- محمود شعبان
- 596 Views
أجرى موقع “اقتصاد أونلاين” الإيراني الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025 حوارا مع يوسف عسكر نجاد، المحلل الاقتصادي البارز في اقتصاد التعدين، تناول فيه أهمية دور المناجم الصغيرة والمتوسطة في سلسلة القيمة والتحديات القائمة أمام دمج هذه المناجم.

المناجم النشطة
ذكر يوسف عسكر نجاد أن معظم المناجم النشطة حاليا في إيران، نتيجة لعمل الشركات الخاصة صغيرة الحجم، تندرج غالبا في فئة المناجم الصغيرة، مضيفا أن العديد من هذه المناجم، بسبب محدودية حجم نشاطها، تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية أو تحقق أرباحا متدنية، وهو ما يجعل الاستثمارات الموجهة إليها محدودة ومرتفعة المخاطر.
وأوضح أن دمج هذه المناجم يعد ضروريا من أجل رفع مستوى الإنتاجية والوقاية من الأضرار المحتملة، لافتا إلى أن عملية الدمج يمكن أن تتم من خلال إنشاء شركات مساهمة.
وتابع أن التحدي الأكبر في هذا الشأن يتمثل في أن مالك المنجم الصغير يحقق في نهاية المطاف ربحا محدودا، وإذا ما أراد دمج منجمه مع شركة أكبر فإن حصته ستتقلص بطبيعة الحال، وربما يفقد حتى ذلك الربح القليل.
وبيّن أن على الحكومة أن تتحمل جزءا من تعويض هذا الاستثمار، أي أن تتكفل منظمة “إيميدرو” بجزء من تأمين رأس مال المساهمين في المناجم الصغيرة حتى يتمكنوا من الحفاظ على حصتهم على الأقل، مؤكدا أن هذه العملية يجب أن تنفذ بشكل تدريجي، لأن الاكتفاء بخطوة واحدة لن يؤدي إلى النتيجة المرجوة.
وأضاف عسكرنجاد، في إشارة إلى إعادة تخصيص المناطق المطروحة في المزادات إلى مشاريع صغيرة، أن هذه المناطق لا ينبغي أن تُسلَّم باستمرار إلى أفراد أو شركات تفتقر إلى الكفاءة المالية والفنية، بل يجب أن تُطرح في صورة كتل كبيرة لتُمنح للشركات التي تتمتع بالمؤهلات الفنية والقدرات المالية اللازمة.
تأمين المواد الخام
تابع عسكرنجاد أن المناجم القائمة تحتاج إلى حوافز تشجع أصحاب المناجم الصغيرة على الدخول في تعاون مع الشركات الكبرى، موضحا أن هذا التعاون يمكن أن يبدأ في إطار عقود لتأمين المواد الخام، ثم يتطور في نهاية المطاف، مع اعتماد سياسات مناسبة، إلى شراكة هيكلية.
وأكد أن على الحكومة أن توفر حوافز للشركات الكبرى التي تتحمل مخاطر قبول مساهمين جدد، وكذلك للشركات الصغيرة التي تخشى ضياع حصتها.
وفي سياق الحوار، انتقل يوسف عسكر نجاد، المحلل البارز في اقتصاد التعدين، إلى استعراض وضع الاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع التعدين والصناعات التعدينية في البلاد.
وأشار إلى التحديات والإهمال القائم في سلسلة القيمة ضمن هذا القطاع، مبيّنا أن معظم النقاشات الحالية بشأن الاستثمار في التعدين والصناعات التعدينية تتركز حول كيفية الوصول إلى المراحل النهائية مثل إنشاء المصانع ووحدات المعالجة.
وأضاف أن الاستثمارات المنفذة حتى الآن اقتصرت في الغالب على المشاريع التي جرى تمويلها بالكامل من البداية حتى النهاية، وغالبا ما تركزت في مجال الفولاذ، ولا سيما في القطاع الخاص، أما في قطاع النحاس، فقد تركزت الاستثمارات بشكل أكبر على مراحل إنتاج مركزات النحاس أو الكاثود.
وبيّن عسكرنجاد أن الاستثمارات لم تُوجَّه نحو سلاسل تمتلك قيمة مضافة عالية، مثل سلسلة السبائك، في حين أنه بالتوازي مع مسار التحول من الحجر إلى الفولاذ، كان ينبغي تطوير سلاسل المعادن الخاصة مثل الكروم والتيتانيوم والمنغنيز والسيليس من أجل إنتاج سبائكها.
وأوضح أن المطلوب هو تنفيذ عملية الاستثمار من بداية هذه السلاسل حتى نهايتها، مشيرا إلى أن هذه السلاسل يمكن أن تُستخدم سواء في قطاع الحديد أو في قطاع النحاس لإنتاج منتجات مثل الأنودات أو المواد النظيرية.
لكنه أشار إلى أن التركيز اقتصر للأسف على المستويات المتوسطة من السلسلة التحتية، مؤكدا أن المقصود من السلسلة التحتية هنا ليس الإنتاج النهائي مثل الأسلاك، والبراغي، والصفائح، وهياكل السيارات، أو الألمنيوم في الصناعات المختلفة، وإنما المراحل الوسيطة من هذه السلسلة.
وذكر أن تحويل الفولاذ إلى سبائك يضاعف من قيمته المضافة بدرجة كبيرة، غير أن هذا الجانب لم يحظ بالاهتمام الكافي، وهو ما أجبر البلاد على استيراد السبائك أو المواد الأولية اللازمة لها من الخارج، رغم توافرها داخل إيران، إلا أن الاستثمار لم يُوجَّه إلى التقنيات المرتبطة بإنتاج هذه السبائك، مثل النيكل والكروم والتيتانيوم والعناصر المشابهة الأخرى.
الفرصة الذهبية في المناجم غير الفلزية
ذكر عسكر نجاد أن قطاع المناجم غير الفلزية في البلاد يعاني من إهمال شديد، رغم أن إيران تجلس فوق “محيط” من هذه الثروات. وأشار إلى أن المعادن غير الفلزية مثل كربونات الكالسيوم، والجبس (بأنواعه المتعددة وطرق استخراجه المختلفة)، والباریت، والترب الصناعية، وصناعات الحراريات، والجارنت، والمواد الكاشطة، والميكا، والسيلستين وغيرها، جميعها تتمتع بقيمة عالية للغاية وعوائد كبيرة.
وبيّن أن هذا القطاع، خلافا للتصور السائد، أكثر تخصصا من المناجم الفلزية، ذلك أن تركيبها الكيميائي غالبا أكثر تعقيدا، فضلا عن تنوع تطبيقاتها.
وأوضح المحلل البارز في اقتصاد التعدين أن عنصر السترونسيوم المستخرج من معدن السيلستين يُستخدم اليوم على نطاق واسع في إنتاج الجيل الجديد من الخلايا الشمسية، حيث يسهم في تعزيز قدرة التخزين الطاقي، وهو ما يدل على أن مجرد عمليات معالجة جزئية وذات تكلفة منخفضة للمعادن غير الفلزية يمكن أن تفضي إلى قيمة مضافة عالية جدا، غير أن هذا المجال بدوره لم يحظ بالاهتمام المطلوب.
وأضاف أن النموذج الاستثماري يجب أن يُعاد تصميمه بحيث يشمل السلسلة الكاملة للقيمة والإنتاج وصولا إلى المنتج النهائي، ولفت إلى أنه في مجال الخلايا الشمسية مثلا، من الضروري أن يبدأ الاستثمار من توفير المواد الأولية مثل التيلوريوم وصولا إلى إنتاج الصفائح المقطعة (السلايسرات) ومن ثم المنتج النهائي.
وأكد أن مثل هذا النوع من الاستثمارات يجعل الصادرات قائمة على المنتجات ويحد من ظاهرة بيع الخام، كما أشار إلى أنه في بعض الحالات ينبغي تنفيذ استثمارات خارجية لتأمين المواد الأولية الخاصة، بما يسهّل استيرادها، وهو أمر يجب أن يدرج ضمن السياسات الاستثمارية.
وشدد عسكر نجاد على أن الاستثمار في قطاع التعدين والصناعات التعدينية ينبغي أن يتم بشكل متسلسل ومتكامل، وألا يقتصر على استخراج الخام أو إنتاج المركزات، مبينا أنه في غير هذه الحالة، كما أظهرت التجارب حتى الآن، فلن يتحقق نمو مستدام ذو قيمة مضافة مرتفعة.

المحاور التعدينية
أشار عسكر نجاد، في جانب آخر من حديثه، إلى ضرورة إنشاء محاور تعدين، مؤكدا أنه في إطار التنمية التجارية وتعزيز التفاعل مع دول المنطقة، يجب التوجه نحو تأسيس محاور متخصصة مثل محور المعادن، أو محور مواد البناء، أو محور كربونات الكالسيوم. وبيّن أن هذه المحاور يمكن أن تؤدي دور مراكز لتجميع المواد الخام وتشكل قاعدة لجذب المستثمرين الأجانب، وخصوصا من دول المنطقة.
وتابع أن المستثمرين الأجانب، ولا سيما من بلدان المنطقة، يمكنهم من خلال هذه المحاور المشاركة بشكل مباشر في عملية تسويق المواد المعدنية، موضحا أن هذه العملية، إلى جانب تسهيل التبادلات المالية وعمليات التصدير، يمكن أن تسهم أيضا في حل جزء من الإشكالات السياسية والعقوبات، لكون التبادلات ستُجرى داخل البلاد وفي الوقت نفسه بصيغة دولية.
وأضاف المحلل البارز في اقتصاد التعدين أن الغرف التجارية يجب أن تكون المحور الأساسي في إنشاء مثل هذه المحاور، ولكن ليس من خلال نهج احتكاري، بل عبر آلية تتيح مشاركة جميع أعضاء الغرفة، على نحو يضمن للمستثمرين الأجانب دخول عملية الاستثمار بثقة واطمئنان.
وأكد أن المستثمر الأجنبي عندما يضخ أمواله داخل البلاد، فإن عمليات التصدير أو أي نشاط اقتصادي آخر ستكون مصحوبة بسيولة أسهل بكثير، وهو ما يعني أن الكثير من المشكلات السياسية وأزمة العقوبات ستجد حلا ضمن هذا النموذج.
وبيّن عسكر نجاد أن تبادل العملات أو إجراء المعاملات المالية سيكون داخل إيران، حتى وإن كان بعملات دولية أو بعملة الدولة المستثمرة، إلا أن النقطة الجوهرية هي أن هذه المبادلات ستتم على أرض البلاد نفسها، وبالتالي لن تكون هناك حاجة إلى نقل الأموال بشكل مادي، سواء عبر الحقائب أو على شكل منصّات.
وأوضح أن هذه الآلية تزيل بالكامل كثيرا من المخاطر، والخسائر، وحالات انعدام الأمن المرتبطة بنقل الأموال، طالما أن العملية تجري داخل الحدود الوطنية. وختم عسكرنجاد بالتأكيد على ضرورة تصميم نموذج استثماري يشمل السلسلة الكاملة للقيمة والإنتاج.
واعتبر أن الاكتفاء باستخراج الخام أو إنتاج المركزات يحول دون بلوغ الأهداف الاقتصادية، مشيرا إلى أن الاستثمارات الناجحة هي تلك التي تنتهي بمنتج نهائي وتحوّل الصادرات من كونها قائمة على المواد الخام إلى كونها قائمة على المنتجات.
كما أضاف أنه في بعض الحالات تفرض الضرورة القيام باستثمارات خارجية من أجل تأمين بعض المعادن الإستراتيجية، لكنه شدد على أن تبني رؤية شاملة ومتكاملة في الاستثمار في قطاع التعدين والصناعات التعدينية يمثل ضرورة لا يمكن التغاضي عنها.

