- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 644 Views
لحظات صعبة تعيشها إيران، فبينما تسعى طهران إلى تهدئة الداخل والاستعداد لكل الاحتمالات، تخرج تصريحات بعض الشخصيات، لتزيد المشهد الداخلي تعقيدا، من هنا اكتسبت تصريحات محمد جواد لاريجاني، أحد أبرز الوجوه الأصولية، قدرتها على خلق حالة من الاستنكار، لا لكونها فقط مثيرة للجدل، بل لأنها بثت من على منبر الإعلام الرسمي، وفي توقيت حساس داخليا وخارجيا، الأمر الذي يفتح الباب أمام التكهنات بتبني مؤسسات الدولة أفكار تيار واحد على حساب الآخر.
تصريحات لاريجاني.. من فتاوى الاغتيال إلى التحليلات الميدانية الخاطئة
تصدرت المرات الأخيرة الذي ظهر فيها لاريجاني على شاشة التلفزيون الإيراني الصفحات الأولى لوسائل الإعلام في الداخل والخارج، فالرجل الذي يرأس مركز أبحاث العلوم الأساسية، ويتم تقديمه باستمرار بوصفه محللا استراتيجيا في شؤون السياسة الدولية، قد تجاوز خلالها الخطوط التقليدية بالنسبة لعالم أو حتى محلل.
فخلال الحرب بين إيران وإسرائيل والتي استمرت 12 يوما حتى إعلان الرئيس الأمريكي ترامب وقف إطلاق النار، وفي الوقت الذي كانت فيه أنباء الهجوم الأمريكي على منشأة فردو النووية تتوارد، خرج لاريجاني في برنامج تلفزيوني ليقول بثقة: “الأمريكيون لن يهاجموا فوردو، وإن فعلوا، فالأمر رمزي فقط، لأننا لا نستخدم فردو لمهاجمة إسرائيل، ولم تمض ساعات حتى حدث الهجوم فعلا، الأمر الذي حول تحليله إلى نموذج ساخر عن خطأ التقديرات في المنابر الرسمية”.

كذلك، وفي أحد ظهوراته الإعلامية اللافتة على شاشة التلفزيون، الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، صرح لاريجاني: “يمكننا استهداف سرة ترامب عبر طائرات مسيرة، لكننا نقاتل بشرف”، التصريح وحده كان كافيا ليثير ردود فعل حادة، ويعيد التذكير بفتوى كان قد أيّدها ضمنيا حول جواز اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لكن التصعيد لم يتوقف عند هذا الحد، فقد هاجم لاريجاني أيضا الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، بسبب تلميحاته الإيجابية إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، خلال لقائه مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، واصفا تلك المواقف بأنها مؤسفة وتفتقر إلى إدراك حقيقي لطبيعة الصراع، كما اعتبر دعم بزشكيان لموقف يميز بين واشنطن وتل أبيب خطأ استراتيجيا، مؤكدا أن أمريكا هي القائد الفعلي لأي عدوان على إيران، وأن الفصل بين العدوين وهم خطير.

أما عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد بلغ الهجوم ذروته حين وصف مديرها رافائيل جروسي بأنه مجرم من الدرجة الأولى ويجب أن يحاكم، داعيا إلى تعليق العمل ببنود معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) إلى حين محاكمة جروسي، ومؤكدا أن “الملف النووي الإيراني انتهى، ولا يجوز التفاوض عليه مجددا”.

ردود الفعل الداخلية انتقادات لاذعة من إصلاحيين وأصوليين
لم تمر هذه التصريحات دون رد، والمفاجئ أن الانتقادات لم تأت فقط من التيار الإصلاحي، بل حتى من شخصيات محسوبة على التيار الأصولي، ومن داخل المؤسسة الإعلامية نفسها.
فقد كتب الصحفي الأصولي، محمد مهاجري، على حسابه بمنصة إكس الأحد 13 يوليو/تموز 2025، معلقا على لقاءات لاريجاني في التلفزيون، قائلا: “من ذكاء هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أنها وبدلا من إنفاق مبالغ طائلة على إنتاج مسلسل كوميدي والقلق بشأن نجاحه من عدمه، لجأت إلى استخدام مهرج قوي اسمه جواد لاريجاني، فجميع تصريحاته مضحكة، والناس ينفجرون ضحكًا عند مشاهدته”.

أما الصحفي الإصلاحي إحسان بداغي، فذكر بتحليلات لاريجاني السابقة قائلا: “لاريجاني قال يوما إن سقوط بشار الأسد مستحيل، وبعدها بـ24 ساعة فقد الأسد السيطرة، واليوم يقول لن يقصف فردو، فحدث القصف خلال ساعات، هل هذه تحليلات أم تنجيم فاشل؟”.

أما هاتف صالحي، الإعلامي الأصولي، فقد علق قائلا: “بصراحة، هذه الاستضافات المتكررة لجواد لاريجاني في التلفزيون الإيراني أصبحت نوعا من الإهانة للوعي العام”.

الإعلامي الإصلاحي روح الله جمعهای، انتقد أيضا الترويج المستمر لأصوات مثل لاريجاني قائلا: “ما بين علي لاريجاني وجواد لاريجاني هناك فرق شاسع، لكن التلفزيون الإيراني يعيدنا دوما إلى نقطة الصفر، حيث لا مكان إلا لأصوات اللون الواحد”.

تأثير التصريحات على صورة إيران داخليا وخارجيا
لم تقتصر انعكاسات تصريحات لاريجاني على الإطار المحلي فحسب، بل امتدت آثارها إلى الخارج، حيث تقرأ هذه التصريحات في العواصم الغربية كجزء من المزاج السائد داخل السلطة الإيرانية، خصوصا حين يستخدم الإعلام الرسمي منبرا دائمًا لها.
ففي تقرير لصحيفة سازندجي الإصلاحية، الاثنين 14 يوليو/تموز 2025 قالت الصحيفة إن تلك التصريحات تخلق في الداخل الإيراني إرباكا واضحا في مسار الحكومة، خصوصا في ظل تناقضها مع توجهات الرئيس، الذي يسعى إلى تهدئة خارجية نسبية، كما تعزز التصريحات حالة الاستقطاب بين التيارين الإصلاحي والأصولي، وتضعف قدرة الحكومة على فرض خطاب موحد في السياسة الخارجية.

وأكملت بدورها الصحيفة، أن هذه التصريحات تبدو كأنها رسالة مزدوجة للخارج، فبينما يبعث بزشكيان بإشارات تفاوض، يطل لاريجاني على القنوات الرسمية ليهدد باستهداف ترامب ومحاكمة غروسي، ويرفض مبدأ التفاوض حول الملف النووي أصلا. هذه الصورة المزدوجة تُضعف مصداقية أي مسار تفاوضي محتمل، وتمنح خصوم إيران ذريعة إضافية للقول إن صناع القرار في طهران لا يتحدثون بصوت واحد، وفيما تزداد الضغوط الاقتصادية على إيران، تعيد مثل هذه التصريحات توجيه الرأي العام العالمي نحو رواية متشددة يصعب الدفاع عنها دبلوماسيا.
التلفزيون الإيراني.. هل بات منبرا للأصوليين؟
على الجانب الأآخر، فإن ممارسات التلفزيون الإيراني تثير تساؤلات حقيقية حول دوره في المجتمع، ومدى انحيازه إلى تيار دون آخر، الأمر الذي حذر منه، ماشا الله شمس الواعظين، الصحافي والمحلل السياسي، في حديثه مع صحيفة شرق الأحد 13 يوليو/تموز 2025، حيث صرح بأن “هيئة الإذاعة والتليفزيون فشلت في مواكبة التحولات في البلاد، وبنيتها الاحتكارية لا تسمح بأي تغيير داخلي. هذا الانغلاق هو أكبر هدية لإسرائيل، لأنه يقتل التعددية من الداخل”.

وأضاف شمس الواعظين: “في الحرب الأخيرة، لم تكن هيئة الإذاعة والتلفزيون هي من حشدت الناس، بل الناس هم من أنقذوا هيئة الإذاعة والتليفزيون، فحضور بعض الشخصيات الإصلاحية كان ضرورة لا خيارا، واليوم يعود التلفزيون إلى المربع الأول الإقصاء والتكتم والخوف من التعدد”.
بل إنه ذهب أبعد من ذلك، حين قال: “حتى لو تغير مدير التلفزيون، فإن النموذج السائد لا يزال قائما، وهو نموذج يقوم على الصوت الواحد والخوف من الاختلاف، وهذا بالضبط ما تريده واشنطن وتل أبيب، إيران بلا رأي عام متنوع، بلا إعلام مستقل”.
من يضبط الإيقاع؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تزداد أهمية الخطاب الإعلامي داخل إيران، وحين تتكرر التصريحات المثيرة للجدل من شخصيات بحجم جواد لاريجاني، وتبث من خلال التلفزيون الرسمي، يصبح من المهم طرح الأسئلة حول من يُمسك بدفة الرسائل الصادرة من طهران؟ وهل يمكن أن تبني إيران سياسة خارجية متماسكة في ظل هذا التناقض العلني بين جناحين في السلطة؟

