- زاد إيران - المحرر
- 575 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة كيهان الأصولية، مساء السبت 27 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناول مواقف المسؤولين والخبراء الإيرانيين تجاه تفعيل آلية الزناد، موضحا أن آثارها الاقتصادية المباشرة شبه معدومة، بينما يبرز التحديات الراهنة كنتيجة لخيارات سياسية سابقة، كما قارن بين أداء حكومة رئيسي التي اعتمدت على تحييد العقوبات دون رهان على التفاوض، وحكومة بزشكيان التي أعادت الاقتصاد إلى النمو السلبي بعودتها إلى نهج المفاوضات.
ذكرت الصحيفة أن الضجة المفتعلة حول الأبعاد الاقتصادية لآلية الزناد أكبر بكثير من آثارها الحقيقية على الاقتصاد الإيراني.
وتابعت موضحة أن ثلاث دول أوروبية، هي فرنسا وبريطانيا وألمانيا، التي تُعد أدوات للسياسة الخارجية الأمريكية، مضت في قرارها بشأن تفعيل هذه الآلية وإعادة العقوبات المعلّقة من قبل مجلس الأمن.

وأوضحت أن الجدل لا يزال قائما حول سبب موافقة الفريق المفاوض قبل عشر سنوات على إدراج آلية الزناد في الاتفاق النووي، ولماذا – وفق ما كشف وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف – تمكن شخص مجهول الهوية يُدعى “فرانشسكو” من إدخال تعديلات على النص النهائي، وهي رواية مثيرة للغرابة في مثل هذا الاتفاق الدولي الحساس.
لكنها شددت على أن هذا الجدل موضوع منفصل، فيما يتركز النقاش الحالي على الأبعاد الاقتصادية للآلية، والسؤال المطروح: هل ستقلب هذه الآلية أوضاع الاقتصاد الإيراني رأسا على عقب كما يروّج البعض، أم أن الواقع مختلف تماما؟
وأردفت أن ما يتبادر إلى أذهان المواطنين بعد دخول هذه الآلية حيّز التنفيذ يتمثل في أسئلة من قبيل: هل سيتوقف بيع النفط الإيراني؟ ما هي العقوبات الاقتصادية التي ستعود؟ ماذا سيحدث لسعر الدولار؟ هل سيتعذر تصدير السلع الإيرانية؟ وهل ستشتد العقوبات المصرفية؟ وهل ستتأثر حياة المواطنين مرة أخرى باضطرابات جديدة؟
أكد الخبير الاقتصادي سيد مصطفى موسوينزاد في حديثه للصحيفة، أن تفعيل آلية الزناد لن يترتب عليه أي تغيّر جوهري في الاقتصاد الإيراني، باستثناء بعض الانعكاسات النفسية في الأسواق، والتي قد تتحول إلى آثار ملموسة إذا لم تُدار بشكل صحيح.
وأوضح موسوينزاد أن القرارات الأممية تقتصر على المجالات النووية والتسليحية ذات الاستخدام المزدوج، من دون أن تتضمن أي بنود تتعلق بالنفط أو القطاع المصرفي.
وأردف قائلا إن “تأثير هذه الآلية على الاقتصاد يكاد يكون معدوما، مستشهدا بالإحصاءات بين عامي 2010 و2012، وهي الفترة التي صدرت خلالها آخر قرارات أممية ضد إيران قبل فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية، حيث لم تُسجل أي تراجعات اقتصادية كبيرة بفعل تلك القرارات وحدها”.
وقدّم مثالا عن الاستثمارات الأجنبية، إذ بيّن أنه بعد صدور القرار 1929 عام 2010، لو كانت القرارات الأممية ذات أثر حقيقي على الاقتصاد الإيراني لكان حجم الاستثمارات الأجنبية قد تراجع، غير أن الأرقام الرسمية تثبت أن الاستثمارات واصلت نموها حتى عام 2012، ولم تتراجع إلا بعد فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية، كما أكد أن الاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط الإيراني واصلت الارتفاع خلال الفترة ذاتها.
وأشار إلى أن التجارة الخارجية الإيرانية واصلت نموها بعد عام 2010، ولم يظهر التراجع إلا مع فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية في 2012، واعتبر أن ما يُقال عن توقف تعاون الصين وروسيا مع إيران في حال عودة العقوبات الأممية “غير صحيح إطلاقا”، موضحا أن التبادل التجاري مع بكين ازداد آنذاك رغم تصويت كل من الصين وروسيا لصالح القرارات الأممية.
وأضاف أن المشهد اليوم يختلف، إذ إن هذين البلدين لم يؤيدا إعادة العقوبات، بل سعيا لمنعها، وهو ما يعكس تغير الظروف لصالح طهران مقارنة بالماضي.
أكدت الصحيفة أنه بناء على هذه المعطيات، يتضح أن المعضلة الأساسية أمام التجارة الخارجية الإيرانية ليست قرارات مجلس الأمن بل العقوبات الأمريكية والأوروبية، وهذه العقوبات قد عادت عمليا منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018.

وبالتالي لا جديد اقتصاديا في الأفق سوى أن بعض الأطراف قد تلجأ إلى استغلال هذا الملف ذريعة لتبرير تقصيرها، كما حدث سابقا مع ربط تأخر استيراد لقاح كورونا بملف “FATF”، في حين أثبت الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي خلال فترة وجيزة أن أصل المشكلة كان في سوء الإدارة لا في FATF.
أضافت الصحيفة أن رواية القطاع الخاص تكشف بدورها أن الضجيج أكبر من الواقع، إذ صرّح العديد من رجال الأعمال خلال الأسابيع الأخيرة بأن آثار تفعيل الآلية ليست كبيرة، ويمكن تخطيها كما جرى في مراحل سابقة.
أوضحت نقلا عن صدرالدين نياوراني، نائب رئيس لجنة تنمية الصادرات غير النفطية في غرفة التجارة الإيرانية، أن البلاد واجهت سابقا عقوبات أمريكية قاسية وما زالت تخضع لها، مؤكدا أن الأثر النفسي لآلية الزناد لا يمكن إنكاره، لكن تضخيمه أمر غير واقعي.
وأضافت الصحيفة أن نياوراني أشار إلى تقلبات سوق الصرف في الأيام الأخيرة، موضحا أنها تعود بالدرجة الأولى إلى الأجواء النفسية وتوقعات التضخم أكثر من ارتباطها بأي تغييرات اقتصادية فعلية، مؤكدا أنه لو كانت للآلية آثار مباشرة وكبيرة، لكانت انعكست على شكل تحولات أوسع بكثير.
أشارت الصحيفة إلى ما أكده مجيد رضا حريري، رئيس غرفة التجارة الإيرانية – الصينية، الذي شدد على أن تفعيل آلية الزناد لن يترك أثرا جديدا على أنشطة القطاع الخاص، نظرا لأن مجالات النقل والمصارف والتجارة في إيران خاضعة أساسا للعقوبات منذ سنوات.
ذكرت أن المسؤولين في إيران سارعوا إلى التدارك والإعلان عن خططهم لمواجهة المرحلة الجديدة بعد تفعيل آلية الزناد وأشارت إلى أن وزير النفط أكد استمرار بيع النفط كما في السابق دون انقطاع.

وأوضحت فرزانه صادق، وزيرة الطرق والإسكان، أن وزارتها، وخصوصا في قطاع النقل، وضعت ترتيبات للتعامل مع أي تهديد محتمل، واستشهدت بما جرى خلال 12 يوم الحرب العدوانية الأخيرة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي، حيث جرى توفير السلع الأساسية للمواطنين عبر الطرق والبحر والموانئ والسكك الحديدية بأفضل صورة ممكنة، إضافة إلى تحديد مواضع الخلل والسعي لمعالجتها، وأكدت أن الوزارة لديها إجابات عملية ومناسبة للظروف بعد تفعيل الآلية.
ذكرت الصحيفة أن التطورات الأخيرة تحمل دلالة مهمة، فرغم قناعة العديد من الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين بإمكانية تحييد آثار آلية الزناد، إلا أن الضغوط الحالية تعود في جوهرها إلى سياسات اعتمدت لسنوات من قبل بعض المسؤولين الذين ربطوا أوضاع البلاد بمعادلة “العقوبات – رفع العقوبات”، حتى وصل الأمر إلى رهن قضايا معيشية أساسية مثل توفير مياه الشرب باتفاقيات دولية كالاتفاق النووي، الذي تبيّن لاحقا أنه تضمن ثغرات كبيرة أبرزها آلية الزناد.
وأضافت أن حكومة إبراهيم رئيسي نجحت، رغم غياب الاتفاق النووي وعدم اعتبار التفاوض مع واشنطن أولوية، في تحقيق انتعاش اقتصادي، في المقابل، أعادت الحكومة الحالية حكومة مسعود بزشكيان على غرار نهج حكومة حسن روحاني – ربط الاقتصاد بمسار المفاوضات، وهو ما اعتبرته الصحيفة تفريطا بـ”الفرص التي ورثتها عن حكومة رئيسي” وتحويلها إلى “أوراق تفاوضية”.
أكدت أن المقارنة بين الأرقام الرسمية للنمو الاقتصادي توضح الفارق الكبير بين النهجين، فبينما انتشلت حكومة رئيسي الاقتصاد من الركود التضخمي الذي طبع العقد الماضي وجعل معدل النمو قريبا من الصفر، أعادت السياسات الجديدة الاقتصاد إلى النمو السلبي.
وأشارت إلى أن بيانات مركز الإحصاء الإيراني تكشف أن الاقتصاد بعد أعوام من النمو المتواصل، سجّل في ربيع 2025 نموا فصليا سلبيا بنسبة 0.1% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع تراجع الإنتاج في قطاعات كالزراعة والصناعة والطاقة.

أضافت الصحيفة أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة سجّل في الربع الأول من عام 2021 تراجعا بنسبة 0.1% مع احتساب النفط و0.4% من دونه، فيما انكمش قطاع الزراعة بـ2.7%، والصناعة بـ1.7%، ليبلغ الانكماش الكلي في قطاعي الصناعة والتعدين (من دون النفط) 1.2%.
في المقابل، حقق قطاع النفط والغاز نموا بـ0.8%، والخدمات بـ0.5%، كما تراجع الاستهلاك النهائي للأسر – الذي يُعد المؤشر المباشر لقوة الشراء – بنسبة 1.1%، ما يعكس تأثير التضخم وتراجع الدخل الحقيقي، بينما انخفضت الاستثمارات وتشكيل رأس المال الثابت الإجمالي بنسبة 1.9%.

وأردفت الصحيفة أن حكومة رئيسي تمكنت- من دون اتفاق نووي أو تسويات جديدة مع واشنطن- من رفع النمو الاقتصادي إلى حدود 5%، وكان نحو 3% عند تسليم الحكومة، مع إنعاش ثمانية آلاف مصنع متوقف أو شبه متوقف، وزيادة صادرات النفط، وخفض معدل التضخم من 45% إلى 33%.
وتابعت أن النمو عاد ليتراجع إلى المنطقة السلبية في عهد حكومة مسعود بزشکیان التي وضعت المفاوضات على رأس أولوياتها، كما حدث في حكومة روحاني التي بلغ متوسط نموها 0.6% فقط، وبذلك دخل الاقتصاد الإيراني بعد 17 ربعا متتاليا من النمو الإيجابي في ربيع 2025 مرحلة الانكماش، ليسجل أدنى مستوى له خلال خمسة أعوام.

وأشارت إلى أن التحديات التي تُستخدم اليوم كمبررات للتراجع الاقتصادي، مثل اختلالات الطاقة، والجفاف، وصعوبات التمويل، ومشاكل تخصيص النقد الأجنبي والاستيراد، كانت قائمة أيضا في فترة حكومة رئيسي.
غير أن الفارق كان في المنهج؛ إذ اعتمدت تلك الحكومة على “خدمة الشعب بعيدا عن الارتهان للتفاوض مع الغرب”، واستفادت من “مديرين أكفاء” يقودون الوزارات والمؤسسات، وهو ما انعكس إيجابا على المؤشرات الاقتصادية.
أوضحت الصحيفة أن الطريق نحو إنعاش الاقتصاد يمر عبر مجموعة من السياسات، أبرزها: إحياء الوحدات الإنتاجية، خاصة في المجالات المعرفية، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية في قطاعات الزراعة والصناعة والدواء، وكسر احتكار مجموعة محدودة على التجارة، وإتاحة المجال أمام الشباب المبدعين، واستكمال الممرات الاستراتيجية ومشروع الإسكان الوطني، إضافة إلى تحرير قطاع البناء عبر توفير الأراضي للمواطنين وتشجيع البناء الشعبي.
اختتمت الصحيفة تقريرها، بالتشديد على أن تحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة يستلزم قطع الرهان على الولايات المتحدة، والاعتماد على القدرات الداخلية، مع توسيع التعاون مع دول المنطقة والدول الصديقة أو المستقلة مثل العراق، والصين، وروسيا، ودول منظمة شانغهاي وبريكس، إضافة إلى الاستفادة من الكفاءات في المناصب التنفيذية الأساسية.
ثم تساءلت: هل ستتجه حكومة بزشكيان إلى مواصلة نهج حكومة رئيسي في دعم الإنتاج وتعزيز الاقتصاد، أم ستبقى متمسكة بالرهان على طاولة المفاوضات؟

