مأساة اليت المشتعلة… كارثة بيئية تكشف هشاشة المنظومة البيئية والإدارية

في قلب جبال مازندران، حيث تتشابك أشجار الهيركان العتيقة مع ضباب الخريف، اندلع حريق حول واحدة من أندر الغابات على وجه الأرض إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الإنسان والطبيعة، لم يكن المشهد مجرد حريق موسمي، بل أزمة بيئية معقدة كشفت هشاشة البنية الإدارية وضعف الاستجابة الطارئة، وأظهرت في الوقت نفسه حجم المخاطر التي تحملها موجات الجفاف المتتابعة التي تضرب إيران. وبين دخان صاعد من أعماق الوديان، وقرى تترقب بقلق مصيرها، تحول الحريق إلى مرآة تعكس واقع إدارة الموارد الطبيعية، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الحادثة ذاتها.

الشرارة الأولى… حين اشتعلت إلیت في نوفمبر / تشرين الثاني

كانت البداية عندما رصد أهالي القرى المحيطة بمرزن ‌آباد في صباح الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 خيطا رفيعا من الدخان يتصاعد من أعالي الجبال، الظن الأول كان أنها نار صغيرة، ربما أشعلها صيادون أو مسافرون، لكن الساعات اللاحقة أثبتت العكس، فالحرارة غير المعتادة، وانخفاض الرطوبة، والطبقة السميكة من الأوراق الجافة التي تعد أحد أهم مخلفات الجفاف، حولت الشرارة الأولى إلى حريق متسارع الانتشار.

Image

ومع حلول فجر اليوم التالي، كانت النيران قد زحفت على المنحدرات الصخرية، وتوغلت في قلب غابات هيركان، هذه الغابة التي تعود أصولها إلى نحو 40 مليون عام، والتي تصنفها اليونسكو إرثا طبيعيا عالميا، وعندما بدأت رائحة الدخان تتسلل عبر الهواء البارد إلى طريق جالوس، كان السكان قد أدركوا أنهم أمام حادثة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة.

ما زاد خطورة الوضع أن المنطقة تتسم بوعورة مفرطة، إذ يحتاج الوصول إلى بؤر الحريق إلى خمس إلى ست ساعات سيرا على الأقدام، كما أن الرياح الشمالية التي تهب عادة محملة برطوبة قد تحولت هذا العام إلى رياح جافة وسريعة، ساهمت في تغذية اللهب وانتقاله من واد إلى آخر، وفي الوقت الذي كان يمكن فيه التدخل السريع بالطائرات خلال الساعات الأولى، ظل الطلب المحلي بإرسال المروحيات دون استجابة فورية من الجهات المختصة.

Image

ومع بزوغ اليوم الثالث للحريق، كانت النيران قد وصلت إلى مسافات مقلقة بالقرب من القرى المجاورة مثل حسن ‌سره، انكوران وكیجان، ما رفع احتمالية إخلاء السكان، أما الطائرات المائية التي حلقت فوق المنطقة فكانت تتراجع أمام كثافة الدخان، ولم تفلح عمليات الإطفاء الجوي المحدودة في السيطرة على الحريق نظرا لوعورة التضاريس، وشدة الرياح، وغياب التخطيط المسبق للسيطرة على مثل هذه الحوادث واسعة النطاق.

Image

وبينما كان المتطوعون من الأهالي يحاولون صد اللهب بأدوات يدوية بدائية، كانت النيران تتقدم على شكل موجات مندفعة، تلتهم الأشجار المعمرة، وتطلق سحبا كثيفة من الدخان غطت سماء المنطقة، وبدت للوهلة الأولى كأنها ضباب الشتاء، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة، فغابة هیرکانی التاريخية كانت تحترق.

إدارة الأزمة… ارتباك رسمي وتأخر قاتل في اتخاذ القرار

منذ اللحظات الأولى لحريق الیت، بدا أن المشكلة لا تكمن في النيران وحدها، بل في الطريقة التي تعاملت بها الجهات الرسمية مع الأزمة، فاستجابة الدولة للحريق كشفت بوضوح عن ثغرات كبيرة في منظومة إدارة الكوارث، من غياب القرار السريع إلى تضارب المهام بين المؤسسات المختلفة، ولعل أبرز ما أثار الجدل هو أن طلبات سكان القرى المجاورة لإرسال مروحيات خلال الساعات الأولى قوبلت بالرفض أو التجاهل من قبل بعض مسؤولي الموارد الطبيعية، الذين اعتبروا أن الحريق صغير ولا يحتاج إلى تدخل جوي، وهو تقدير خاطئ سمح للنيران بأن تتمدد من بضعة هكتارات إلى عشرات الهكتارات في غضون أيام قليلة.

Image

وعندما كان الأهالي والمتطوعون يصعدون الجبال بأيديهم الفارغة تقريبا، مستخدمين المعاول والدلاء في مواجهة نيران تتقدم فوق الأرض وتحتها، كان الحريق ينساب عبر جذور الأشجار المحترقة بعمق نصف متر، ثم يظهر فجأة في مناطق جديدة، في مشهد يعكس فقدان السيطرة منذ البداية.

ومع اتساع رقعة الحريق، بدأت المواقف الحكومية في الظهور تباعا، فقد تحرك نائب الأول لرئيس الجمهورية، محمد رضا عارف، عبر اتصالات عاجلة للحصول على تقارير ميدانية، وأصدر أوامر بتعبئة عامة للموارد المتاحة، لكن تحركاته جاءت بعد أيام من اندلاع الكارثة، ما جعلها في نظر الخبراء استجابة متأخرة لإخماد حريق تجاوز مرحلة السيطرة.

Image

في موازاة ذلك، ظهر نائب الرئيس للشؤون التنفيذية جعفر قائم‌ بناه ليعلن، اعتمادا على معلومات خاطئة تلقاها محليا، أن مراعي الیت، أي المناطق المجاورة، هي التي تحترق، قبل أن يوضح أنه يجري اتصالات دولية لطلب المساعدة من تركيا وروسيا، هذا الخطأ أثار جدلا واسعا، إذ اعتبر دليلا على القطيعة بين المستويات العليا وصورة الواقع على الأرض، خصوصاً أن المنطقة التي تحترق ليست علفا، بل غابة هيركان نفسها.

Image

ووسط الانتقادات، كانت رئيسة منظمة حماية البيئة، شینا انصاری، من أوائل المسؤولين الذين وصلوا ميدانيا إلى الیت، لتعلن بدء حالة طوارئ بيئية، وتطالب بإرسال طائرات اليوشن الثقيلة، ورفع تقرير عاجل لمجلس الوزراء يتضمن تحذيرات من امتداد الحريق، وتحت ضغط الرأي العام، طلبت رسميا تفعيل المساعدات الدولية بالتعاون مع وزارة الخارجية، وبالفعل وصلت إلى المنطقة طائرتان مائيتان ومروحية من تركيا، فيما أعلنت روسيا استعدادها للمشاركة في عمليات الإطفاء. وقد وصفت هذه الخطوة بأنها مهمة، لكنها جاءت بعد أن كان الحريق قد اجتاح غابات عمرها ملايين السنين.

Image

على مستوى المحافظة، حاول محافظ مازندران، مهدى يونسي، الدفاع عن أداء السلطات المحلية، مؤكدا أن قوات الإغاثة وفرق الأهالي كانت في الميدان منذ اللحظة الأولى، لكن الرياح الشديدة والتضاريس الوعرة جعلت السيطرة شبه مستحيلة، إلا أن روايته اصطدمت مع شهادات الأهالي وتقارير الصحافة التي أكدت أن طلبات إرسال المروحيات رفضت بحجة صغر الحريق، وهو ما ساهم في اتساعه، وبينما كانت الجهات الرسمية تتجادل حول تقييم حجم الخطر، كان المتطوعون ينامون في الخيام على قمم الجبال، ويحملون الماء عبر أنابيب تمتد لكيلومتر كامل، ويحاولون وقف تقدم اللهب بإمكانات بدائية، لكن دون دعم جوي كاف كانت جهودهم لا تتجاوز حدود إبطاء الحريق لا إخماده.

Image

وفي خضم هذه الفوضى، دخلت هيئة إدارة الأزمات بقيادة حسين ساجدی ‌نیا على الخط، لتعلن تقسيم المنطقة إلى أربع جبهات عملياتية، ونشر أكثر من 400 عنصر من القوات الميدانية، والاستعانة بطائرات مسيرة لتحديد النقاط الساخنة، غير أن طريقة توزيع المهام بين وزارة البيئة، والموارد الطبيعية، والهلال الأحمر، والجيش، والحرس الثوري كشفت عن انعدام التنسيق، إذ عملت كل جهة بمفردها تقريبا، دون مركز قيادة موحد قادر على إدارة المعركة ضد النار، وأدى هذا التفكك المؤسسي إلى إضاعة ساعات ثمينة ما جعل الحريق يتجاوز مرحلة السيطرة اليدوية.

Image

وبحلول اليوم العشرين، وبعد تصاعد الضغط الإعلامي والشعبي، بدأت فرق الإطفاء التركية تصل إلى المنطقة، ومعها أولى بشائر الدعم الدولي، لكن وصول هذه المساعدات، رغم أهميته، لم يغير حقيقة أن الوقت الذهبي للسيطرة على الحريق كان في الأيام الأولى، وأن التأخر الحكومي سمح للنيران بأن تتحول إلى كارثة وطنية، وقد ذهب بعض الخبراء إلى حد القول إن تعامل الجهات الرسمية مع الحريق يشبه وصول الإطفاء بعد انهيار المبنى، فيما رأى آخرون أن الحريق لم يحرق الغابة فقط، بل كشف الوجه الحقيقي لإدارة الأزمة في إيران بلا مساحيق، منظومة مجزأة، تتأخر في اتخاذ القرار، وتفشل في التنسيق، وتتحرك بعد أن يكون المشهد قد خرج عن السيطرة.

الأثر البيئي والإنساني… خسارة لا تعوض

لم يكن الضرر البيئي الذي خلفه حريق اليت عاديا، فغابات هيركان تعد من أقدم الغابات الحية على الأرض، فتعود جذورها إلى ملايين السنين، وتضم أنواعا لا توجد إلا في هذا الإقليم، وهي بمثابة متحف طبيعي حي للتراث البيولوجي، ولذلك، فإن احتراق أجزاء منها يعني فقدان جزء من تاريخ الأرض نفسه.

تقديرات الخبراء حتى وقت كتابة التقرير، 23 نوفمبر/ تشرين الثاني، 2025، تشير إلى احتراق ما بين 8 إلى 15 هكتارا، لكن الرقم الحقيقي قد يكون أكبر بكثير إذا أخذنا في الاعتبار أن الحريق امتد تحت سطح التربة، كما تشير المشاهدات الميدانية إلى أن آلاف الكائنات الصغيرة، من الحشرات، والطيور، والزواحف، قد هلكت في ألسنة اللهب، ولا يعرف على وجه الدقة مصير الغزلان، والدببة البنية، والقطط البرية التي تعيش في تلك المنطقة.

Image

التأثير على التربة كان هو الآخر كارثيا، فقد أشار المختصون إلى أن النار التهمت الطبقة العضوية التي تشكل الأساس لنمو الغطاء النباتي الجديد، ومع احتراقها، تصبح الأرض عرضة للانجراف والانهيارات مع أول أمطار الشتاء، وهذا يهدد القرى والطرق والمزارع في محيط اليت، خاصة تلك الواقعة في السفوح الوسطى، كما تلوثت بعض الينابيع والعيون الجبلية برماد الأشجار المحترقة، ما شكل خطرا على مصادر المياه المحلية، فيما عانت بعض القرى من انقطاع مؤقت للمياه الصالحة للشرب بسبب دخول المواد المحترقة إلى مجاري الينابيع.

أما السكان فكانوا في حالة خوف دائم، فقد اقتربت النار لمسافة مقلقة من منطقتي حسن‌ سره وانكوران، ودار حديث جدي عن احتمال إخلاء القرى إذا استمرت الرياح بدفع الحريق شرقا، واضطر بعض الأهالي إلى ترك بيوتهم لليلة أو ليلتين، بينما ظل المتطوعون يقيمون على سفوح الجبال في مواجهة مفتوحة مع النار.

ورغم أن الطائرات التركية والإيرانية نجحت في خفض شدة الحريق، إلا أن ألسنة اللهب بقيت متقدة في جيوب يصعب الوصول إليها، وتؤكد منظمة البيئة أن مراقبة المنطقة ستستمر لمدة 10 أيام بعد الإطفاء الظاهري، خوفاً من اشتعال البؤر الخاملة مجدداً تحت التربة.

دروس ما بعد الحريق… هل تتكرر الكارثة؟

لم يكن الحريق مجرد حادث طبيعي، لقد كان مؤشرا يكشف هشاشة المنظومة البيئية والإدارية في إيران، وما يزيد من خطورته أنه جاء بعد أعوام من الجفاف المتواصل، الذي جعل الغطاء النباتي هشا وقابلا للاشتعال بشكل غير مسبوق، ومع أن العلماء حذروا مرارا من أن ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.5 درجة خلال السنوات الأخيرة، وفق تقرير معهد البحوث المناخية الإيراني 2024، سيزيد من احتمالية الحرائق، إلا أن الإجراءات الوقائية لم تتجاوز حدود التنبيه.

Image

الدرس الأول الذي فرضه الحريق هو أن إدارة الغابات يجب أن تكون أولوية وطنية في الدول التي تتمتع بغطاء طبيعي متنوع وثري مثل إيران، فهذه الغابات ليست مجرد أشجار، بل هي خط الدفاع الأول ضد تغيّر المناخ، وضد انجراف التربة، وضد اختلال توازن الحياة البرية. ولذلك فإن تأمين معدات الإطفاء الحديثة، بما فيها المروحيات المجهزة بخزانات مائية، لم يعد خيارا، بل ضرورة.

الدرس الثاني يتعلق بالمجتمع المحلي، فقد أظهر أهالي القرى المجاورة قدرة هائلة على التضحية والوقوف في الخط الأول. لكن جهودهم كانت غير كافية لغياب التدريب، ولعدم توفر معدات احترافية. ومن الضروري، كما يشير العلماء، تأسيس وحدات إطفاء محلية شبه عسكرية في كل منطقة غابية، تكون جاهزة للتدخل خلال الساعة الذهبية الأولى من أي حريق.

الدرس الثالث يكمن في ضرورة إصلاح منظومة التنسيق المؤسسي، فقد أظهر الحريق أن الجهات المعنية تعمل بشكل متواز، وليس ضمن سلسلة قيادة واحدة، وهذا يؤدي إلى ضياع الوقت، وتكرار الجهود، وعدم استغلال الطائرات والمعدات بالشكل الأمثل، فالتجربة أثبتت أن كل ساعة تأخير تعادل احتراق هكتار إضافي في بعض المواقع.

Image

أما الدرس الرابع فيتعلق بالأمان المناخي، فإيران تتعرض اليوم لموجة جفاف طويلة ومتراكمة، وفق بيانات الأمم المتحدة لعام 2023 التي صنفت إيران ضمن أكثر 10 دول تأثراً بالجفاف في العالم، وهذا يعني أن السنوات المقبلة قد تحمل المزيد من الحرائق ما لم تُتخذ إجراءات جذرية للحد من المخاطر.

في النهاية، تبقى غابات هيركان جزءا لا يتجزأ من الهوية البيئية لإيران، وإذا لم يتم التعامل مع الحريق الأخير كجرس إنذار حقيقي، فإن الكوارث المقبلة ستكون أكبر، وقد نفقد أجزاء واسعة من الغابات التي صمدت ملايين السنين.

حريق الیت لم يحرق غابة فحسب، بل كشف خللا عميقا في عقل إدارة الأزمات البيئية، لقد كان اختبارا قاسيا لقدرة الدولة والمجتمع على التعامل مع كارثة بيئية واسعة النطاق، ورغم أن الجهود المتأخرة ساهمت في إخماد الجزء الأكبر من الحريق، إلا أن الخسائر التي لحقت بغابات هيركان تركت ندبة بيئية وإنسانية لا يمكن تجاهلها، والسؤال اليوم ليس لماذا اشتعلت اليت، بل هل ستشتعل غابة أخرى غدا؟ والجواب يعتمد على مدى قدرة إيران على استثمار هذه الكارثة كبداية لإصلاح حقيقي، وليس نهاية لحوار عابر.