زيارة وزير الداخلية العماني إلى طهران.. بين التعاون الثنائي والوساطة الإقليمية

تشهد الساحة السياسية في الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات المتسارعة، في ظل تقاطع الملفات الإقليمية والدولية وتشابك المصالح بين القوى الفاعلة، وبينما تتزايد التحديات الأمنية والدبلوماسية التي تواجه المنطقة، تسعى الدول إلى إعادة رسم أدوارها ومواقعها في معادلة النفوذ والتوازن الإقليمي، من خلال مبادرات سياسية وتحركات دبلوماسية متباينة، وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار مجدداً نحو مسارات التقارب والتنسيق بين بعض العواصم العربية والإيرانية، وسط محاولات لاحتواء التوترات وإحياء قنوات الحوار عبر بوابات الوساطة والدبلوماسية الهادئة، التي باتت سمة رئيسية في ديناميكيات السياسة الشرق أوسطية الراهنة.

فقد زار حمود بن فيصل بن سعيد البوسعيدي، وزير الداخلية العماني، العاصمة الإيرانية طهران، الإثنين 27 أكتوبر/تشرين الأول 2025، على رأس وفد رفيع المستوى، والتقى بكل من رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني.

وخلال لقائه بالوزير العماني، صرح الرئيس بزشكيان: “إن العلاقات بين إيران وسلطنة عمان قامت دائماً على أُسس الأخوة والاحترام المتبادل وحسن النية، وقد كان البلدان، في مختلف المنعطفات الإقليمية، سنداً لبعضهما البعض”، مضيفاً: “إن جهود عمان في التعاون مع إيران، ولا سيما في مجال الوساطة واستضافة مفاوضات طهران وواشنطن، تستحق الشكر والتقدير، وتعكس نهجاً حكيماً وسلمياً لدى قيادة هذا البلد”.

Image

كما أشار الرئيس الإيراني إلى المواقف الواضحة والصريحة التي تتخذها عمان دعما للشعب الفلسطيني في غزة، مؤكداً: “بصفتنا مسلمين، نعبر عن امتناننا لهذه المواقف الإنسانية والتضامنية”، وأعرب بزشكيان عن أمله في أن تكون زيارة وزير الداخلية العماني إلى طهران خطوة لتعزيز الروابط والتعاون بين البلدين، مؤكداً أن إيران مستعدة لتوسيع تعاونها مع عمان في جميع المجالات العلمية والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية.

من جانبه، قال حمود البوسعيدي إن العلاقات بين إيران وعمان مميزة وعميقة ومبنية على الصدق، ولا تشوبها أي شائبة، مضيفاً “إن زيارتكم إلى مسقط قبل خمسة أشهر وما أبرم خلالها من اتفاقات قيّمة تظهر بوضوح مسار التعاون المشرق بين بلدينا”.

وأعرب وزير الداخلية العمانية عن تقديره لمواقف بزشكيان في تعزيز العلاقات مع الدول الإسلامية، وخاصة مع عمان، مضيفاً: “إن هذا النهج البناء من جانب إيران ظل ثابتاً خلال العقود الماضية، وتواصل عمان التعامل معه بنفس روح الأخوة وحسن النية”، وأضاف: “آمل أن تستمر العلاقات القوية والراسخة بين البلدين بزخم وإرادة أكبر، وسنبذل كل جهد ممكن لتعميقها وتعزيزها أكثر فأكثر”.

كما التقى وزير الداخلية العماني بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في مقر المجلس، وخلال اللقاء شدد الجانبان على الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية، وتوسيع التعاون الثنائي في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية، وتعزيز التنسيق الإقليمي بما يحقق المصالح المشتركة.

Image

 وقد وجه البوسعيدي دعوة رسمية إلى لاريجاني لزيارة مسقط، معتبراً هذه الدعوة خطوة مهمة على طريق تعميق التعاون الاستراتيجي بين البلدين، من جهته، أشار لاريجاني إلى دور عمان البناء والمتوازن في التطورات الإقليمية، مؤكداً ضرورة استثمار الإمكانات الواسعة لدى الجانبين لتطوير التعاون الاقتصادي والأمني على المستويات الاستراتيجية.

أسباب الزيارة

هذا وقد تعددت التحليلات حول أسباب تلك الزيارة، أبرزها ما صرح به أحمد دستمالجيان، السفير الأسبق لإيران في لبنان والأردن، حيث قال إن هذه الزيارة كانت ذات أبعاد ثنائية أكثر منها إقليمية أو دولية، وقد تناولت ملفات اقتصادية أكثر من أي شيء آخر.

Image

وتابع: “كان لقاء وزير الداخلية العماني بـ لاريجاني مرتبطاً على نحو أكبر بملابسات قضية مياه التصدير الإيرانية التي طرأت مؤخراً، فقد نشأت مشكلة تخص المياه الإيرانية في عمان، وشاع أن شخصين قد قتلا بسبب استهلاك هذه المياه، ما أدى إلى شيء من التوتر في العلاقات، فجاء وزير الداخلية العماني إلى إيران لتخفيف حدة هذا الموضوع، وقد تركزت المباحثات على هذه المسألة، ولا أظن أن لها بعداً إقليمياً”.

وعن تشاور إيران مع عمان في القضايا الإقليمية والدولية، أوضح السفير السابق: “الباب قد أُغلق، ولا أتصوّر أن عمان ستعمل وسيطاً بعد الآن، وإن كان الأمر كذلك لما جاء وزير الداخلية إلى إيران، بل كان ينبغي أن يأتي وزير الخارجية، والتأكيد في ختام اللقاء على العلاقات الاقتصادية يعود أيضاً إلى قضية المياه”.

Image

وأضاف دستمالجيان بشأن احتمال استمرار العلاقات الاقتصادية بين إيران وعمان بعد عودة عقوبات مجلس الأمن: “تربط إيران وعمان منذ القدم علاقات جيدة مقارنة بسائر دول الخليج، وهذه العلاقات مستمرة، وقد زار السيد بزشكيان عمان مؤخراً لتعزيز العلاقات وإبرام اتفاقيات اقتصادية وسياسية متنوعة، ولدينا علاقات طيبة”.

وتابع: “إن التجار من الجانبين يتعاونون على نطاق واسع، ومسألة العقوبات لا تشكل لهم عائقاً، لقد انتهى أمر آلية العقوبات، ومع سائر دول العالم كذلك تقام هذه الروابط الاقتصادية، كانت هذه الزيارة ثنائية البعد أكثر من كونها إقليمية أو دولية. وبرأيي فإن القضية الأساسية هي ذاتها العلاقات الاقتصادية التي طرحت”.

هل الزيارة كانت اقتصادية فقط.. وهل غابت الدبلوماسية؟

رغم تأكيدات دستمالجيان بخصوص أهداف الزيارة الثنائية، إلا أن هذا لم يمنع المحللين من افتراض البعد الدبلوماسي ودور الوساطة الذي طالما لعبته عمان بين إيران والغرب والولايات المتحدة، في وقت يعود فيه المشهدان السياسي والإعلامي في المنطقة إلى تسليط الضوء على دور مسقط في الملفات الحساسة، ومنها الوساطة في المفاوضات النووية الإيرانية، هذا في الوقت الذي يطرح فيه أسم مصر بقوة ضمن الوسطاء الإقليميين المحتملين، خصوصاً بعد  التحركات الخارجية المصرية التي أسفرت عن توقيع توافق القاهرة في سبتمبر/أيلول 2025، وما تلى ذلك من تواصل بين بدر العاطي، وزير الخارجية المصري، وعباس عراقجي، نظيره الإيراني، وستيف ويتكوف، مبعوث ترامب لشؤون الشرق الأوسط.

مصر وعمان.. هدف واحد

بهذا الشأن، قال عبد الأمير نبوي، رئيس الجمعية الإيرانية للعلوم السياسية والباحث المتخصص في شؤون مصر وشمال أفريقيا، في حديثه مع صحيفة شرق الثلاثاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2025: “إن دور القاهرة في هذا الملف، وإن بدا مفاجئا قياسا بسجل عمان وقطر الطويل في الوساطة بين إيران والغرب، إلا أنه مفهوم في إطار الهواجس الإقليمية والطموحات الدبلوماسية المصرية، ويضيف: “إن الملف النووي الإيراني بسبب عمقه وتعقيده التاريخي، ما إن يتأزم حتى يكتسب بسرعة أبعادا تتجاوز الإقليم، ومن هذه الزاوية، تخشى مصر أن تؤدي حدة الخلافات بين إيران والقوى الكبرى أو الاشتباكات الأخيرة بين إيران وإسرائيل إلى إدخال المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار يصعب على اللاعبين الإقليميين ضبطها، لذلك كان الهدف الأول للقاهرة من دخول هذا الملف هو ضبط الأزمة ومنع اتساع رقعتها”.

ويتابع نبوي: “تمكن المصريون في الخطوة الأولى، عبر إبرام تفاهم القاهرة من تهيئة أرضية الحوار بين ممثلي إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإن كان هذا التفاهم لم يدخل حيز التنفيذ عمليا بعد تفعيل آلية الزناد وعودة القرارات”.

 ومع هذا، يرى نبوي أن الدافع الرئيسي لمصر ليس هاجس الاستقرار الإقليمي وحده، فيوضح: “تسعى القاهرة إلى استعادة مكانتها السياسية والدبلوماسية في المنطقة، وهي مكانة أضعفتها أزمات داخلية وإقليمية متعددة، من حرب غزة إلى اضطرابات ليبيا والسودان وتطورات البحر الأحمر، فحكومة السيسي تريد، عبر دور فاعل في ملفات مهمة كالموضوع النووي الإيراني، أن تعرف مجددا كوسيط معتبر ومسؤول في الشرق الأوسط”.

Image

ويذهب نبوي إلى أنه “مع أن الوزن السياسي لمصر أكبر من عمان، فإن الهدف النهائي لكل هؤلاء اللاعبين واحد، الحلول دون اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وإسرائيل، فكل دولة بحسب قدراتها الدبلوماسية ونوع علاقتها بإيران تحاول إدارة الأزمة، لكن الأزمة النووية الإيرانية لا تختزل في خطر الحرب فحسب، آلية سناب باك واستمرار الخلافات مع الغرب جعلا هذه الأزمة مزمنة”.

 ويخلص الأستاذ بجامعة طهران إلى “أن خفض التوتر بشكل مستدام يتطلب إرادة متعددة الأطراف وتشكل حوار مباشر بين إيران والولايات المتحدة، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الظروف الراهنة للنظام الدولي، ومن دونه سيظل أفق تسوية الملف النووي الإيراني غائما”.

مصر وعمان على قدم المساواة من حيث ثقة طهران

كذلك، قال الباحث في السياسات العامة والعلاقات الدولية، إسلام ذو القدر بور، إن بقاء الدول في عالم القرن الحادي والعشرين المضطرب لم يعد ممكنا بالاتكاء على المثاليات والفرضيات الجامدة للماضي، مشيرا إلى أن التحالفات الدولية تتغير بسرعة، ما يستلزم من إيران انتهاج سياسة نفعية قائمة على المصالح المتحركة لا على الشعارات الثابتة.

ويرى ذو القدر بور أن السياسة الخارجية الإيرانية، خلال العقود الماضية، تأسست على ثنائية الأصدقاء والأعداء الأبديين، وهو ما وصفه بأنه إحدى العلل الأساسية في السياسة الدولية للبلاد، مؤكدا أن الإصرار على هذا التصنيف يعرض المصالح الوطنية للخطر.

وحول دخول مصر كوسيط جديد في الملف النووي الإيراني، اعتبر ذو القدر بور أن هذا التطور يعكس التباين بين النظرة الواقعية النفعية والنظرة المثالية القديمة داخل دوائر صنع القرار في طهران، موضحا أن “بعض التيارات الداخلية تنظر بعين الريبة إلى وساطة القاهرة، بينما الواقع الدولي يفرض على إيران استثمار كل فرصة لتوسيع دورها الدبلوماسي”.

وأشار إلى أن تجارب الوساطة السابقة من تركيا وقطر إلى عمان أظهرت أن تلك الدول لم تكن يوما في صف إيران، بل استغلت المفاوضات لتعزيز مكانتها الإقليمية، ومع ذلك، يرى أن مصر تملك مقومات تجعلها وسيطا أكثر فاعلية، إذ تتمتع القاهرة بشرعية عربية وإسلامية واسعة، وتشارك إيران رؤية مشتركة حول تهديدات المنطقة، كما تحتفظ بعلاقات مؤسسية مع الغرب يمكن أن تشكل قناة لنقل الرسائل الإيرانية.

وأضاف أن القاهرة تملك خبرة كبيرة في إدارة ملفات السلام الفلسطينية والإقليمية، ما يجعلها مؤهلة لاستضافة مفاوضات معقدة كالمباحثات النووية. ويرى أن مصر ليست عدوا ولا صديقة أبدية، بل دولة تسعى لمصالحها في إطار الاستقرار الإقليمي، ويمكن أن تكون شريكا مؤقتا، لكنه مؤثر لإيران.