- زاد إيران - المحرر
- 508 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الأربعاء 27 أغسطس/آب 2025، حوارا مع علي رضا علوي تبار، المحلل والناشط السياسي، حول التحولات التي شهدتها إيران بعد الحرب التي استمرت 12 يوما وأثرها على الاصطفاف السياسي وتوجهات النظام والشعب والنخب الفكرية والسياسية، وفي ما يلي نص الحوار:
ما أبرز التحولات التي أفرزتها حرب الـ12 يوما في الحكم والسياسة والمجتمع؟
إن حرب الـ12 يوما أحدثت تحولات على مستوى الحكم كما على مستوى المعارضين والمنتقدين، لكنها ما تزال في طور ذهني وإدراكي ولم تتجسد عمليا بعد، ومن تفاعل هذه التحولات يمكن مناقشة المطالب والإجراءات المستقبلية، فعلى مستوى الحكم، كان أول مخرجات الحرب تغيير الدور الإقليمي لإيران، إذ تبدل موقعها في دول مثل سوريا والعراق ولبنان، وفقدت بعض الفرص والإمكانات التي كانت تمتلكها هناك.
كما شهد ملف التخصيب النووي، وهو أكثر قضايا البرنامج النووي الإيراني إشكالية، تحولات مهمة؛ فمع القصف الذي استهدف المواقع النووية الإيرانية تغيّر جوهر مسألة التخصيب – على الأقل من منظور الطرف المقابل، وكذلك تبدل تصور الحكومة عن سلوك حلفائها، فقد كانت ترى فيهم سندا يمكن الاعتماد عليه في المنعطفات الحاسمة، لكن هذا التصور تلقى ضربة.
إضافة إلى ذلك، تزعزعت شرعية ومشروعية الشعارات الراديكالية التي كانت تُطرح على المستويين الإقليمي والدولي، وأصبحت إمكانية تحققها موضع شك، وهذه كلها تغييرات طرأت في البعد الإدراكي للنظام.
كيف تَشكَّلت هذه التغييرات التي تعتبرونها إدراكية على مستوى المنتقدين والمعارضين؟
على سبيل المثال، كانت أهمية الاستفادة من القوة العسكرية الرادعة، قبل الحرب ذات الـ12 يوما، مفهومة ربما لدى بعض الأفراد فقط، لكن بعد الحرب اتضحت هذه الأهمية لآخرين أيضا، فالمعارضون والمنتقدون توصلوا إلى أن وجود سلطة مركزية قوية أمر حيوي لتجاوز الأزمات، إذ إن غياب مثل هذه السلطة كان سيجعل إيران عالقة في الأزمات لفترات طويلة.
والنقطة التالية تمثلت في الانتباه إلى الحلول التي تمنح إيران قدرا أكبر من المرونة وتساعدها على الوصول إلى توازنات مستقرة، لا توازنات مؤقتة، وهو ما يمكن ملاحظته خصوصا في الجوانب الاقتصادية وغيرها، وبالمجمل، إذا جُمعت هذه التغييرات التي حصلت على مستوى الإدراك الذهني لدى المسؤولين والمعارضين معا، فإن عدة مطالب أساسية تبرز من صلبها.
ما هذه المطالبات الأساسية التي تقول إنها برزت من تحت رماد التحولات الأخيرة؟
مع الأخذ بالاعتبار أنّ بعض القضايا الخلافية بيننا وبين القوى العالمية والإقليمية قد أُزيحت من الطاولة، تشكّل توقّع بضرورة متابعة الوصول إلى اتفاق مع الأطراف المقابلة بشكل أكثر جدية، إضافة إلى ذلك، فهم المعارضون أنّ إيران في اجتياز الأزمات تحتاج إلى برامج لا تُضعف السلطة المركزية، بل يجب أن تُدار الأزمات بقدرة مركزية منسجمة، وهذا المسار يتيح فرصا أكبر للحوار بين المنتقدين والمعارضين من أجل التوصل إلى اتفاق.
والمطلب الآخر الذي برز من هذه التحولات هو أنّه لا يمكن تجاوز المشكلات البنيوية بمجرد تغييرات جزئية على مستوى الأشخاص، بل إنّ إيران تحتاج إلى مسؤولين شجعان يقودون تغييرات على مستوى الاستراتيجيات والنهج العام.
وبالمحصلة أرى أنّ هناك ثلاثة مطالب رئيسية:
- السعي للوصول إلى اتفاق مع العالم وانتهاج سياسة خارجية خالية من التوتر.
- التوافق على الحفاظ على السلطة المركزية في الأوضاع الحرجة ومنع التفكك.
- الدفع نحو تغييرات جذرية أعمق من مجرد تبديل الأشخاص، أي تغييرات في السياسات والخطوط الاستراتيجية.
كيف تفسر صمود الإيرانيين دفاعا عن وحدة أراضيهم خلال حرب الـ12 يوما رغم توقعات المهاجم والمعارضة بخروجهم للاحتجاج؟
إن سبب عدم خروج الناس إلى الشوارع للاحتجاج خلال الحرب ذات الـ12 يوما وصبرهم على هذه المرحلة يجب البحث عنه في مكان آخر، وفي رأيي، تعامل الحكومة الإيرانية مع الدعوة الأمريكية لإجراء محادثات كان مناسبا؛ فهي في الوقت الذي سعت فيه إلى توضيح موقفها للطرف المقابل، نقلت من خلال المفاوضات غير المباشرة أيضا عدم ثقتها وعدم اكتراثها بالطرف الآخر.
وبالمجمل، يبدو أنّ أداء إيران في الحوار مع الولايات المتحدة كان أداء مناسبا، حتى في الداخل، وسُمعت أقلّ الكلمات التحريضية من مختلف القوى السياسية والعسكرية، لذلك لا يمكن اعتبار الحكومة الإيرانية مسؤولة عن نشوء هذا الصراع، فأي شخص ينظر بإنصاف إلى هذه التفاعلات كان يرى أن إيران قد قبلت منطق التفاوض وشاركت فيه بفاعلية، ولهذا السبب لم يعتبر الشعب أن الدولة مقصّرة ولم ينزل إلى الشوارع.
على كل حال، أي احتجاج يحتاج إلى مبرر عقلاني، وليس الأمر أنّ الناس يهرعون إلى الشوارع لمجرّد شعورهم بعدم الرضا، فإسرائيل شنت هجومها على إيران وهي في أدنى مستوى من الشرعية وأسوأ وضعية اعتبارية لها، وما زالت كذلك، ومن اللافت أنّ النزاعات الأخيرة بين حماس وإسرائيل تشبه إلى حد كبير وضعية الحركة الفدائية قبل الثورة الإيرانية.
كيف ذلك؟
رغم أنّ الحركة الفدائية في إيران هُزمت أمام نظام الشاه، إلا أنّها أدّت إلى تراجع شرعية النظام الملكي، بحيث ساهم هذا التراجع لاحقا في بروز حركة جماهيرية عجّلت بسقوط حكم الشاه، وإسرائيل اليوم تعيش وضعا مشابها، إذ تمرّ بأسوأ ظروفها الاعتبارية في المنطقة والعالم.
وبخلاف المرات السابقة، حيث كانت الأجهزة الدعائية تجد مبررات لهجماتها على دول الجوار كلبنان وسوريا وفلسطين، فإن هذه الشرعية زالت تماما الآن، ولم تتمكن حتى الدعاية الإسرائيلية الواسعة من استعادتها، وهذا الانعدام في شرعية إسرائيل أثّر بدوره على سلوك الإيرانيين، إذ امتنعوا عن أي تحرك قد يُفسَّر على أنه دعم أو تعزيز لمهاجم فقد مكانته واعتباره (إسرائيل).
هل يعني ذلك أن الإيرانيين يريدون إصلاحا من الداخل وبالاعتماد على قوتهم الوطنية، لا عبر تدخل خارجي بلا شرعية؟
إن الإيرانيون يريدون تغييرا محسوبا لا بأي ثمن، بخلاف معارضة الخارج، فهم يرفضون إسقاط النظام عبر حرب مكلفة ويفضّلون تحولات أقل كلفة على المجتمع، كما أن موقف المثقفين والشخصيات المجتمعية، خصوصا معارضتهم للهجوم الإسرائيلي ودعمهم لوحدة إيران، عزّز الالتفاف حول الأمن القومي.
والرسالة كانت واضحة، فزمن الحرب ليس ظرفا مناسبا لدفع الإصلاحات، بل للحفاظ على سلطة مركزية قوية، وهو ما تؤكده دروس التجارب الإقليمية.
ما دلالات الاصطفافات السياسية الجديدة في إيران بعد حرب الـ12 يوما، خصوصا مع تراجع فكرة التصفية وظهور أساليب جديدة للإصلاحيين والأصوليين؟
أرى أن مصطلحي اليمين واليسار لا يعبّران بدقة عن الاصطفافات السياسية في إيران، والأقرب استخدام المحافظون والمطالِبون بالتغيير. فالمحافظون أو الأصوليون يسعون لتثبيت الوضع القائم أو تغييره بأدنى حد، بينما يطالب الطرف الآخر بإصلاحات وتحولات أوسع، لكن كلمة إصلاحي لا تكفي لوصفه، فكلا الطيفين يضم جماعات متعددة، ولا يشكلان كيانا حزبيا موحدا.
فداخل معسكر المحافظين يوجد ثلاث قوى رئيسية: أقلية راديكالية صاخبة سيطرت على الحكم في فترتي الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد والرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، وأغلبية تمثل المحافظين التقليديين، وأقلية تميل للاعتدال والبراغماتية، ما يجعل التوزيع طبيعيا بين أقصى اليمين وأقصى الاعتدال والوسط.
وفي معسكر المطالبين بالتغيير، توجد أقلية معتدلة، بينما تشكّل الأغلبية تيارا يسعى لتحوّلات جوهرية ضمن إطار الدستور، ويركّز على تغيير البُنى الواقعية للسلطة من دون المساس بالبُنى القانونية، ويتمحور حول الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي وبياناته الأخيرة.
وداخل معسكر التغيير توجد أقلية راديكالية تطالب بإصلاحات دستورية باعتبارها شرطا للاستقرار، وبذلك يتشابه كلا الطيفين، المحافظ والتغييري، في امتلاكهما أقلية متشددة، وأقلية معتدلة، وأغلبية وسطية.
كيف يمكن تحليل التحولات الجارية في عمق الطيف السياسي؟
إن ما حدث هو أن الأجنحة المعتدلة والوسطية أو البراغماتية داخل المحافظين بدأت تقترب من الأجنحة الوسطية والمعتدلة لدى الإصلاحيين، وأرى أن هذه الأطراف تتحرك نحو ائتلاف أوسع قد يكتسب شكلا حزبيا أو تنظيميا.
فمن جهة المحافظين يمكن إدراج الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ضمن هذا الطيف، ومن جهة الإصلاحيين يمكن إدراج أولئك الذين دافعوا عن سياسة الانفتاح وبعض النشطاء السياسيين الآخرين، وهذه التيارات عندما تجتمع على مبادئ مشتركة يمكن أن تؤدي دورا أفضل وأكثر تأثيرا كطيف وسطي، أما بقية الأجنحة في كلا المعسكرين فستبقى على حالها.
هذه التحولات السياسية التي تحدثتم عنها، هل يمكن تتبعها أيضا في فهم الناس للمعارضة؟ وما هي التغييرات التي مرت بها المعارضة؟
في المعارضة الإيرانية يبرز تياران أساسيان: الملكيون ومجاهدو خلق، وكلاهما يسعيان للسلطة عبر العنف والاعتماد على دعم خارجي، وخصوصا من إسرائيل واليمين الأمريكي، مع تعاون استخباراتي وتمويل وإسناد إعلامي وعسكري، ورغم امتلاكهما موارد كبيرة، فهما أقلية محدودة، وبعد حرب الأيام الـ12 اتضح موقعهما أكثر، بينما تسعى بقية المعارضة للتمايز عنهما.
أما داخليا فيُحتمل ولادة قوة سياسية معتدلة جديدة نتيجة تقارب بعض الإصلاحيين مع محافظين، على غرار تجربة حزب كوادر البناء التي جمعت قوى من اليمين واليسار في إطار واحد.
في مثل هذه الظروف، هل يمكن لنظام الحكم أن يجد طريق الصلاح والنجاة والإصلاح بالاعتماد على هذه القوى السياسية؟
إن النظام في إيران لم يعد يمتلك القدرة على اتخاذ القرارات في وقتها أو إحداث تحولات داخلية، لذلك من الصعب أن يغيّر نفسه، ولكن إذا توفرت إرادة لذلك، فالمطلوب أولا السعي الجاد لاتفاق مع القوى العالمية وإنهاء حالة لا حرب ولا سلام، بما يعزز ثقة الناس ويمنح النظام دعما شعبيا.
ثانيا، إن القيام بخطوات رمزية واضحة تدل على التغيير، مثل إبعاد شخصيات مرتبطة بالجمود أو مثيرة للجدل، غير أن هذه التحركات يجب أن تأتي في التوقيت المناسب لتترك أثرها، إذ إن قرارات متأخرة، كإقالة بعض الأئمة أو بقاء تركيبة مجلس صيانة الدستور المتصلبة، أظهرت عجز النظام عن الاستفادة من مثل هذه الفرص.
كما أن إنهاء الإقامات الجبرية وإطلاق بعض السجناء السياسيين يمكن أن يكون مؤشرا على بداية تحول جديد، وكذلك إصلاح الإذاعة والتلفزيون اللذين يفقدان ثقة الناس ولا يعكسان أي أمل بالتغيير، لذلك، من المهم القيام بخطوات رمزية تثبت جدية الحكومة في الإصلاح، مع تجنب الشعارات الكبيرة والاكتفاء برسائل واقعية ومحدودة تعكس استعدادا فعليا للاستجابة لمطالب الشعب.
هل تقول إنه لا ينبغي أن نأمل إصلاح مسار الاختلالات؟ ألا ترى حلا لعبور التحديات؟
لا يوجد حل سريع لمشكلات إيران، لكن يمكن تجاوز الأزمات عبر تحديد أهداف قصيرة المدى والعمل بجدية لتحقيقها، ويكفي أن تركز الحكومة في ثلاث سنوات على ثلاثة أولويات: خفض أزمة المياه، وتحسين النمو الاقتصادي، وكبح التضخم، وبعد ذلك، ينبغي الالتزام بالحلول التي يتفق عليها الخبراء، سواء تعلقت بالسياسة الخارجية أو بالإصلاحات الاقتصادية.
وحتى لو تضررت بعض الفئات مؤقتا، فإن اتباع نهج مبني على إجماع النخب يساعد المجتمع على العبور من الأزمات.

