيشه ور، المستثمر البارز الذي دعم شركات مثل Uber وAirbnb، كما أسس Hyperloop One، أحد أكثر مشاريع النقل الطموحة في العالم. أما آرش فردوسي، فقد أسهم في تأسيس Dropbox، التي أحدثت ثورة في عالم التخزين السحابي.

في قطاع العقارات، تألق ماني خوشبین، الذي بدأ من الصفر ليصبح مالكا لإحدى أكبر شركات إدارة الممتلكات التجارية في الولايات المتحدة. كذلك، يعد بجمان نوزاد من أشهر المستثمرين في وادي السيليكون، وكان سابقا سائق تاكسي قبل أن يؤسس شركة CafeX، ثم يتحول إلى مستثمر في مشاريع كبرى مثل DoorDash و Gusto.