- زاد إيران - المحرر
- 558 Views
في منطقة تعج بالتحولات المتسارعة والنزاعات المتشابكة، لا يحتاج الشرق الأوسط سوى شرارة إضافية ليدخل نفقا جديدا من التصعيد. على مدار عقود، ظلت المعادلة الإقليمية قائمة على الردع المتبادل والمناورات السياسية، لكنّ المستجدات الأخيرة دفعت بالأمور نحو منحى غير مسبوق، لتتجه أنظار العالم نحو إيران مجددا، ولكن هذه المرة ليس بسبب برنامجها النووي فقط، بل بسبب التبعات المتوقعة لأعنف استهداف أمريكي مباشر لمنشآتها النووية.
ففي فجر الأحد، 22 يونيو/حزيران 2025، أعلنت الولايات المتحدة، وبالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، رسميا تنفيذ غارات جوية وصاروخية استهدفت ثلاث منشآت نووية رئيسية داخل إيران وهم موقع فوردو، ومنشأة نطنز، ومفاعل أصفهان. من جانبه وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطاب متلفز بث بعد العملية ببضع ساعات، العملية بأنها ضربة ناجحة للغاية، وان الولايات المتحدة تمكنت من القضاء على البرنامج النووي الإيراني، محذرا طهران من رد أعنف إن لم تسعَ إلى السلام.


ووفقا لمصادر استخباراتية، فقد أسفرت الضربات عن تدمير جزئي في منشأتي نطنز وأصفهان، فيما تشير تقديرات أولية إلى أن منشأة فوردو، الواقعة على عمق أكثر من 80 مترا تحت الأرض، تعرضت لأضرار جسيمة في بنيتها الداخلية، هذا وبينما لم تصدر إيران بعد تقديرا رسميا لحجم الخسائر، أظهرت صور الأقمار الصناعية تصاعد الدخان من محيط المنشآت، ما يشير إلى استهداف دقيق للبنى التحتية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم. كما أفادت وكالة نور نيوز، التابعة لمجلس الأمن القومي الإيراني، بأن الدفاعات الجوية حاولت اعتراض بعض المقذوفات.
هذا، وقد سبب هذا الحدث عاصفة على المستوى الإقليمي والدولي، في منتصفها يطرح سؤال يمكن أن يشكل الصراع من جديد، وهو كيف سترد طهران على تلك الضربة؟ وهي التي توعدت من الآثار السلبية والتبعات الكارثية الناتجة عن هذا الفعل، وفي ظل التهديدات المتبادلة، رصد المحللون خمس سيناريوهات رئيسية مطروحة أمام إيران، تتفاوت من حيث خطورتها وأثرها الإقليمي والدولي.
السيناريو الأول يتمثل في توجيه ضربات صاروخية مباشرة للقواعد الأمريكية في المنطقة، لا سيما في العراق وقطر والبحرين. وبالفعل، صرح مسؤولون إيرانيون بأن “كل جندي أمريكي في المنطقة أصبح هدفا مشروعا”، بينما رفعت واشنطن حالة التأهب في سفاراتها وقواعدها العسكرية. غير أن خبراء، مثل الباحث كريم سجاد بور من مؤسسة كارنيغي، يحذرون من أن هذا السيناريو يوازي عملية انتحارية استراتيجيا، إذ سيُقابل برد ساحق قد يعصف ببنية النظام الإيراني نفسه.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في إغلاق مضيق هرمز أو تهديد الملاحة فيه، وهو الممر الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا، وقد ألمح البرلمان الإيراني إلى الموافقة المسبقة على مثل هذا الإجراء في حال اتُخذ قرار سياسي نهائي، لكنّ تداعيات هذا التحرك ستكون وخيمة على الاقتصاد الإيراني ذاته، إذ إن صادراته النفطية تمر من ذات المضيق، فضلا عن احتمال جرّ دول الخليج، الرافضة أصلا للتصعيد، إلى ساحة المواجهة.

السيناريو الثالث يركز على تفعيل الأذرع العسكرية الإيرانية في المنطقة، من حزب الله في لبنان إلى الحوثيين في اليمن، مرورا بالحشد الشعبي في العراق، فرغم تعهد أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، مؤخرا بدعم إيران، فإن التحركات الميدانية لتلك الجهات ما تزال محدودة حتى اللحظة، ويُعزى ذلك إلى الاستنزاف الكبير الذي تعرّضت له هذه الفصائل خلال السنوات الأخيرة، بفعل الهجمات الإسرائيلية المتكررة على مدار العام الماضي.



السيناريو الرابع، فيتعلق بشن عمليات تخريبية أو إرهابية ضد المصالح الأمريكية في الخارج، سواء في شكل هجمات إلكترونية أو عمليات اغتيال أو استهداف بعثات دبلوماسية، وهو خيار لا يُستبعد، خاصة في ظل ما أوردته شبكة NBC عن رفع مستوى المراقبة على عملاء إيرانيين داخل الولايات المتحدة. لكنّ هذا المسار محفوف بالمخاطر، إذ قد يدفع واشنطن نحو مزيد من التورط العسكري.
السيناريو الخامس والأخير يتمثل في امتناع طهران عن الرد الفوري، وتأجيل الانتقام إلى وقت لاحق، هذا التكتيك اعتمدته إيران في حوادث سابقة، منها اغتيال قاسم سليماني عام 2020 وتنفيذ عمليات الوعد الصادق 1 و2 والتي امتدت شهورا بعد الحدث، وقد تكون المصلحة الحالية للنظام تقتضي امتصاص الضربة، ثم محاولة استعادة الردع تدريجيا.
لكن، إلى أيّ هذه السيناريوهات قد تميل طهران؟ يشير مراقبون إلى أن خيار التصعيد المحدود هو الأرجح، فالقيادة الإيرانية، برئاسة المرشد الأعلى، علي خامنئي، تجد نفسها في موقف حساس، حيث إن أي تحرك مبالغ فيه قد يهدد بقاء النظام، بينما التراجع قد يُفسّر كضعف، وهو ما يتعارض مع عقيدتها السياسية.

على الجانب الآخر، تبدو الإدارة الأمريكية، بحسب المحللين، عازمة على فرض شروط جديدة لأي مسار تفاوضي قادم، لا يقتصر على الملف النووي، بل يشمل أيضا تفكيك شبكة الحلفاء الإقليميين لإيران. وهو ما يرفضه الإيرانيون حتى الآن.
في هذا السياق، من الممكن أن تلجأ طهران إلى سياسة النفس الطويل، عبر دعم محدود لحلفائها الإقليميين دون الانخراط المباشر، وانتظار تغير الظروف أو بروز وساطة دولية، ويُذكر أن الصين وروسيا دعتا الطرفين إلى ضبط النفس، مع توجيه انتقادات مبطنة للولايات المتحدة.
في ضوء هذا التصعيد، يبدو أن المنطقة باتت أمام لحظة فارقة قد تعيد رسم معادلات الردع والنفوذ في الشرق الأوسط، وبينما تتعدد السيناريوهات أمام طهران، من الرد العنيف إلى ضبط النفس الاستراتيجي، يبقى العامل الحاسم هو توازن المكاسب والخسائر الذي قد يُبقي على الأزمة في إطارها الحالي أو يدفعها نحو انفجار واسع النطاق.
إيران، التي لطالما بنت نفوذها الإقليمي على معادلة الرد غير المباشر، تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة تقييم أدواتها التقليدية في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة وفقدان بعض قدراتها الردعية، خاصة بعد استهداف منشآتها النووية الحيوية. ومع أن الدعوات للتهدئة لا تزال تسمع من عواصم كبرى، إلا أن الميدان وحده من يملك الكلمة الفصل.

