- زاد إيران - المحرر
- 616 Views
في مشهد تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، تواصل إيران تعزيز موقعها كلاعب محوري في سوق الطاقة، رغم القيود والعقوبات المفروضة عليها، فبينما تبدو بعض الدول مكبلة أمام الضغوط الدولية، نجحت طهران في نسج علاقات نفطية مع شركاء استراتيجيين، أبرزهم الصين، التي باتت تمثل نافذة أساسية لصادرات النفط الإيراني.
فقد شهدت صادرات النفط الإيرانية إلى الصين ارتفاعا ملحوظا خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أشارت بيانات شركات تتبع الناقلات النفطية مثل كبلر وفورتكسا إلى طفرة غير مسبوقة في حجم هذه الصادرات، فبحسب بيانات فورتكسا، بلغت واردات الصين من النفط الإيراني خلال الفترة من 1 إلى 20 يونيو/حزيران 2025، نحو 1.8 مليون برميل يوميا، وهو رقم قياسي مقارنة بالأشهر الماضية، وأفادت كبلر بأن المتوسط اليومي لواردات الصين من النفط الإيراني بين 1 و27 يونيو بلغ 1.46 مليون برميل يوميا، بزيادة تقارب 500 ألف برميل يوميا مقارنة بشهر مايو/ آيار 2025.

ويقدر إجمالي صادرات إيران من النفط والمكثفات النفطية في تلك الفترة بنحو 26 مليون برميل، منها 17 مليون برميل نفط خام و800 ألف برميل من المنتجات النفطية.
ما وراء زيادة الصادرات
تفيد التقارير بأن هذا الارتفاع في الصادرات يعود إلى عدة عوامل متشابكة، أولها استفادت إيران من انخفاض أسعار النفط العالمية في شهري أبريل ومايو، ما شجع المصافي المستقلة في الصين، المعروفة باسم تي بات، على شراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة، لا سيما لتأمين احتياجات الصيف وملء المخزونات.

ثانيا، قامت إيران بتكثيف شحناتها النفطية خلال شهر مايو/ آيار، حيث بلغ حجم الصادرات 1.83 مليون برميل يوميا، ما أدى إلى تسريع تفريغ شحنات النفط الإيراني في موانئ الصين خلال يونيو، ونظرا لأن الرحلة البحرية من الموانئ الإيرانية إلى الصين تستغرق نحو شهر، فقد انعكس هذا النشاط على أرقام يونيو.
لماذا تفضل الصين النفط الإيراني؟
تعتمد الصين على أكثر من 8 ملايين برميل يوميا من واردات النفط لتأمين احتياجاتها الاقتصادية، وفي إطار سعيها لتنويع مصادر التوريد وتعزيز أمنها بالطاقة، تنظر بكين إلى النفط الإيراني كخيار استراتيجي، فالنفط الإيراني يُعرض بأسعار تقل في بعض الفترات بنحو دولارين أو أكثر عن خام برنت، مما يمنح الصين هامش ربح مغريا، خصوصا للمصافي المستقلة التي تسعى لتقليل التكاليف.

كذلك، فإن العلاقة بين بكين وطهران لا تقتصر على البيع والشراء فقط، بل تتخذ شكل شراكة استراتيجية. فقد سبق أن وقعت الصين مع إيران اتفاقات طويلة الأمد لتطوير حقول نفطية مثل آزادغان ويادآوران، بنظام النفط مقابل الاستثمار، ما يضمن لها تدفقا ثابتا من الخام في إطار استعادة استثماراتها.
أيضا، ترى الصين في إيران شريكا غير خاضع بشكل كامل للنفوذ الأميركي، وبالتالي أكثر مرونة في تلبية شروطها التجارية، وبخلاف الشركات الغربية التي تتخلى عن عقودها بفعل ضغوط واشنطن، فإن إيران تلتزم بالاتفاقات حتى في ظل العقوبات.
بين بكين وطهران وواشنطن: مثلث معقد ومصالح متقاطعة
تثير علاقة الصين وإيران في ملف الطاقة قلقا كبيرا لدى الولايات المتحدة، فواشنطن ترى أن استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الصين يُضعف فعالية سياسة الضغط الأقصى التي تبنتها إدارتا ترامب ثم بايدن بنسختين مختلفتين.
ففي يناير / كانون الثاني 2025، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وأعاد إحياء سياسة الضغط الأقصى، عبر فرض 11 حزمة عقوبات استهدفت 256 كيانا وشخصا وشركة وناقلة نفط، تركزت على تقويض شبكة التصدير الإيرانية، وقد شملت العقوبات مصافي صينية صغيرة مثل لوكينغ وشنغ شينغ وهبي شينهاي، التي تعد من أبرز مستوردي النفط الإيراني.

ورغم هذا التصعيد، لم تنجح الولايات المتحدة في كبح صادرات النفط الإيراني إلى الصين، إذ لم تنخفض هذه الصادرات سوى بمعدل 100 ألف برميل يوميا خلال النصف الأول من 2025، وهي نسبة هامشية مقارنة بانخفاض 2.5 مليون برميل يوميا خلال تطبيق الضغط الأقصى الأول عام 2018.
وفي تصريح مفاجئ، وبعد إعلانه عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، قال ترامب أنه لن يوقف صادرات النفط الإيراني إلى الصين، بزعم أن إيران بحاجة لعائدات النفط لإعادة الإعمار، الأمر الذي اعتبره مراقبون بمثابة تراجع ضمني عن سياسة الحصار، وخدعة سياسية لتغطية فشل العقوبات.
من زاوية أخرى، ترى الصين أن تأمين تدفق النفط من إيران يخدم مصلحتها الوطنية، وقد رفضت مرارا الامتثال للعقوبات الأميركية التي تراها خارج نطاق القانون الدولي. وتحاول بكين الموازنة بين مصالحها مع واشنطن وطهران دون الدخول في مواجهة مباشرة، لكنها تضع أمنها في مجال الطاقة فوق كل اعتبار.
القدرة الإيرانية على تجاوز الأزمات النفطية
تشير التقارير الغربية والإقليمية ان إيران، وخلال السنوات الماضية، قد أظهرت قدرة لافتة على الحفاظ على مستوى ثابت من إنتاج وتصدير النفط، رغم العقوبات الغربية، النزاعات الإقليمية، والتقلبات الجيوسياسية، هذا الثبات يعكس صلابة البنية التحتية لقطاع النفط الإيراني، وقدرة طهران على التكيف مع الأزمات وإعادة تدوير التحديات إلى فرص سياسية واقتصادية. فعلى مدى عقدين، طورت إيران منظومة تصديرية بديلة تعتمد على ناقلات نفط مموهة، وشبكات مالية غير رسمية، وآليات تبادل معقدة، مكنتها من الالتفاف على العقوبات وبيع نفطها في الأسواق الآسيوية، وخاصة للصين.


هذا في حين استفادت طهران من التصعيدات الإقليمية والعقوبات الأميركية ليس فقط لتثبيت موطئ قدمها في سوق الطاقة، بل أيضا لاستخدام هذه الأزمات كأدوات تفاوض في معادلات الجغرافيا السياسية، ومع استمرار انسحاب الشركات الغربية من السوق الإيرانية، وارتفاع الطلب على الطاقة في آسيا، تبدو إيران مؤهلة لأن تكون نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة الطاقة الجديدة شرقاً، شريطة توظيف قدراتها التصديرية ضمن استراتيجية مرنة تراعي التوازن بين السياسة والمصالح الاقتصادية.
في هذا السياق، ينظر إلى ارتفاع صادرات النفط الإيراني إلى الصين في الأسابيع الأخيرة كمؤشر على تحوّل محتمل في ميزان القوى داخل السوق النفطية الدولية. فبينما تتعرض طهران لعقوبات مشددة وضغوط أميركية متواصلة، نجحت في بناء شبكة مرنة وفعالة لتصدير نفطها، ووجدت بكين في هذا النفط خياراً استراتيجياً منخفض الكلفة ويلبي احتياجاتها الآنية والطويلة الأمد.
أما على الجهة المقابلة، فتبدو الولايات المتحدة عاجزة عن فرض إرادتها الكاملة في هذا الملف، فمع تحولات الجغرافيا السياسية العالمية، وانكشاف محدودية تأثير العقوبات في بعض السياقات، يتزايد اعتماد الاقتصادات الشرقية الكبرى على مصادر طاقة لا تخضع للنفوذ الأميركي. وهنا، يتحول ملف النفط الإيراني إلى اختبار حقيقي لقدرة واشنطن على الحفاظ على هيمنتها في نظام عالمي يتغير بسرعة، حيث تسعى قوى ناشئة لإعادة تشكيل معادلات السوق والنفوذ.

