4 سيناريوهات أمام طهران وواشنطن.. هل اقتربت الجولة القادمة من الحرب الإيرانية الإسرائيلية؟

كتب-ريع السعدني

شكلت حرب إيران وإسرائيل التي استمرت 12 يوما عام 2025، نقطة تحول في العلاقات بين طهران وواشنطن، وبرزت أربعة سيناريوهات رئيسية: تصعيد لا نهاية له للتوترات مع خطر اندلاع حرب شاملة، واتفاق مشروط على التراجع عن تخصيب اليورانيوم أو اتفاق عدم اعتداء، وهجوم إيراني للحصول على أسلحة نووية لردع باهظ التكلفة، وصبر استراتيجي يعتمد على الوقت والشركاء الشرقيين.

السؤال الجوهري هو: ما المنظور النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران وعواقبها الخطيرة؟

اليوم، مع هدوء الغبار فوق ساحات المعارك، يجد الولايات المتحدة نفسها أمام لحظة حاسمة: هل تستمر في سياسة التصعيد الأعمى، أم تفتح صفحة جديدة من الدبلوماسية الجريئة؟ 

السيناريو الأول: 

دوامة التصعيد.. حرب باردة تتحول إلى نار مشتعلة

في هذا السيناريو، يعيد التاريخ نفسه بطريقة أكثر تدميرا، حيث يستمر الدوران في حلقة مفرغة من الهجمات المتبادلة، العقوبات الاقتصادية الخانقة والعمليات السرية التي أصبحت علامة فارقة في العلاقات الإيرانية الأمريكية.

لقد أثارت الحرب الإسرائيلية الأمريكية التساؤل حول ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني وما إذا كانت طهران سوف تتحرك الآن نحو بناء القنبلة النووية أم تتجه إلى الدبلوماسية مرة أخرى، تخيل إيران تعيد بناء قدراتها النووية والعسكرية بسرعة مذهلة، مستفيدة من تقنيات روسية متقدمة في الدفاع الجوي، مثل نظام S-500 الذي أثبت فعاليته في مواجهات أوكرانيا، طهران تواصل تخصيب اليورانيوم دون تجاوز عتبة صنع سلاح نووي، لكنها تتحدى الضغوط الدولية بإطلاق صواريخ بالستية تجريبية تجاه بحر العرب، مما يثير توترا جديدا مع دول الخليج، من جهة أخرى، ترى واشنطن وتل أبيب في هذا الوضع خطرا وجوديا، فتكثفان العقوبات التي قد تشمل تجميد أصول إيرانية في بنوك آسيوية، وعمليات إلكترونية تستهدف منشآت نفطية في الخليج.

وبحسب تقرير سري صادر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية، فإن الهجمات لم تلحق أضرارا جسيمة بجوهر البرنامج النووي الإيراني، ومن المرجح أنها لم تؤد إلا إلى تأخير التطوير المحتمل للأسلحة النووية لبضعة أشهر.

يتناقض هذا التقييم مع مزاعم سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الضربات “دمرت” المنشآت النووية الإيرانية. كما صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن العملية قضت على التهديد النووي الإيراني.

هذا المسار يمنح قادة الدول الثلاث- طهران، وواشنطن، وتل أبيب- فرصة لإظهار صلابتهم أمام شعوبهم، لكنه يحمل مخاطر هائلة، لكن خطأ حسابي واحد، مثل إصابة صاروخ إسرائيلي لسفارة أمريكية في بغداد عن طريق الخطأ، قد يشعل حربا إقليمية تشمل حزب الله في لبنان وحتى ميليشيات في اليمن، والنتيجة؟ 

اقتصاد عالمي يتعثر بسبب ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، وملايين النازحين يغرقون المنطقة في فوضى.

وقال محسن ميلاني، أستاذ في جامعة جنوب فلوريدا ومؤلف كتاب “صعود إيران والمنافسة مع أمريكا في الشرق الأوسط” الصادر حديثا، إنه على الرغم من أن البرنامج النووي الإيراني لم يكن جزءا أساسيا من عقيدته الدفاعية، فإنه “أصبح رمزا لمقاومة الجمهورية الإسلامية وكبريائها”.

كان أحد الإجراءات الأولى التي اتخذتها إيران بعد الحرب التي استمرت 12 يوما مع إسرائيل والولايات المتحدة هو إقرار مشروع قانون يقضي بتعليق (وليس إنهاء) التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

خلال الحرب هددت إيران أيضا بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ولكنها لم تتخذ أي إجراء حتى الآن.

السيناريو الثاني: 

اتفاق مشروط.. عقبة التخصيب وسراب السلام

هنا يعود الباب الدبلوماسي إلى الفتح، لكن بثمن باهظ: تنازل أحد الطرفين عن موقفه الراسخ في قضية التخصيب النووي. 

بعد يومين من إعلان تأجيل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، كانت التصريحات المتعلقة بالتخصيب محور ردود الفعل بين الطرفين، فبعد أن زعم ​​وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أنه لا ينبغي لإيران أن تمتلك دورة تخصيب، صرّح وزير الخارجية الإيراني بأن لإيران، بصفتها دولة موقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، كل الحق في امتلاك دورة وقود نووي كاملة، وأكد عراقجي أن التوصل إلى اتفاق موثوق ومستدام أمرٌ في متناول اليد، كل ما نحتاجه هو إرادة سياسية حازمة ونهج عادل.

يذكرنا هذا بالاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) مع القوى الدولية الكبرى، والذي سمح لإيران ببرنامج محدود تحت إشراف أكثر الآليات صرامة في التاريخ، والذي أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرارا.

في بداية 2025، ألمح ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب الخاص لشؤون الشرق الأوسط، إلى إمكانية عودة إلى إطار مشابه، لكن ضغوط إسرائيلية شديدة دفعته إلى المطالبة بـ”التخصيب الصفري“، وهو خط أحمر إيراني لم يتجاوزه أحد منذ عقود، مع ذلك، برزت مبادرات إبداعية جديدة، مثل اقتراح “تحالف إقليمي للتخصيب” يشمل إيران ودول الخليج المتحالفة مع أمريكا، مع إشراف مشترك يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي للرصد الدائم، لإنتاج الوقود النووي، لكن طهران رفضت مقترح الكونسورتيوم الإقليمي كما كانت هناك استعدادات لجولة سادسة من المفاوضات النووية في جنيف.

حيث اقترحت إيران تبادل معلومات استخباراتية حول الإرهاب مقابل رفع جزئي للعقوبات، لكن الهجوم الإسرائيلي أوقف كل شيء، محولا فرصة تاريخية إلى رماد.. في عمق الأمر، يسيطر على السياسة الأمريكية “الصقور” الداعمون لإسرائيل، الذين يرون في الدبلوماسية مجرد تأجيل لتغيير النظام.

وحتى لو تنازلت إيران، سينقل نتنياهو الصراع إلى البرنامج الصاروخي أو التدخلات في سوريا، بالنسبة لإسرائيل، يمثل التوتر مع إيران “ضحية ضرورية” للحفاظ على الدعم الأمريكي، وإبعاد الأنظار عن قضية فلسطين، حيث توسع المستوطنات في الضفة الغربية بلغ 20% في 2025 وحدها.

ونتيجة لهذا، فإن الحرب مع إيران لن تفشل في تدمير البرنامج النووي للبلاد فحسب ــ لأن حملة القصف الإسرائيلية المقترحة لن تؤخرها إلا لمدة عام تقريبا.

وبعدها ستضطر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تكرار نفس العمليات مرارا ــولكنها من المرجح أيضا أن تقتل عددا كبيرا من الأمريكيين وتدمر رئاسة ترامب، تماما كما أنهت حرب العراق رئاسة جورج بوش الإبن.

لكن جميع هذه السيناريوهات الكارثية قابلة للتجنب، إذا تجنب ترامب أخطاء الماضي وحلم بـ”التخصيب الصفري”، فستكون لديه فرصة أفضل من أي رئيس سابق للتوصل إلى اتفاق قوي مع إيران. 

في حين أكد ستيف ويتكوف وماركو روبيو علنا، أن “التخصيب الصفري” هو الحل الوحيد، اتخذ ترامب، عن حق، موقفا أكثر غموضا. 

في النهاية، كلمته- وكلمته وحدها- هي التي ستُحسب.

في هذا الصدد؛ اقترح محللون مثل علي واعظ مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، وداني سيتينوفيتش كبير الباحثين في معهد آبا إيبان للدبلوماسية الدولية في إسرائيل، “معاهدة عدم اعتداء” بين إيران وإسرائيل، مدعومة بضمانات أمريكية تشمل صفقات أسلحة لدول الخليج. ترامب، الذي يبحث عن “صفقة القرن” الجديدة، قد يراها فرصة، لكن الشكوك الإيرانية العميقة تجاه إسرائيل تحولها إلى حلم بعيد، إلا إذا حدث تحول جذري في القيادات.

السيناريو الثالث: 

اندفاع نحو السلاح النووي.. خطوة باهظة الثمن

تحت وطأة العقوبات والتهديدات، قد تختار إيران الاندفاع نحو صنع سلاح نووي لضمان ردع قوي من منظور طهران، فإن دولة تواجه تهديدات وجودية لا يمكنها تجاهل هذا الخيار، خاصة بعد نجاح كوريا الشمالية في مواجهة الضغوط الأمريكية بفضل ترسانتها النووية، لكن هذا الطريق مليء بالمخاطر: حتى لو نجحت إيران في بناء قنبلة، فإنها ستعاني انعزالا أكبر، وسباق تسلح إقليمياً قد يشمل السعودية التي أعلنت عن برنامج نووي سري في 2024.

تجربة روسيا تثبت أن النووي لا يحمي من العقوبات الاقتصادية أو الحروب الاستنزافية، في إيران، لن تحل القنبلة الأزمات الاقتصادية، حيث بلغ التضخم 50% في 2025، ولن توقف الهجمات الإلكترونية الإسرائيلية.. إنه طريق مسدود، يزيد التوتر بدلا من حلّه.

السيناريو الرابع: 

الصبر الاستراتيجي.. انتظار تغيير العالم

هنا تختار إيران الوسطية: الحفاظ على الوضع الراهن مع دبلوماسية تكتيكية، دون طموحات كبيرة، طهران تعيد بناء دفاعاتها بمساعدة روسية- صينية مثل تطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت، وتعمق الروابط مع بكين التي زودتها بتقنيات دفاعية أثبتت فعاليتها في حرب الهند- باكستان الأخيرة، تصاعد التعاون العسكري بين إيران والصين.

لا سيما في مجال تطوير الصواريخ الباليستية، أشعل قلقا متزايدا.

ونقلت صحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية في تقرير لها، أن الأدلة المتنامية على تعميق الشراكة العسكرية بين طهران وبكين، بما يشمل التعاون في المجال الصاروخي، وأشار التقرير إلى أن الصين، على ما يبدو، تدعم إيران في إعادة بناء ترسانتها الصاروخية بعد الضربات الأخيرة التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية. وقد تناولت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية هذا الموضوع بقلق واضح في تقرير خاص بها.

وفي وقت سابق زعمت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن إيران تقدمت في يونيو الماضي بطلب إلى الصين لتزويدها بمواد لازمة لتصنيع مئات الصواريخ الباليستية، ويأتي هذا القلق الإسرائيلي من تنامي العلاقات العسكرية بين إيران والصين في ظل تحذيرات متكررة أطلقها مسؤولو إيران مؤخرا، مؤكدين أن طهران سترد بقوة وحزم على أي تحرك استفزازي يستهدفها من قبل الكيان المحتل.

بدلا من الاقتراب من الغرب، تركز إيران على شراكات شرقية، مثل اتفاق تجاري مع روسيا يغطي 30% من احتياجاتها النفطية، هذا الصبر يعتمد على حساب طويل الأمد: انتظار تحول التركيز الأمريكي نحو آسيا، مما يضعف نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط، يتناسب مع روح الثورة الإيرانية، التي تؤكد على المقاومة، لكنه يحمل مخاطر الاعتماد على الصين، التي قد تفرض شروطا اقتصادية قاسية، وفقدان فرص الاندماج في الأسواق الغربية.

يطرح الخبراء سؤالا حاسما: ما الخيارات الحقيقية أمام إيران إذا استمرت استراتيجية الغرب في “التغيير بالقوة”؟ 

طهران لن تنهار تحت العقوبات أو الهجمات، بل قد تؤدي إلى فوضى داخلية في بلد يبلغ سكانه 90 مليونا، تنتشر آثارها إلى الخليج والقوقاز.. التحدي الأكبر ليس النووي فحسب، بل “اللعبة النهائية” التي يرسمها كل من واشنطن وتل أبيب، وما إذا كانتا مستعدتين لعواقبها. 

كلمات مفتاحية: