- زاد إيران - المحرر
- 661 Views
شهدت بيروت زيارة لافتة لعلي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حملت في طياتها رسائل سياسية وأمنية متعددة الاتجاهات، اللقاءات التي عقدها لاريجاني مع الرؤساء الثلاثة في لبنان، رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس الوزراء، لم تكن مجرد مجاملات بروتوكولية، بل جاءت في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها ملفات الحرب والسلام، والمقاومة والتسويات، والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تعصف بلبنان، والتي لا بد أن يكون لها انعكاساتها على طهران.
جدول عمل مزدحم
فبعد ترحيب واسع تلقاه لاريجاني فور وصوله إلى مطار العاصمة بيروت، الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025، واستقبال من قبل شخصيات من حزب الله وممثلين رئيس البرلمان اللبناني، استهل رئيس البرلمان الإيراني السابق والأمين العام لمجلس الأمن القومي، علي لاريجاني زيارته إلى لبنان بلقاء رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، في محطة أولى حملت دلالة رمزية واضحة على دعم طهران لمؤسسات الدولة اللبنانية في خضم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، كما ناقش الجانبان تداعيات الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما يمكن أن تتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على الداخل اللبناني.

وخلال لقائه، صرح لاريجاني: “سنكون إلى جانب الشعب اللبناني العزيز في كل الظروف”، مؤكدا على أن “هناك ترابطا بين الثقافة الإيرانية واللبنانية، ومن هنا نشأت علاقة وجدانية بين الشعبين، وإذا كان الشعب اللبناني يعاني يوما ما، فإننا في إيران نشعر بألمه أيضا، نحن في جميع الظروف سنقف إلى جانب الشعب اللبناني العزيز”.
كذلك، فقد اجتمع لاريجاني برئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف التاريخي لحزب الله وصاحب العلاقات المتينة مع طهران، في زيارة أخذت بعدا إضافيا، حيث اعتبر مراقبون أن اللقاء مع بري شكل منصة لتأكيد وحدة الموقف بين إيران وحلفائها في لبنان، في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، وحسب مصادر إعلامية، فقد تطرق النقاش إلى سبل مواجهة الضغوط الأميركية والدولية على المقاومة، فضلا عن تعزيز التعاون السياسي ضمن محور المقاومة في المنطقة.
أما اللقاء الذي أثار اهتمام الأوساط اللبنانية فكان مع رئيس الوزراء نواف سلام، إذ جاء استكمالا للقاءات لاريجاني مع الرئيس ورئيس البرلمان، ليشكل بذلك ما يشبه المثلث السياسي اللبناني، هذا فيما تناولت المحادثات مع سلام ملفات حساسة، من بينها المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، في ظل ما يشكله لبنان أحيانا من قناة خلفية لتبادل الرسائل بين الطرفين.

تأكيد إيران لعدم التدخل في الشأن اللبناني
كان واحدا من أهم المحاور التي أكدها لاريجاني خلال زيارته، هو أن إيران لا تسعى للتدخل في الشأن اللبناني، وأن حكومة طهران ستقدم المساعدة فقط إذا طلب منها ذلك، فخلال مؤتمر صحفي، صرح لاريجاني: “أنا مسؤول الأمن القومي في إيران، وأقول إن إيران ليست لديها أي نية للتدخل في شؤون الدول، وخاصة لبنان، على الحكومة اللبنانية أن تتحاور مع مختلف الطوائف وتتوصل إلى نتيجة.
إن التدخل في شؤون لبنان يقوم به من يقدم لكم من آلاف الكيلومترات خططا وجداول زمنية للتحرك، أما نحن فلم نقدم لكم أي خطة، لا تخلطوا بين العدو والصديق، فالمقاومة هي رصيد وطني لكم ولكل الدول الإسلامية، إنهم يريدون عبر الدعاية أن يبدلوا مكان الصديق والعدو”.

جدير بالذكر أن الولايات المتحدة كانت قد قدمت إلى الحكومة اللبنانية، عن طريق مبعوثها توم باراك خطة من أربع مراحل تستهدف نزع سلاح حزب الله بالكامل بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول من العام 2025، مقابل انسحاب إسرائيل من خمس نقاط عسكرية في الجنوب، الأمر الذي وافقت عليه الحكومة اللبنانية وعارضه حزب الله بشدة ما قد يهدد بنشوب حرب داخلية في لبنان.

رسائل زيارة لاريجاني لبيروت
تعددت التحليلات حول الهدف من الزيارة والرسائل التي ترسلها للأطراف المختلفة داخليا وإقليميا ودوليا، فحول ذلك، أكد السفير الإيراني في لبنان، مجتبی أماني، في حوار له مع صحيفة جام جم السبت 16 أغسطس/آب 2025، أن الزيارة إلى العراق ولبنان تأتي في مرحلة شديدة الحساسية على الصعيد الأمني في المنطقة، حيث تسعى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى تمرير مخططات خطيرة، مشيرا إلى إن هذه الزيارة، والتي كانت الأولى له بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، حظيت باهتمام واسع في الإعلام الدولي، واعتبرت نجاحا دبلوماسيا لإيران، خصوصا في ظل محاولات خصومها إظهارها بصورة دولة معزولة.

كما أوضح أماني أن توقيت الزيارة كان بالغ الأهمية للبنان الخارج من حرب مدمرة، حيث لا يزال الاحتلال يواصل خروقاته ويمنع عمليات الإعمار في الجنوب، كما أشار إلى الجدل الداخلي اللبناني حول ملف سلاح المقاومة، مبرزا التدخلات الخارجية، ولاسيما الأميركية وبعض الدول العربية، التي تضغط لنزع سلاح حزب الله، معتبرا أن حضور لاريجاني إلى بيروت بصفته ممثلا للقيادة الإيرانية شكل رسالة دعم واضحة للمقاومة وأفشل محاولات التشويش على الزيارة.
كذلك، فإن إحدى رسائل تلك الزيارة تتعلق بالمناخ التفاوضي الجديد الذي بدأت ملامحه تتشكل في الأسابيع الأخيرة، فوفق ما أوضحه عبد الرضا فرجي راد في مقال له بصحيفة آرمان امروز، السبت 16 أغسطس/آب 2025، فإن هذه الزيارة قد تكون جزءا من تمهيد أوسع لمسار تفاوضي غير مباشر بين طهران وواشنطن، يتجاوز الملف النووي ليطال ملفات المنطقة، في ظل تزامنها مع مجموعة من التطورات اللافتة التي لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.

فيوضح فرجي راد أن زيارة لاريجاني كانت قد سبقتها تصريحات مهمة أدلى بها مجيد تخت روانجي، المندوب الإيراني السابق لدى الأمم المتحدة، أكد فيها أن إيران قد تكون مستعدة لقبول بعض القيود إذا ما رفعت العقوبات الغربية عنها، هذا التصريح فسر، كما يقول فرجي راد، على أنه إشارة إلى احتمال وقف مؤقت لعمليات تخصيب اليورانيوم، وهو تحول نوعي في الخطاب الإيراني إذا ما ثبتت صحته، كونه يفتح الباب أمام تقدم ملموس في مسار المفاوضات المتعثرة منذ سنوات.
وداخليا، تأتي الزيارة في وقت يكرر فيه الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، موقفه العلني بأن البديل عن التفاوض غير موجود، متسائلا خلال حديثه الأخير بمناسبة يوم الصحفي في إيران، السبت 9 أغسطس/آب 2025: “إذا لم نتفاوض، فماذا نفعل؟”.
هذا التوجه، بحسب محللين، يعكس أرضية ذهنية مهيأة داخل النظام الإيراني لقبول خيار المفاوضات كمسار لا بديل عنه، وهو ما ينسجم مع خطوة لاريجاني نحو بيروت باعتبارها ساحة مفتاحية في ملفات النفوذ الإيراني الإقليمي، فإذا كان الداخل الإيراني يهيئ الرأي العام للنقاش حول جدوى التفاوض، فإن الانفتاح الإقليمي عبر لبنان يمثل وجها مكملا لهذه الرسالة.
بهذا، فإن زيارة لاريجاني للبنان لا يمكن النظر إليها بمعزل عن هذا التطور، إذ قد تكون محاولة إيرانية لإظهار الجدية في الانفتاح على الحلول، لكن عبر قنوات إقليمية تعكس ثقل طهران في الملفات الحساسة كسوريا والعراق ولبنان، ومن زاوية أوسع، يمكن القول إن تزامن زيارة لاريجاني مع سلسلة التطورات المذكورة يوحي بأن طهران بدأت بالفعل إعادة تموضع استراتيجي، تحاول من خلاله فتح أكثر من نافذة في وقت واحد، نافذة مع واشنطن عبر الوسطاء، ونافذة مع أوروبا رغم التباين، نافذة تقنية عبر الوكالة الدولية، وأخرى إقليمية عبر الساحات التي تشكل نقاط تماس يومية مع السياسة الأميركية
أيضا فقد أشار المحللون إلى أن تلك الزيارة تأتي في إطار أوسع يتعلق بالعصمتين اللتان زارهما لاريجاني، أي بغداد ولبنان، إذ يرجح محللون أن تكون مهمة لاريجاني مرتبطة بمحاولة تقريب وجهات النظر بين قوى المقاومة مثل حزب الله والحشد الشعبي من جهة، وبين حكومتي بيروت وبغداد من جهة أخرى، بهدف صياغة حلول مشتركة لبعض الملفات الشائكة، يمكن استثمارها لاحقا على طاولة المفاوضات مع الغرب أو الولايات المتحدة، فإيران تدرك أن أي تسوية كبرى لا بد أن تأخذ في الحسبان موازين القوى على الأرض في هذه البلدان، ومن ثم فهي تسعى لترتيب البيت الإقليمي أولا قبل الدخول في تفاوض أشمل.

ومن هنا يظهر البعد الاستراتيجي لزيارة لاريجاني، إذ لا تقتصر مهمته على إيصال رسالة سياسية، بل قد تكون وظيفته جمع أوراق ضغط تفاوضية من ساحات نفوذ طهران المختلفة.
إن قراءة هذه الزيارة عبر هذه الزوايا المختلفة، تجعلنا أمام حدث مركب لا يمكن اختزاله في إطار بروتوكولي محض، فهي زيارة تحمل في طياتها إشارات إلى استعداد إيراني لمقاربة جديدة في التفاوض، ورغبة في ترتيب الأوراق الإقليمية، ورسالة إلى الداخل بأن خيار التفاوض لم يعد محظورا، فضلا عن رسالة طمأنة إلى بعض القوى اللبنانية بأن طهران لا تبحث عن التصعيد. وإذا ما وُضعت هذه الرسائل جنبا إلى جنب، يمكن فهم أن طهران تستعد لمرحلة جديدة قد تعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة.

