غلق نقابة الصحفيين في طهران.. جدل يتجدد حول حرية الإعلام

يشهد الوسط الصحفي بإيران في الأسابيع الأخيرة، خصوصا بعد وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل في 24 يونيو/حزيران 2025، جدلا متصاعدا حول مستقبل العمل النقابي ودور الجمعيات المهنية في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق العاملين في هذا المجال، فمع تزايد الضغوط والتحديات التي يواجهها الصحفيون، تحولت النقاشات الداخلية بينهم إلى ساحة تعكس حجم القلق من تدخلات سياسية وإدارية قد تهدد استقلاليتهم، فيما يؤكد العديد من الصحفيين أن ما يجري لا يقتصر على خلاف إداري أو إجرائي، بل يرتبط بشكل مباشر بمكانة الصحافة في المجتمع، وبقدرتها على ممارسة دورها الرقابي في ظل بيئة معقدة تتسم بتشابك الحسابات السياسية مع الممارسات المهنية.

فقد أعلنت بلدية طهران برئاسة على رضا زاكاني، الأربعاء 20 أغسطس/آب 2025، عن قرار غلق مقر نقابة الصحفيين الإيرانيين الواقع في المنطقة الثالثة في العاصمة، مما أضطر النقابة إلى إخلاء مبناها، هذا وقد جاء القرار، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية، بدعوى مخالفات إدارية وقانونية، دون توضيح مفصل لطبيعة هذه المخالفات.

ووفقا للمصادر ذاتها، فإن القرار صدر بعد سلسلة من المراسلات بين الدوائر البلدية والنقابة، حيث اعتبرت البلدية أن المقر لا يستوفي الشروط اللازمة للاستمرار في نشاطه، لكن هذه المراسلات كانت تتوقف مؤقتا بعد وساطات واتصالات، إلا أن حدة المواجهة تصاعدت في الأيام الأخيرة، حيث أُرسلت قوات البلدية لإغلاق أبواب المبنى.

بيان النقابة.. شكوك في النوايا واعتداء على العمل النقابي

من جانبها، وردا على هذا الإغلاق الذي وصفته بالتعسفي، أصدرت نقابة الصحفيين بيانا الخميس 21 أغسطس/آب 2025، قالت فيه: “إن المفاوضات التي جرت خلال الأشهر الماضية بين نقابة الصحفيين وبلدية طهران لم تصل إلى نتيجة، حيث استعيد مقر النقابة وقام موظفو البلدية بإنزال لافتة النقابة من المبنى، الآن، لم يعد أمام النقابة المهنية الوحيدة للصحفيين في طهران سوى البحث عن مكان آخر لمتابعة حقوق أعضائها، أو مواصلة أنشطتها إلى إشعار آخر، في الشارع”.

وذكر البيان أنه “وفقا للبند السادس من المادة 55 لقانون البلديات، تتشكل لجنة لدعم الأنشطة الاجتماعية والثقافية تحت إشراف محافظ المدينة، وقد خصص مبنى النقابة للصحفيين ضمن هذا الإطار القانوني، لكن منذ بدء إدارة البلدية الجديدة، أصبحت هذه اللجنة عمليا غير فعالة، وبدأت عملية استرجاع انتقائي لبعض المباني، والسؤال هو من بين مئات المباني التي وضعتها بلدية طهران تحت تصرف مؤسسات وجهات وأشخاص مختلفين، لماذا يكون مكان مثل نقابة الصحفيين على رأس أولويات الإخلاء؟”.

وتابع بيان النقابة: “هل يجب اعتبار الإخلاء الإجباري لمؤسسات مثل بيت المفكرين في العلوم الإنسانية، وجمعية علماء الاجتماع، والآن نقابة الصحفيين، مجرد أحداث منفصلة، أم جزءا من مسار بدأ منذ مدة، ولن يطول الأمر حتى يطال مؤسسات وهيئات مستقلة أخرى أيضا؟، لماذا تكون النقابات المهنية والمؤسسات المستقلة أكثر عرضة للاستهداف من غيرها؟ هل مدينة طهران، كما تقول شعارات إدارة البلدية، مدينة للجميع، أم مدينة لفئات ومؤسسات خاصة أقرب في توجهاتها لرئيس البلدية نفسه؟”.

وتختتم بقولها: “إن الإخلاء الإجباري لمكتب نقابة الصحفيين ليس مجرد نزاع على مبنى، بل هو اعتداء صريح على استقلالية العمل النقابي، وحرية النشاط المهني للصحفيين، وعلى تعددية الأصوات في المجتمع، لقد كانت علاقة النقابة مع البلدية خلال العامين الماضيين قائمة على التعاون، لكن للأسف يبدو أن البلدية قد اختارت الآن مسارا آخر، وفي ظل هذه الظروف، يبقى للنقابة الحق في اللجوء إلى إمكانيات وطرق أخرى لمواجهة هذا الوضع”.

“لا نعامل وفق القانون.. بل على أساس تحيز سياسي”

قضية غلق النقابة جاءت لتسلط الضوء من جديد على واقع الصحفيين في إيران، في ظل اتهامات متكررة بوجود تضييقات على عملهم، في هذا الشأن صرح أكبر منتجبي، رئيس مجلس إدارة نقابة الصحفيين في محافظة طهران، في حديث مع صحيفة اعتماد الخميس 21 أغسطس/آب 2025، قائلا: “إن مبنى نقابة الصحفيين في طهران بدأت قبل أكثر من عام بقليل، حين كان السيد عباس عبدي رئيسا للنقابة، وخصص مجلس بلدية طهران في ذلك الوقت مبنى على سبيل الإيجار للنقابة كي تعقد اجتماعاتها هناك، هذا أمر طبيعي تقوم به مجالس البلديات عموما، في إطار مسؤوليتها الاجتماعية تجاه النقابات، والمؤسسات المدنية، والجماعات الثقافية، حيث تمنحهم أماكن وإمكانات لمتابعة نشاطاتهم، مجلس بلدية طهران أيضا خصص هذا المبنى لنقابة الصحفيين في المحافظة”.

ويتابع منتجبي: “ومع انتهاء فترة العقد منذ العام الماضي، تعرضت النقابة لضغوط شديدة لإخلاء المقر، كنا نحاول عبر اتصالات ووساطات مع أطراف مختلفة حل المشكلة دون اللجوء إلى الإعلام، وغالبا ما كانت هذه الجهود تنجح، لأن هناك من داخل البلدية من كان يدرك التداعيات الإعلامية لمثل هذا الإجراء، من الواضح أن خطوة كهذه من البلدية ستثير ردود فعل واسعة لدى الرأي العام، أن تستولي البلدية على مبنى نقابة الصحفيين لا يعطي صورة جيدة. خصوصا أن البلدية ليست بحاجة لمثل هذه المباني، فهي تملك من العقارات ما يجعل مبنى كهذا بلا قيمة تذكر بينها”.

ويكمل: “مع مرور الوقت، زادت ضغوط البلدية على النقابة، حتى بدأت الاستدعاءات المتكررة لإخلاء المقر، وعندما كنا نتحدث مع رئيس بلدية المنطقة الثالثة، كان يقول إنه تحت الضغط وأنه مضطر لمتابعة أمر الإخلاء”.

وعن الجهات التي تمارس هذه الضغوط، قال: “من الطبيعي أنهم لا يعلنون بشكل شفاف من أين تأتي الضغوط. لكن من الواضح أن القضية سياسية تماما، وهي وسيلة للضغط على الصحفيين، وقد وصل الأمر يوم الإخلاء، الأربعاء 20 أغسطس/آب 2025 إلى أن جاءوا وأغلقوا المبنى بالقفل وغادروا، فيما لا تزال الوثائق والمستندات والأدوات الخاصة بالنقابة داخل المبنى”.

وحول ما إذا كانت بلدية طهران قد وضعت بيت المفكرين بعد السيطرة عليه تحت تصرف بعض المحسوبين على تيارها، وهل قد يتكرر الأمر نفسه مع نقابة الصحفيين، قال منتجبي: “أعتقد أن هذه الممارسات عموما سياسية. قبل عام، أنشأت بلدية طهران بيت الصحفيين، وقد أسسه السيد زاكاني بنفسه، ومنحهم مبنى فخما في منطقة بيج شَمیران، والسؤال الجوهري هنا هو: لماذا يحتاج عمدة طهران إلى إنشاء مؤسسة موازية في حين أن نقابة الصحفيين موجودة أصلا؟ أليس الهدف هو إيجاد مؤسسة موازية للنقابة؟ وفي النهاية سيستولون على مبنانا أيضا ويظنون أنهم بذلك يتركوننا في الفراغ”.

ويتابع: “إنهم يريدون صحفيين وهيئات تابعة تسير وفق أهدافهم السياسية، والأمر المدهش أن بيت الصحفيين يحصل على حصة كبيرة من ميزانية البلدية، بينما نقابة الصحفيين في طهران بالكاد تستطيع تسيير شؤونها، للأسف، هذه هي النظرة التي تتبناها البلدية. 

ففي الوقت الذي تغلق فيه نقابة الصحفيين وبيت المفكرين، نرى أن جمعيات مثل جمعية المنشدين وغيرها من الهيئات الصغيرة ذات الطابع السياسي تحصل على ميزانيات ضخمة، وأوضاع مريحة، وإمكانات وفيرة، وتظهر كل يوم في مكان من المدينة، لكن التجربة أثبتت أن جذور النقابات والمؤسسات المدنية متأصلة في الفكر والإقبال الشعبي، وأن هذه المواجهات تعطي نتيجة عكسية تماما”.

نقابة الصحفيين يمكنها مقاضاة البلدية أمام المحكمة الإدارية

أما عن الرأي القانوني، فيقول صالح نقره ‌كار، المحامي وأستاذ القانون، في حديث صحفي له الخميس 21 أغسطس/آب 2025: “إن البلدية، استنادا إلى العقود أو مذكرات التفاهم التي أبرمتها، يمكنها أن تقرر استمرار أو وقف نشاط المؤسسات الثقافية والمدنية والنقابات، إلا أن ذلك يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية وعبر إحالة الموضوع إلى مجلس المدينة، فالبلدية، بصفتها مؤسسة خدمية عامة، ملزمة بمبدأ الشرعية وحكم القانون، وقراراتها يجب أن تكون في إطار المصلحة العامة”.

ويضيف: “إن القرارات الإدارية في أي فترة تاريخية قد تكون متأثرة بذوق الإدارة السياسية القائمة، لكنها تظل مقيدة بالقوانين، واللوائح، والاتفاقيات، والعقود. فإذا كان المبنى قد أُجر أو خُصص بموجب تفاهم، فيجب احترام الأنظمة واللوائح الموقعة بين الطرفين».

ويتابع نقره ‌كار: “بصورة أشمل، البلدية بصفتها شخصية اعتبارية عامة ملزمة باستمرارية الخدمات العامة، وقراراتها يجب ألا تضر بحقوق المواطنين أو تتعارض مع الخدمة العامة. لذلك ينبغي أن تخضع قرارات البلدية لمبدأ الشرعية، والتسلسل الإداري، واستمرارية الخدمة العامة، مع مراعاة أولوية الحقوق المدنية للمواطنين. ومن هذه الزاوية، يجب أن تكون القرارات المتعلقة بمؤسسات مثل بيت المفكرين، جمعية علماء الاجتماع، أو نقابة الصحفيين، خاضعة لهذه الضوابط لتجنب الطابع المزاجي أو السياسي أو الإضرار بالحقوق العامة”.

وعن إمكانية لجوء نقابة الصحفيين إلى المسار القانوني، قال: “إذا لم تحترم الإجراءات الشكلية والقانونية في اتخاذ القرار الإداري، يمكن متابعة الموضوع قضائيا، وفي هذه القضية، إذا لم تُعرض المسألة على مجلس مدينة طهران واتخذت البلدية القرار من تلقاء نفسها، فبإمكان نقابة الصحفيين رفع دعوى والمطالبة بحقها، ومن هذا المنظور يمكن للنقابة متابعة القضية أمام ديوان العدالة الإدارية. فقرارات البلدية خاضعة للرقابة القضائية أمام هذا الديوان. لذلك أقترح أن تُرفع القضية إلى الديوان لتقييد مثل هذه الممارسات مستقبلا”.

في المحصلة، لا يبدو أن قرار غلق نقابة الصحفيين في طهران مجرد إجراء إداري عابر، بل تحول إلى قضية سياسية ومهنية كبرى. النقابة تصر على أن نشاطها مشروع وقانوني، بينما تكتفي البلدية بالحديث عن مخالفات إدارية، وبين هذا وذاك، يجد الصحفيون أنفسهم في قلب معركة جديدة حول استقلاليتهم وحقهم في التنظيم والدفاع عن مصالحهم.

وبينما يترقب الوسط الصحفي تطورات الموقف، يظل السؤال الأهم مطروحا: هل ستبقى خطوة الغلق مجرد حادثة محدودة يمكن التراجع عنها عبر الحوار، أم أنها بداية لمسار جديد من التضييق على المؤسسات الإعلامية المستقلة؟

كلمات مفتاحية: