- زاد إيران - المحرر
- 453 Views
تبدو السينما الايرانية للوهلة الاولى مجرد فضاء فني يحاول تقديم قصص انسانية وجمالية، إلا أن نظرة أعمق تكشف انها ميدان صراع دائم بين الإبداع والرقابة، وبين حاجات المجتمع الى التعبير الحر ورغبة الدولة في ضبط الخطاب الثقافي، فمنذ عقود، تحولت السينما في إيران إلى وسيلة مقاومة ناعمة لا تصرخ في وجه السلطة، لكنها تجرح صمتها، وتكشف تناقضاتها، وتقدم سرديات لا تستطيع الدعاية الرسمية احتواءها، ومع تضييق الرقابة وتعدد مؤسساتها، لجأ السينمائيون الى الرمزية والتورية واللغة البصرية المشفرة، ما جعل افلاما كثيرة تقول ما لا يقال وتنتقد ما لا ينتقد، وتفتح نوافذ صغيرة في جدار سياسي كثيف.
يسعى هذا التحقيق الاستقصائي الى تفكيك العلاقة المعقدة بين المبدع والرقابة، وتوضيح كيف تحولت السينما الايرانية إلى خرائط مقاومة تتشكل بالصورة والصمت والاشارة، كما بتناول الصراع بين أفلام مستقلة تمنع محليا وتحصد جوائز عالمية، وبين اعمال توسم بالمعارضة تنتج بتمويل رسمي وتوظف لتجميل صورة النظام.
الغاية هنا ليست الحكم على السينما او السلطة، بل فهم آلية التفاوض الخفية التي تحدد ما يمكن ان يظهر على الشاشة وما يجب أن يظل في الظل، وهنا، يظهر سؤال جوهري يرافق هذا التحقيق، هل تمثل سينما المقاومة في إيران فعلا احتجاجيا حقيقيا، أم انها مجرد هوامش محسوبة تسمح بها السلطة كي تضبط مستوى الاحتقان وتقدم نفسها في الخارج كدولة متصالحة مع النقد الفنى؟
تاريخ الرقابة السينمائية في إيران وتحولاتها
من الصعب دراسة سينما المقاومة في إيران دون العودة الى جذور الرقابة التي سبقت ظهورها بزمن طويل، فقد رافقت السينما الإيرانية منذ بداياتها فكرة ان الصورة ليست بريئة، وأنها قادرة على تهديد البنى الاجتماعية والدينية والسياسية، ففي الحقبة التي سبقت ثورة 1979، لم تكن الرقابة مجرد إجراء اداري، بل كانت جزءا من رؤية الدولة البهلوية التي كانت ترى في السينما أداة يمكن ان تعيد تشكيل وعي الجمهور، ولذلك تعاملت معها بحذر شديد.
قامت الرقابة آنذاك على ثلاثة أسس اساسية هي الحشمة، وضبط ظهور المرأة، وتجنب اي انتقاد مباشر للسلطة، وكان على المخرج ان يوازن بين رغبته في تقديم قصة واقعية وبين القيود التي تمنعه من الاقتراب من مواضيع حساسة مثل الفقر، أو القمع السياسي، أو الصراعات الطبقية.
ورغم ان السينما في تلك الفترة بدت أكثر تحررا مقارنة بما جاء لاحقا بعد الثورة، إلا أن الرقابة بقيت حاضرة كعين تفتش داخل كل كادر بحثا عما يمكن اعتباره انحرافا عن الخط العام للدولة، وقد شكلت تلك المرحلة بذور الصراع الأول بين السينمائي والرقابة، صراع سيزداد حدة وتعقيدا في العقود التي تلت، ليصبح جزءا لا يتجزأ من هوية السينما الايرانية نفسها.
بعد الثورة الإسلامية، تغير شكل الرقابة ومضمونها، وانتقلت من رقابة اجتماعية وسياسية خجولة الى رقابة عقائدية مؤسسية، فقد تأسست وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، والتي كانت من أولى المؤسسات الوزارية التي تحمل طابع الثورة الجديدة، لتكون الجهة التي تمنح التصاريح وتراقب النصوص وتحدد ما إذا كان الفيلم صالحا للعرض، لكن الأمر لم يقتصر على القوانين المكتوبة، إذ ظهرت منظومة غير مكتوبة تحكم تفاصيل دقيقة مثل طريقة ظهور المرأة، طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء، مستوى النقد المسموح به تجاه مؤسسات الدولة، بل وحتى شكل النهاية المقبولة للفيلم. وهكذا نشأت سينما تبدو حرة من الخارج، لكنها تتحرك داخل متاهة من الخطوط الحمراء.
مع مرور الزمن، بدأ شكل الرقابة يعكس طبيعة المرحلة السياسية، ففي عهد أحمدي نجاد اشتدت القيود ازدادت حساسية الدولة تجاه أي طرح سياسي، بينما شهدت فترة روحاني قدرا من الانفتاح النسبي أتاح لبعض المخرجين هامشا أوسع، ولو كان محدودا. أما مع رئاسة ابراهيم رئيسي فقد عاد التشدد بقوة، وأصبحت الرقابة أكثر ارتباطا بالأمن منها بالثقافة، حيث بات من الممكن منع فيلم بعد عرضه، ليس بسبب مضمونه الفني، بل بسبب ردود فعل الجمهور او المصالح السياسية في تلك اللحظة.
هذا التداخل بين الرقابة الثقافية والرقابة الأمنية منحها طابعا متقلبا و صعب التنبؤ به، فالجهة التي تمنح تصاريح التصوير ليست بالضرورة الجهة التي تسمح بالعرض، كما ان مؤسسات امنية قد تتدخل بعد اكتمال الفيلم لتجبر المخرج على حذف مشاهد او اعادة المونتاج، وفي حالات عديدة، كان المنع يأتي بعد مشاركة دولية ناجحة، مما يعكس حساسية الدولة تجاه الصورة التي تقدمها السينما للخارج.
شهدت إيران أيضا حالات منع شهيرة لمخرجين وكتاب وممثلين، وأصبحت ظاهرة السجن المنزلي للسينمائي جزءا من القاموس الثقافي في البلاد، فجعفر بناهي، على سبيل المثال، منع من العمل والسفر، لكنه واصل صناعة الافلام بطرق مبتكرة أتاحت له المشاركة في المهرجانات العالمية من دون مغادرة منزله، وهذا التناقض بين التضييق الداخلي والتألق الدولي يعكس مكمن الازمة، سلطة تحاول السيطرة على الصوره في الداخل، لكنها تفشل في ضبط صداها في الخارج.
تاريخ الرقابة في إيران هو تاريخ شد وجذب بين السلطة والمجتمع، بين محاولات الاحتواء ورغبة الناس في التعبير، ومع كل منع جديد، كانت تظهر أساليب جديدة للتحايل، ومع كل تضييق كان يتولد شكل جديد من الرمزية. وهكذا، لم تعد الرقابة مجرد سلطة قمع، بل اصبحت عنصرا فاعلا في صياغة هوية السينما الايرانية، تشكل أساليبها وتحدد مساراتها وتدفعها نحو مزيد من الابداع المراوغ.
ولادة سينما المقاومة كأداة احتجاج ناعمة
لم تولد سينما المقاومة في إيران كتيار فني مكتمل الملامح، بل نشأت ببطء شديد، ومن بين طبقات كثيفة من الرقابة والقلق والبحث عن صيغ جديدة للتعبير. فبعد الثورة، ومع تشكل النظام السياسي الجديد، تحولت الرقابة من مجرد اجراء اداري الى منظومة ايديولوجية متكاملة، تحاول إعادة تعريف ما هو مسموح وما هو ممنوع، وما يجب على السينما قوله، وما لا يجب ان يقال. ومع اشتداد هذه الرقابة، وجد المخرجون أنفسهم امام سؤال وجودي، وهو كيف يمكن صناعة سينما تقول الحقيقة في بيئة لا تسمح حتى بذكرها. وفي هذا المناخ، أصبح الالتفاف على القيود ليس خيارا فنيا فقط، بل ضرورة للبقاء.

في الثمانينات والتسعينات، بدأت تتشكل ملامح هذا التيار عبر أعمال تبدو بسيطة لكنها في جوهرها مقاومة، مثال ذلك فيلم البقرة لداريوش مهرجوي، وهو أحد الآباء المؤسسين للسينما الإيرانية الحديثة، إذ اعتمد مهرجوي على قصة رمزية عن رجل يتعلق ببقرته حتى الجنون، لكن الكثيرين قرأوا الفيلم باعتباره نقدا لبنية اجتماعية مختنقة، لاحقا، جاء عباس كيارستمي بأعمال مثل أين يقع بيت صديقي وطعم الكرز ليؤسس لغة تعتمد على الصمت واللقطات الطويلة والعوالم المثقلة بالمعاني، كان كيارستمي يدرك ان الكاميرا يمكن ان تتسلل الى اعماق المجتمع من دون ان تطلق تصريحا سياسيا واحدا، وان اللقطة البسيطة يمكن ان تحمل شحنة احتجاجية أعمق من خطاب مباشر.

شيئا فشيئا، اكتشف المخرجون ان التعبير المباشر لن يقود الا الى المنع، وان التصريح قد يصبح قضية امنية، بينما الاشارة تستطيع ان تمر عبر الفلاتر الرقابية دون ان تفقد معناها، وهكذا ظهرت مدرسة بصرية تعتمد على الألوان غير المريحة، والظلال الثقيلة، والوجوه الصامتة، والكاميرا المحمولة التي تتبع الشخصيات كأنها تراقبها، فيما تعتبر أفلام مسعود كيميايي أحد النماذج المبكرة التي استخدمت الرمزية للتعبير عن الخوف والقمع، حيث تحولت حركة الشخصيات داخل المدينة الى استعارة لحركة المواطن داخل دولة تراقب كل شيء.

كانت الخطوة الحاسمة في تشكل سينما المقاومة هي إدراك المخرجين ان الصورة يمكن ان تنتقد من دون ان تقول حرفا واحدا، فالمشهد الذي يظهر بابا مغلقا قد يصبح تعليقا سياسيا على انسداد الأفق، واللقطة التي تظهر امرأة محجبة تمشي وحدها في شارع خال قد تحمل في داخلها نقدا لمسألة العزلة الاجتماعية المفروضة على النساء، ففي أفلام كيارستمي وبهمن قبادي، تحولت التفاصيل الصغيرة الى اشارات سياسية واجتماعية واضحة.


ومع ظهور جيل جديد من السينمائيين في مطلع الالفية، مثل جعفر بناهي و أصغر فرهادي ورضا درميشيان، تغيرت معادلة المقاومة الفنية، فلم يعد الأمر مجرد استخدام الرمزية للنجاة من الرقابة، بل تحول الى مشروع منظم يبتكر سرديات جديدة تكشف تناقضات الواقع. فعلى سبيل المثال، فيلم الدائرة لجعفر بناهي قدم نقدا لاذعا للقيود المفروضة على النساء، وهو فيلم منع داخليا لكنه فاز بجائزة الاسد الذهبي في مهرجان فينيسيا. كذلك فيلم اوف سايد الذي تناول منع النساء من دخول الملاعب، وقد صور بناهي الفيلم بشكل سري قرب استاد ازادي، معتمدا على كاميرا صغيرة تجنبا للرقابة.


في المقابل، جاءت تجربة أصغر فرهادي لتقدم شكلا آخر من المقاومة، فأفلامه مثل انفصال والبائع تقوم على أزمات اخلاقية، لكنها في عمقها تفضح خللا عميقا في البنية الاجتماعية والسياسية، مشاهد الانهيار الأسري والاحتكاكات اليومية بين الناس تحولت في يد فرهادي الى مرآة تكشف حجم الضغوط التي يفرضها النظام القيمي والرقابي على الأفراد، لم يكن فرهادي صاخبا في نقده، لكنه كان جارحا في دقته، وهذا ما جعل أفلامه محط احتفاء عالمي وفي الوقت نفسه محل ريبة محلية.

ومع اندلاع الاحتجاجات عام 2009 ثم موجة الغضب الواسعة عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني، اكتسبت سينما المقاومة نبرة أكثر وضوحا، فأفلام مثل لا يوجد شيطان لمحمد رسولوف، الذي تناول سياسة الإعدام في إيران، اصبحت علامات فارقة، وقد منع رسولوف من السفر ومنعه القضاء من العمل، بينما اضطر درميشيان إلى مغادرة البلاد بسبب مواقفه، ومع ذلك، واصلت هذه الافلام طريقها الى المهرجانات العالمية، لتكشف ان المقاومة الفنية لا يمكن اخمادها بالكامل.

ومع تراكم هذه التجارب، أصبحت سينما المقاومة ليست مجرد التفاف على الرقابة، بل مشروع إبداعي يعيد تعريف العلاقة بين الفنان والواقع. فالمخرج، حين يعرف أنه مراقب، يتعلم كيف يستخدم صمت الشخصية كجملة سياسية، وكيف يجعل لقطة الطريق رمزا للبحث عن الحرية، وكيف يحول غياب الموسيقى الى توتر يفضح القمع. وهذا النوع من السرد المتقطع، الذي يترك فراغات كثيرة ليملأها المشاهد، أصبح سمة اساسية للسينما الايرانية الحديثة.
وفي كل هذه التجارب، يظهر ان سينما المقاومة ليست حركة منظمة ولا بيانا سياسيا، لكنها حالة فنية تتشكل كلما ضاقت المساحات الرسمية للتعبير. إنها سينما تعتمد على الهمس أكثر من الصراخ، لكنها رغم ذلك تحدث ضجيجا كبيرا، ليس فقط في إيران، بل في العالم كله، فهي تقول للحكومة شيئا، وللجمهور شيئا اخر، وللعالم شيئا ثالثا، لكنها في النهاية تحافظ على جوهر واحد، أن الفن يمكن ان يقاوم حتى وهو يمشي على أطراف أصابعه.
السينما المعارضة الرسمية بين الحقيقة والدعاية
تحتل مسألة المعارضة المسموح بها في السينما الايرانية موقعا مركزيا في النقاش الثقافي، خصوصا مع توسع دور الرقابة الرسمية منذ مطلع الألفية، فالسلطات الإيرانية، بحسب ما توثقه تقارير صحافية دولية، تنتهج سياسة تقوم على السماح بنوع محدود من النقد الاجتماعي، مقابل منع صارم لأي عمل يقترب من نقد بنية السلطة نفسها، وهذا ما أدى إلى ظهور فئة من الأفلام التي تبدو نقدية في ظاهرها لكنها تتحرك ضمن هوامش دقيقة تضعها وزارة الارشاد الاسلامي، فيما تبقى الأعمال التي تتناول القضايا السياسية العميقة عرضة للمنع أو العقاب.
أحد أشهر الامثلة التي تكشف هذه الازدواجية هو تعامل الدولة مع افلام جعفر بناهي و محمد رسولوف، فبناهي، الحائز على جوائز من مهرجانات عالمية مثل برلين وكان، منع من العمل لمدة عشرين عاما حسب حكم قضائي صدر عام 2010، بعد اتهامه بالدعاية ضد النظام، وعلى الرغم من هذا المنع، واصل بناهي إنتاج أفلام مثل هذا ليس فيلما والتاكسي وثلاثة أوجه، التي عرضت جميعها في مهرجانات دولية، بينما لم يسمح بعرضها داخل إيران، في المقابل، عرضت الدولة في المهرجانات المحلية أفلاما ذات طابع اجتماعي نقدي خفيف، مما عزز مفهوم المعارضة الشكلية التي لا تتجاوز الخطوط الحمراء.

وتتكرر الحالة نفسها مع محمد رسولوف، الذي أثار فيلمه المخطوطات لا تحترق ضجة عالمية بعد كشفه عمليات اغتيال المثقفين التي اتهمت بها أجهزة أمنية إيرانية في التسعينات، الفيلم منع تماما في الداخل، وصودر جواز سفر المخرج لاحقا، وفق تقارير موثقة لمنظمة هيومن رايتس ووتش، ثم عاد الجدل مع فيلمه لا يوجد شيطان، الذي فاز بجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين 2020، وتناول فيه نظام الاعدامات في إيران، ورغم تكريمه العالمي، لم يسمح بعرض الفيلم داخل البلاد، وتم توقيف رسولوف عام 2022 وفق وكالات أنباء دولية. هذه الوقائع تشكل أبرز الأدلة على أن النظام يميز بوضوح بين أنواع النقد: نقد يسمح به، ونقد يعاقب عليه.

في المقابل، نجد ان الدولة تسمح بعرض أفلام ذات طابع اجتماعي نقدي لكنها لا تطاول الا البنى السطحية للمشكلات، افلام مثل ابد ويوم واحد وست ونص لكل متر لسعيد روستايي، تناقش الفقر والمخدرات وتفكك العائلة، لكنها لا تقترب من البنية السياسية التي تنتج هذه الازمات، هذه الأعمال حصلت على ترخيص كامل وعرضت في مهرجان فجر السينمائي، أهم مهرجان حكومي في إيران. ومع ذلك، فعندما قدم روستائي لاحقا فيلما يناقش مسألة الاحتجاجات بوضوح أكبر، تم استدعاؤه قضائيا عام 2023 بتهمة الدعاية المناهضة للنظام، هذا التطور يظهر الفارق بين النقد الاجتماعي المقبول والنقد السياسي المرفوض.

ويكشف تتبع قائمة الأفلام التي شاركت في مهرجان فجر خلال السنوات الماضية عن نمط متكرر، الأعمال التي تركز على أزمات المجتمع دون مساءلة السلطة تحصل على الجوائز والدعم الرسمي، بينما يتم إقصاء الأعمال المستقلة الجريئة. وقد وثقت مواقع سينمائية ايرانية معارضة هذا النمط، بما في ذلك امثلة افلام انتقدت الفقر والادمان والعنف الاسري، لكنها بقيت ضمن الخطاب الآمن الذي لا يزعج السلطات.
كذلك تلعب بعض المؤسسات الثقافية التابعة للدولة مثل مؤسسة فارابي السينمائية ورابطة سينما الثورة دورا مباشرا في توجيه الإنتاج، عبر منح التمويل للأعمال التي تتماشى مع الخطاب العام، وتشير تقارير صحافية ايرانية الى ان هذه المؤسسات لا تمنح الدعم إلا بعد التأكد من التزام العمل بالرؤية الرسمية. ورغم عدم وجود وثائق حكومية علنية بهذا الخصوص، إلا ان شهادات سينمائيين بارزين مثل رامين بحراني ومهدي كرمي، المنشورة في مقابلات مع منصات دولية، تؤكد وجود هذه الآلية.

ومن هنا يمكن القول إن السينما المعارضة الرسمية في إيران ليست معارضة بالمعنى الحقيقي، بل هي جزء من هندسة الوعي التي تحاول السلطة ممارستها، فهي تسمح بنوع من النقد الذي ينفس الاحتقان ولا يغيره، وتمنع العمل الذي يحول النقد الى سؤال سياسي. هذا التمييز الموثق من خلال حالات بناهي ورسولوف وروستائي يكشف بوضوح حدود الحرية السينمائية في إيران، ويفسر لماذا تتعايش في المشهد الايراني افلام اجتماعية جريئة تعرض رسميا، وافلام سياسية جريئة لا ترى النور إلا خارج البلاد.
المعادلة الغريبة بين المنع المحلي والتكريم العالمي
تعيش السينما الايرانية مفارقة فريدة تكاد لا تتكرر في اي بلد اخر، اذ يجري منع عدد من اهم الافلام محليا في الوقت الذي تحصد فيه جوائز كبرى في مهرجانات عالمية مثل كان و برلين و البافتا والاوسكار. هذا التناقض لا يعكس فقط اختلاف الذائقة بين الداخل والخارج، بل يكشف أيضا طبيعة الصراع بين المبدع والسلطة، ويكشف الحجم الحقيقي للقيود التي تحاصر الفن داخل البلاد، فالفيلم الذي يعتبره النظام مهددا للأمن الاجتماعي والسياسي، يراه العالم قصة انسانية عميقة، مما يطرح سؤالا ملحا حول الجهة التي تفهم روح المجتمع على نحو أدق، الدولة ام السينمائيون.

يرى كثير من النقاد ان السبب الرئيسي وراء هذا التناقض هو ان الخارج ينظر الى السينما الايرانية باعتبارها نافذة نادرة على مجتمع مغلق نسبيا، في حين تتعامل السلطات مع هذه الأفلام بوصفها تهديدا لصورتها، فحين يعرض فيلم مشهد ظلم اجتماعي أو تعسف اجراءات او انتهاك لحقوق فردية، يقرأه النقاد الدوليين ككشف فني شجاع، بينما تراه الرقابة محاولة لتشويه سمعة الدولة، وبهذا يتحول الخطاب السينمائي من مسالة جمالية الى صراع على الرواية الرسمية، حيث تحاول السلطة فرض روايتها داخل الحدود، بينما يسمح العالم لرواية أخرى بالظهور.

هذا ويشير بعض الباحثين إلى ان هذه الفجوة ليست مجرد اختلاف في تقييم الجودة الفنية، بل اختلاف في فهم وظيفة السينما، فالمهرجانات العالمية تحتفي بالافلام التي تكشف معاناة الإنسان وتنتقد البنى القمعية، بينما ترى الدولة ان السينما يجب ان تعزز القيم التي تتبناها السلطة، من الاستقرار الى الطاعة الى الأخلاق العامة كما يعرفها الخطاب الرسمي، وبذلك يصبح الفيلم الجيد بالنسبة للمجتمع الدولي هو ذاته الفيلم الخطير بالنسبة لصانع القرار المحلي، وهو ما يفسر طوابير التكريم العالمية مقابل قرارات المنع الداخلية.
من ناحية أخرى، يستخدم بعض المخرجين نجاحهم الدولي كدرع يحميهم نسبيا من الإجراءات العقابية، ولو بشكل محدود، فالحصول على جائزة مرموقة قد يجعل من الصعب على السلطة اتخاذ خطوات قاسية، خشية ردود الفعل الدولية. ومع ذلك، فان هذا النجاح لا يوفر حصانة كاملة، بل يضع بعض الفنانين تحت مراقبة اشد، لأنهم يصبحون في نظر السلطة اصواتا مؤثرة قادرة على نقل صورة مختلفة عن الصورة الرسمية التي تسعى الدولة الى تثبيتها، وبذلك، يتحول الاعتراف الدولي الى سلاح ذي حدين، يحمل معه المكافأة والتهديد في آن واحد.
المثير في الأمر ان الجمهور الايراني نفسه لا يتمكن في كثير من الحالات من مشاهدة الأفلام التي تمثل بلاده عالميا، فبعضها لا يحصل على تصريح عرض داخلي، وبعضها يعرض في نطاق ضيق جدا لا يصل لجمهور واسع، وهذا يخلق شعورا مزدوجا لدى الجمهور، بين اعتزاز بقدرة السينما الايرانية على المنافسة عالميا، وحسرة على عدم القدرة على مشاهدة هذه الأعمال التي يفاخر بها العالم. هذه الفجوة بين الاعتراف الخارجي والحرمان الداخلي تعمق الشعور بان الثقافة في إيران محكومة بمعايير سياسية قبل ان تكون فنية.
لقد صنعت هذه المفارقة سمعة مميزة للسينما الايرانية على المستوى الدولي، اذ ينظر إليها كثيرون باعتبارها فنا يقاوم الرقابة من خلال الرموز والإيحاءات. ومع كل منع جديد، تزداد رغبة العالم في معرفة ما تخشاه السلطة، وتزداد رغبة الفنان في التعبير عما لا يقال. وهكذا، يتحول المنع نفسه الى شكل من أشكال الدعاية غير المقصودة، يدفع الافلام المحاصرة الى واجهة النقاش العالمي ويمنحها معنى أكبر مما كانت ستحصل عليه لو سمح لها بالعرض محليا.
العلاقة الغامضة بين الرقابة والإبداع وحدود الحرية الحقيقية في السينما الايرانية
تمثل العلاقة بين الرقابة والإبداع في السينما الايرانية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا في المشهد الثقافي الحديث، فبينما يفترض ان تكون الرقابة نقيضا مباشرا للإبداع، يكشف الواقع ان القمع احيانا يدفع الفنانين الى ابتكار أساليب جديدة للتعبير، حيث تتحول القيود الى محفزات تولد لغة فنية قائمة على الرمز والإيحاء. ومع ذلك، فإن هذا التفسير الرومانسي للعلاقة يخفي حقيقة أكثر قسوة، وهي ان الابداع في إيران يظل محاصرا بحدود ضيقة، مهما حاول الالتفاف على القيود، وهذا ما يجعل السينما الايرانية تبدو في آن واحد حرة ومقيدة، مبتكرة ومكبلة، ناطقة وصامتة.

يعرف المخرجون في إيران منذ بداية أعمالهم انهم يعملون تحت سقف منخفض للغاية، ما يجبرهم على التفكير في كل لقطة وفي كل حركة كاميرا قبل ان يخطوها. ورغم ان بعضهم يرى في ذلك فرصة لصناعة سينما تعتمد على العمق البصري، إلا أن الضغط الدائم يترك أثرا نفسيا لا يمكن تجاهله. فالمخرج هنا ليس مجرد فنان، بل متهم محتمل، ومراقب ملزم ان يبرر كل قرار فني امام لجان رقابية قد تغير موقفها بين ليلة وضحاها، هذا التوتر يولد سينما تحمل في داخلها نبرة قلق واضحة، نبرة تقول للجمهور ان كل شيء هنا محاط بالخطر.
يتجلى هذا الضغط في مرحلة كتابة السيناريو، حيث يلجأ بعض المخرجين الى كتابة نسختين، نسخة موجهة للرقابة تبدو بسيطة وغير مثيرة للجدل، ونسخة اخرى حقيقية يتم تصويرها في الخفاء أو تمريرها في مونتاج مختلف. هذه الاستراتيجية تكشف عن مقدار الجهد الذي يبذله الفنان لتجاوز القيود، لكنها تكشف أيضا عن حدود الحرية المسموح بها، فالأعمال الجريئة لا يمكن ان تولد إلا من الخداع الفني، لا من مساحة الحرية الرسمية، وهذا يجعل العملية الابداعية مرتبطة منذ بدايتها بفكرة الصراع مع السلطة، وليس فقط بفكرة السرد الفني.
في مرحلة التصوير، يتعامل المخرج مع رقابة من نوع اخر، وهي الرقابة الذاتية، فحتى في غياب الرقيب الفعلي، يبقى الخوف حاضرا، لأن الفنان يعرف ان اي خطأ قد يحرمه من العمل سنوات طويلة، ولهذا نجد الكثير من المشاهد تعتمد على الغياب أكثر من الحضور. فالشخصيات لا تتصادم مباشرة، والأحداث لا تنفجر في لحظة واحدة، والرسائل لا تقال بصوت مرتفع. كل ذلك نابع من وعي الفنان بأن الصورة الخاطئة قد تصبح دليلا ضده أمام محكمة تعاقب حتى النوايا، وهكذا يتحول الصمت الى لغة، والظلال الى خطاب، واللقطة البسيطة إلى مساحة معقدة من الدلالات.

لكن رغم كل هذه القيود، انتجت إيران واحدة من أكثر السينمات عمقا وتأثيرا في العالم، وهو ما يدفع البعض الى القول ان الرقابة ساهمت في توليد جماليات جديدة. غير ان هذا القول يحتاج الى تفكيك، لان الابداع الذي يولد تحت الضغط لا يعني بالضرورة ان الحرية غير ضرورية. فالرمزية قد تكون بديلا ناجحا حين تغلق الأبواب، لكنها لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن التعبير المباشر. ومن هنا يظهر السؤال الجوهري: ماذا سيحدث لو رفعت الرقابة بالكامل؟ هل ستفقد السينما الايرانية جزءا من روحها، ام انها ستزدهر بحرية أكبر
يشير بعض السينمائيين الى ان رفع القيود قد يمنحهم فرصة لتجربة أساليب سرد جديدة، وتناول قضايا كانت محرمة تماما، مثل الانتهاكات السياسية، وقضايا المرأة، أو النقد المباشر للسلطة. بينما يرى اخرون ان جزءا من هوية السينما الايرانية مرتبط بالفعل بالقيود التي شكلت لغتها الخاصة. ولكن مهما اختلفت الآراء، تبقى الحقيقة ان علاقة الرقابة بالإبداع علاقة غير طبيعية، لأن الفنان يجب ان يعمل بحرية كي يعبر بدقة عن صوته الداخلي، لا تحت ظل قيد سياسي او أمني.
أما حدود الحرية الحقيقية في السينما الايرانية فهي حدود مرسومة بعناية، يمكن للفنان ان يقترب منها لكنه لا يستطيع اختراقها. فهناك مواضيع يمكن تناولها رمزيا فقط، ومواضيع اخرى يمنع الاقتراب منها كليا، بما في ذلك قضايا النظام السياسي، او النقد المباشر للدين، او طرح صور تخالف نموذج المجتمع المثالي الذي تروج له الدولة. وفي كل مرة يحاول فيها مخرج كسر هذه الحدود، يواجه المنع او الملاحقة او الحرمان من العمل، مما يجعل الحرية في النهاية مجرد مساحة ضيقة لا تتسع الا لقدر محدود من التعبير.
في هذا السياق، يصبح الابداع مقاومة بحد ذاته، وتصبح السينما ساحة تفاوض بين الحقيقة والرقابة، بين الرغبة في التغيير والخوف من العقاب. وهكذا، تبقى العلاقة بين الرقابة والإبداع علاقة ملتبسة، لا يمكن فهمها إلا باعتبارها صراع وجود مستمر، يتقدم فيه الفنان خطوة ويتراجع خطوتين، لكنه رغم ذلك يواصل السير، لأنه يعرف ان السينما في إيران ليست مجرد فن، بل شكل من أشكال المقاومة اليومية.
السينما بين الصمت المفروض والصوت المستتر
تكشف رحلة البحث في عالم السينما الايرانية عن مشهد معقد يتداخل فيه السياسي والاجتماعي، والإبداعي بالرقابي، حتى يصبح من الصعب الفصل بين الحدود التي ترسمها السلطة والحدود التي يكسرها الفن، فسينما المقاومة ليست مجرد أفلام تعتمد على الرموز والإيحاءات، بل هي تعبير حي عن معركة طويلة يخوضها الفنانون كي يحافظوا على حقهم في قول الحقيقة، ولو عبر طريق ملتوية. ومع كل منع جديد، تظهر لغة جديدة للتعبير، ومع كل تضييق، يتولد شكل أكثر دهاء وقدرة على المناورة.
وبرغم القسوة التي تفرضها الرقابة، برعت السينما الايرانية في تحويل القيد الى اداة بصرية، وفي تحويل الصمت الى خطاب، وفي جعل القصص البسيطة مرايا تعكس ما يجري في المجتمع خلف الأبواب المغلقة، ولكن نجاح هذه السينما في الخارج، مقابل قمعها في الداخل، يكشف حجم الهوة بين رؤية الدولة للفن ورؤية الجمهور والمجتمع الدولي له، فالأفلام التي يخشاها النظام هي نفسها التي يصفق لها العالم، مما يعزز فكرة ان الفن، حين يكون صادقا، لا يمكن سجنه داخل حدود سياسية.
وفي النهاية، يظل السؤال قائما، هل تمثل سينما المقاومة في إيران فعلا احتجاجا حقيقيا، أم انها مجرد مساحة ضيقة تسمح بها السلطة لامتصاص الغضب وتجميل صورتها عالميا؟، يجب القول ان الحقيقة تقع بين هذين الطرفين، فهناك سينما مستقلة شجاعة تخاطر بكل شيء لتقديم رواية مختلفة، وهناك ايضا سينما معارضة شكلية تنتج داخل المؤسسات الرسمية، وما بينهما يظل المخرج الايراني يتنقل بحذر، يحاول ان يقول دون ان يقول، وان يكشف دون ان يعلن.
وما دام هذا الصراع قائما، ستبقى السينما الايرانية مساحة مقاومة لا يمكن اخمادها بالكامل مهما اشتدت القيود، لأن الرغبة في التعبير اقوى من كل أشكال القمع، وتظل الشاشة الكبيرة في إيران ساحة مواجهة صامتة، لكنها قادرة على اثارة ضجيج واسع، يكشف ما تحاول السلطة إخفاءه، ويمنح الجمهور نافذة يرى منها نفسه وحقيقته، حتى وان كانت تلك النافذة محاطة بالظلال والخوف.

