- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 646 Views
بدأت الهمسات والأحاديث غير الرسمية في بداية الحرب الإسرائيلية-الإيرانية؛ بعضها على شكل أسئلة وتكهنات، وبعضها الآخر على شكل اتهامات صريحة وواضحة.
كانت الرواية المتداولة: إمكانية مساعدة أذربيجان لإسرائيل في هجومها العسكري الأخير على إيران، حتى إن مواطنين من المناطق الشمالية أو القريبة من حدود أذربيجان أفادوا بسماع أصوات طائرات مقاتلة تحلق في سماء المنطقة؛ طائرات مقاتلة، في رأيهم، قادمة نحو إيران من الشمال الغربي، وليس من الجنوب الغربي.
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية- الإيرانية فجر يوم الجمعة (13 يونيو/حزيران 2025)، التي أطلق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اسم “حرب الاثني عشر يوما”، أصبحت إمدادات النفط عاملا حاسما في دعم الاقتصادات والعمليات العسكرية للأطراف المتحاربة، إسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط لتلبية احتياجاتها الطاقة، وجدت في أذربيجان موردا رئيسيا يوفر ما يقارب 40-55% من احتياجاتها النفطية عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC)، الذي يمر عبر تركيا.
1. تحديات العلاقات الإيرانية الأذربيجانية
تمر العلاقات بين إيران وأذربيجان بمرحلة معقدة بسبب تحديات سياسية وأمنية، مثل قضية ممر زنغزور والتي تخشى انقطاع حدودها مع أرمينيا وتطويقها (في القوقاز) على نطاق واسع من قِبَل تركيا وأذربيجان صاحبتَيْ العلاقات غير الودية معها (لا سيما أذربيجان صاحبة العلاقات الوطيدة بإسرائيل، التي اتُّهِمَت باستمرار بأنها قاعدة للنشاطات الاستخباراتية الإسرائيلية الموجَّهة ضد إيران) والوجود الأمني الإسرائيلي المكثف في أذربيجان، مما يهدد المصالح الإيرانية الاستراتيجية.
تاريخيا، اقتصرت استجابة إيران على المناورات العسكرية والتحذيرات الدبلوماسية، مما يكشف عن نقص في أدوات الضغط المدني، وهي الخيار الأمثل للسياسة الخارجية لتجنب التصعيد العسكري وتعزيز النفوذ.
كما أن الاعتماد على التهديدات العسكرية كخيار أولي يُضعف فعاليتها ويدفع الطرف الآخر لتعزيز قوته العسكرية.

اقتصاد أذربيجان يعتمد بشكل رئيسي على النفط والغاز، حيث تشكل الصادرات النفطية أكثر من 90% من إجمالي صادراتها (30 مليار دولار)، وبشراء إسرائيل، 150 ألف برميل يوميا من إنتاج أذربيجان (500 ألف برميل)، أصبحت ثالث أكبر مشترٍ، مستفيدة من هذا لتعزيز نفوذها، في المقابل، التبادل التجاري بين إيران وأذربيجان ضعيف، بقيمة 470 مليون دولار فقط، وحصة النفط فيه تكاد تكون معدومة، رغم قرب البلدين وقدرة إيران على استيراد النفط.
في المقابل تمتلك إيران فرصة اقتصادية كبيرة عبر شراء النفط الأذربيجاني لتغذية مصفاة تبريز (110 آلاف برميل يوميا)، التي تعتمد حاليا على نقل النفط من الجنوب بتكلفة 60 مليون دولار سنويا، كما أن استيراد النفط من أذربيجان سيقلل من هدر الطاقة، ويمكن لإيران تصدير نفطها الجنوبي لمشترين مثل الهند وباكستان.
هذا التفاعل سيوفر نفوذا مدنيا، يقلل التوترات، ويفتح قنوات حوار، وإنشاء خط أنابيب بين البلدين سيضمن استدامة الإمدادات، ويصحح الميزان التجاري، ويسمح بالتخلي عن الدولار في المعاملات، مما يخفف العقوبات ويعزز التعاون الثنائي في مجالات أخرى.
2. العلاقات التركية الأذربيجانية: أساس الشراكة النفطية
تتمتع تركيا وأذربيجان بعلاقات وثيقة ترتكز على القومية التركية المشتركة، واللغة، والتاريخ، منذ استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، عملت تركيا على تعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري معها، ويُعدّ خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC) أحد أبرز مظاهر هذا التعاون، حيث ينقل النفط الأذربيجاني من بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركي، ثم إلى الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، هذا الخط، الذي بدأ العمل عام 2006، يُعتبر شريانا اقتصاديا حيويا لكلا البلدين، حيث يعزز مكانة تركيا كمركز لنقل الطاقة، ويوفر لأذربيجان منفذا لتصدير مواردها الطبيعية.

خلال حرب قره باغ الثانية عام 2020، دعمت تركيا أذربيجان عسكريا وسياسيا، مما عزز التحالف بينهما هذا الدعم شمل تزويد أذربيجان بطائرات مسيرة متقدمة، مما ساعدها على تحقيق تفوق عسكري ضد أرمينيا، هذا التعاون العسكري أثار قلق إيران، التي ترى فيه تهديدا لنفوذها في منطقة القوقاز، خاصة مع وجود إسرائيل كشريك استراتيجي لأذربيجان.
ونقلت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا” عن صحيفة “غلوبس” العبرية أن النظام الإسرائيلي أصبح من أهم مصدري المعدات العسكرية إلى جمهورية أذربيجان في السنوات الأخيرة، ومن أهم العقود الموقعة في هذا المجال بيع طائرات هاروب المسيرة، وصواريخ لورا، ونظام الدفاع الجوي باراك إم إكس بقيمة 1.2 مليار دولار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بالإضافة إلى بيع قمرين صناعيين بقيمة 120 مليون دولار في أكتوبر/تشرين الأول 2024.
في الوقت ذاته تُشكل العلاقات بين تركيا وأذربيجان ركيزة أساسية في توريد النفط إلى إسرائيل، حيث يُعد خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، الذي يمتد لمسافة 1.768 كيلومترا، أحد أهم مشاريع الطاقة في المنطقة، حيث ينقل حوالي مليون برميل يوميا من النفط الخام من حقول بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركي وتدير شركة النفط الأذربيجانية الحكومية (SOCAR) العمليات الرئيسية للخط.
في وقت سابق من عام 2024 هاجمت مجموعة من المتظاهرين مكتب شركة النفط الأذربيجانية “سوكار” في إسطنبول، احتجاجا على “بيع النفط لإسرائيل”، وأكدت شركة “سوكار” أنها لا تبيع النفط مباشرة لإسرائيل، ولا تتدخل في قرارات الشركات الموردة التي تبيعه.

بينما تملك تركيا حصة كبيرة في تشغيله عبر شركة بوتاش التركية، خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يونيو/حزيران 2025، أظهرت بيانات شركة “كبلر” لتتبع الشحنات أن ميناء جيهان صدر حوالي 200 مليون برميل من النفط، وجهت نسبة كبيرة منها إلى إسرائيل.
هذا التعاون التجاري بين البلدين يعكس مصالح اقتصادية متبادلة، حيث تستفيد تركيا من رسوم العبور وتعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، بينما تحقق أذربيجان عائدات ضخمة من تصدير مواردها ومع ذلك، فإن استمرار الشحنات إلى إسرائيل خلال الحرب أثار جدلا واسعا، خاصة مع الخطاب التركي المناهض لإسرائيل.
2. العلاقة الاستراتيجية بين أذربيجان وإسرائيل: النفط مقابل الأسلحة
في عام 2009، وصف الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف نفسه، في تصريحات كشفها موقع ويكيليكس، العلاقة بين باكو وتل أبيب بأنها “جبل جليدي يغمره تسعة عشر جزءا منه”، مشيرا إلى أن جزءا كبيرا من هذه العلاقة ليس معلنا للعامة؛ مع أن جوانب أخرى من هذه العلاقة قد برزت منذ ذلك الحين حتى أن البعض يصف هذه العلاقة بأنها أفضل علاقة بين دولة إسلامية وإسرائيل.
أذربيجان تُعدّ واحدة من أهم موردي النفط لإسرائيل، حيث توفر ما بين 40-55% من احتياجاتها النفطية، خاصة بعد الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب الروسية-الأوكرانية التي أثرت على إمدادات الطاقة العالمية.

بدأت العلاقات بين البلدين منذ عام 1992، وتطورت لتشمل تبادلا استراتيجيا: النفط الأذربيجاني مقابل الأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية، خلال حرب قره باغ الثانية عام (2020)، حين زودت إسرائيل أذربيجان بطائرات مسيرة متقدمة وأنظمة دفاع جوي، مما ساعد باكو على تحقيق انتصار حاسم ضد أرمينيا، في المقابل، عززت أذربيجان صادراتها النفطية إلى إسرائيل، مما جعلها شريكا لا غنى عنه.
خلال الحرب الإسرائيلية-الإيرانية (يونيو/حزيران 2025)، استمرت أذربيجان في تزويد إسرائيل بالنفط عبر خط BTC، حيث أشارت بيانات الشحن إلى استمرار تدفق حوالي 120-150 ألف برميل يوميا إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، هذا الإمداد كان حيويا لإسرائيل، خاصة بعد استهدافها لمنشآت نفطية إيرانية، مثل مصفاة بندر عباس وحقل جنوب فارس، مما أدى إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج إيران وصادراتها النفطية، وبالتالي زيادة اعتماد إسرائيل على مصادر بديلة مثل أذربيجان.
إلى جانب النفط، تتضمن العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل تعاونا عسكريا واستخباراتيا، حيث زودت إسرائيل أذربيجان بأسلحة متقدمة، بما في ذلك طائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي، استخدمتها أذربيجان بنجاح في حرب قره باغ عام 2020، حيث تُعدّ باكو زبونا للأسلحة والمعدات الإسرائيلية منذ سنوات طويلة، وتُعدّ إسرائيل المورد الرئيسي للمعدات والأسلحة العسكرية لجمهورية أذربيجان، وتشير أبحاث معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أنه بين عامي 2016 و2020، استوردت أذربيجان 69% من الأسلحة من إسرائيل، بينما استوردت أذربيجان 17% من صادراتها من الأسلحة خلال الفترة نفسها.
في المقابل، تُعد أذربيجان قاعدة استراتيجية لإسرائيل لمراقبة إيران، حيث تُشير تقارير إلى استخدام إسرائيل للأراضي الأذربيجانية في عمليات استخباراتية، بما في ذلك سرقة وثائق نووية إيرانية عام 2018.

أذربيجان كشريك استراتيجي، في الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي 1.15 مليار دولار بزيادة قدرها حوالي 40% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023، ووفقا للخبير الإسرائيلي تال كاتران، تعمل حاليا أكثر من 100 شركة إسرائيلية في أذربيجان.
يُذكر أنه في عام 2023 استحوذت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية (سوكار) على حصة 10% في حقل غاز تامار الإسرائيلي، مما عزز التعاون في مجال الطاقة بين البلدين، إضافة إلى ذلك، يُعتبر موقع أذربيجان الجغرافي الاستراتيجي، المجاور لإيران وروسيا ميزة إضافية لإسرائيل، فقد اتهمت إيران أذربيجان بتسهيل عمليات استخباراتية إسرائيلية، بما في ذلك سرقة وثائق نووية عام 2018 واغتيال علماء نوويين إيرانيين، مما يعزز التوترات بين طهران وباكو، مما جعل آذربيجان لاعبا محوريا في الصراع الإسرائيلي-الإيراني.
3. كيف يصل كل هذا النفط إلى إسرائيل؟
للأسف، يضعنا هذا السؤال وجها لوجه مع دور تركيا، حيث يُنقل النفط الذي تبيعه أذربيجان لإسرائيل عبر أنقرة، ويُستخدم خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC) للنقل والذي يقع 1076 كيلومترا من هذا الخط في تركيا.
تُدير شركة بوتاش الدولية هذا الجزء الطويل من خط الأنابيب في تركيا. هذه الشركة مملوكة لشركة بوتاش، إحدى الشركات الحكومية التابعة لصندوق الثروة الرئاسي، وتحصل إسرائيل على 40% من نفطها عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC)، وهو طريق طاقة حيوي يمتد من بحر قزوين عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا إلى ميناء جيهان التركي، ثم عبر ناقلات النفط إلى الموانئ الإسرائيلية.

باختصار: تركيا هي المُشغِّل، وبالتالي الناقل، للنفط الذي تبيعه أذربيجان لإسرائيل، في الواقع، يُقرّ وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار بهذا الوضع قائلا: “واجبنا هو نقل النفط الذي يمر عبر معبر تبليسي-تيبليسي-قره باغ بشكل سليم، وتحميله على ناقلات من ميناء جيهان”.
ومن ثم فإن تركيا تلعب دورا محوريا في نقل النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل عبر ميناء جيهان، الذي يُعدّ المنفذ النهائي لخط أنابيب BTC وعلى الرغم من إعلان تركيا في مايو/أيار 2024 مقاطعة تجارية شاملة ضد إسرائيل، مشروطة بوقف العدوان على غزة، فإن النفط الأذربيجاني استمر في التدفق إلى إسرائيل خلال الحرب الإسرائيلية-الإيرانية.
ولم توقف أنقرة تحميل النفط الأذربيجاني المتجه إلى ميناء حيفا الإسرائيلي بحسب تقرير مترجم لوكالة “إيسنا” الإيرانية، نقلا عن صحيفة “غلوبس” العبرية، مما يعكس تعقيدات العلاقة الثلاثية بين تركيا، أذربيجان، وإسرائيل، ونقلا عن مصادر إسرائيلية رسمية، كشفت أن النفط الخام يُنقل عبر خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان (BTC) إلى ميناء جيهان التركي، ومنه يُصدّر بالناقلات إلى ميناء حيفا في الأراضي المحتلة.
في يناير/كانون الثاني 2024 كانت تل أبيب أكبر مستورد للنفط الأذربيجاني، حيث استوردت أكثر من 523 ألف طن من النفط الخام بقيمة تقارب 297 مليون دولار، وتُعدّ أذربيجان من أهم موردي النفط للنظام الإسرائيلي، بجانب كازاخستان ونيجيريا، كما كان يبلغ حجم التجارة السنوي بين تركيا والنظام الإسرائيلي 9.5 مليار دولار.
وأكدت “غلوبس” أن استمرار صادرات النفط إلى إسرائيل يعود إلى المصالح الاستراتيجية لتركيا مع أذربيجان، وليس لعلاقاتها مع تل أبيب.
على الرغم من الخطاب التركي المناهض لإسرائيل، خاصة بعد حرب غزة بعد أحداث عاصفة الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، استمر تدفق النفط الأذربيجاني إلى تل أبيب عبر ميناء جيهان التركي.
ونجح في الوصول إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، حيث سجلت بيانات شركة “كبلر” لتتبع الشحنات استيراد إسرائيل لـ120 ألف برميل يوميا من أذربيجان عبر تركيا في أبريل/نيسان 2024.
4. هل أوقفت أذربيجان بيع النفط لإسرائيل؟
هناك عمليات تلاعب أكبر من الجانب الأذربيجاني، باكو التي تُوثّق رسميا كمية النفط التي تبيعها شهريا للدول المختلفة، بدأت بتحريف البيانات منذ نهاية عام 2024 وانخفضت مئات آلاف الأطنان من النفط المباع لإسرائيل فجأة إلى الصفر.

ذكرت صحيفة هآرتس: “تشير مصادر في قطاع الطاقة الإسرائيلي إلى أن الأرقام الأذربيجانية تُظهر فقط توقف صادرات النفط المباشرة إلى إسرائيل، ولكن يُمكن إجراء الصادرات عبر نفس المسار بشكل غير مباشر عبر وسطاء مسجلين في دولة ثالثة، وهو ما يتضح أيضا في بيانات الجمارك الأذربيجانية وتُشير المصادر إلى أن شركات تجارية كبرى مثل ترافيجورا وفيتول وجلينكور تُعدّ من أكبر شركات تجارة النفط العالمية، ووفقا للأرقام الأذربيجانية الإسرائيلية، ارتفعت صادرات النفط إلى إيطاليا من 2.4 مليون طن في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2024 إلى حوالي 4.4 مليون طن في الفترة نفسها من عام 2025″.
باختصار لم تتوقف أذربيجان عن بيع النفط لإسرائيل، بل وجدت غطاء جديدا للشحنة، يبدو أن شحنات النفط تُباع على الورق لدول أخرى أو لشركات تخدم دولا أخرى، وتبيعها بشكل غير مباشر لإسرائيل. وهنا أيضا، إيطاليا هي الأبرز.
5. شراكة آل أردوغان مع تل أبيب
كشف الصحفي الاستقصائي التركي متين جيهان المقيم في ألمانيا عن تورط شركات مرتبطة بعائلة أردوغان في عمليات الشحن لإسرائيل.
مما زاد من الجدل حول ازدواجية المواقف التركية ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، أطلق جيهان حملة تحت هاشتاغ #StopShipsToIsrael، مستخدما بيانات مفتوحة المصدر مثل أرشيف التجارة البحرية لتتبع حركة السفن من ميناء جيهان إلى الموانئ الإسرائيلية، مثل حيفا وأشدود.

كشف جيهان أن شحنات النفط الأذربيجاني استمرت في الوصول إلى إسرائيل حتى أثناء حرب غزة (2023-2024) وخلال الحرب الإسرائيلية- الإيرانية (يونيو/حزيران 2025)، وأشار إلى أن بعض السفن المملوكة أو المرتبطة بشركات لأشخاص مقربين من عائلة أردوغان، مثل شركة BMZ البحرية، المملوكة لنجله أحمد بوراك أردوغان، شاركت في هذه العمليات الغامضة.
6. كيف يستمر تدفق النفط عبر وسائل احتيالية؟
▪︎ بيانات الشحن البحري: استند الصحفي متين جيهان إلى أرشيف التجارة البحرية وتتبع حركة السفن باستخدام بيانات AIS (نظام تحديد المواقع التلقائي)، وأشار إلى أن حوالي 335 سفينة شحن غادرت تركيا إلى إسرائيل خلال الفترة بين 13 أكتوبر/تشرين الأول و12 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حاملة أكثر من 3 ملايين طن من البضائع.
بما في ذلك النفط الخام والمنتجات البترولية، هذه البيانات استمرت في التحديث خلال عامي 2024 و2025، مع تسجيل شحنات نفط أذربيجاني عبر ميناء جيهان إلى إسرائيل خلال حرب يونيو/حزيران 2025.
▪︎ أسماء الشركات والأفراد: حدد جيهان أسماء شخصيات بارزة في تركيا مثل أحمد بوراك أردوغان (نجل الرئيس التركي) وإيركام يلدريم (نجل رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم) كأشخاص مرتبطين بشركات شحن كبرى تشارك في قضية تصدير النفط إلى إسرائيل، كما أشار إلى وهبي كوكش، نائب في حزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا كأحد المستفيدين من هذه العمليات.
▪︎ شركات محددة: من بين الشركات المذكورة، في منشور جيهان، شركة “BMZ” البحرية، التي يُزعم أنها مملوكة جزئيا لأحمد بوراك أردوغان وأفراد آخرين من عائلة أردوغان، هذه الشركة، وفقا للصحفي التركي، لعبت دورا رئيسيا في نقل النفط الأذربيجاني من ميناء جيهان إلى إسرائيل، وقد أثارت هذه الادعاءات جدلا واسعا، خاصة مع تصريحات أردوغان المتكررة المناهضة لإسرائيل، مما دفع إلى اتهامات بازدواجية المعايير، رغم تصريحات أردوغان العلنية المناهضة لها.

كما تُشير تقارير إلى أن تركيا لا تتحكم مباشرة في النفط الأذربيجاني، حيث يتم تشغيل خط BTC بواسطة شركات دولية، وتديره شركة النفط الأذربيجانية (SOCAR) بشكل أساسي، ووفقا لبيانات الجمارك الأذربيجانية، باعت الأخيرة 2,372,439 طنا من النفط إلى إسرائيل بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/آيلول 2024.
وفي وقت لاحق، بدأ إخفاء هذه الأرقام ومع ذلك، فإن استمرار الشحنات عبر ميناء جيهان يعكس تعقيدات المصالح الاقتصادية التركية، التي تتجاوز في بعض الأحيان الخطاب السياسي.
7. ما تأثير النفط الأذربيجاني على الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟
في سياق الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، التي تصاعدت إلى مواجهات مباشرة في يونيو/حزيران 2025، يُعتبر النفط الأذربيجاني مصدرا حيويا لإسرائيل لدعم اقتصادها وجيشها خلال الصراع.
استهدفت إسرائيل منشآت نفطية إيرانية في غارات جوية عام 2025، مما أدى إلى تعطيل جزء كبير من إنتاج إيران وصادراتها النفطية، في المقابل، يوفر النفط الأذربيجاني لإسرائيل استقرارا في إمدادات الطاقة، مما يعزز قدرتها على مواصلة عملياتها العسكرية ضد إيران وحلفائها، مثل حزب الله في لبنان.
8. النفط الأذربيجاني يغذي نيران الإبادة الجماعية في غزة!

نُشرت دراسة حول هذا الموضوع مؤخرا في صحيفة الغارديان، وكان أبرز ما في هذه الدراسة هو استخدام النفط الذي تبيعه أذربيجان لإسرائيل: “بينما يذهب جزء من وقود مصافي النفط مباشرة إلى القوات المسلحة، يذهب معظم الباقي إلى محطات الوقود العادية حيث يمكن للعسكريين تزويد سياراتهم بالوقود بموجب عقود حكومية”.
كما يُؤكّد على اعتماد إسرائيل الكبير على واردات النفط الخام والمكرر لتشغيل أسطولها الضخم من الطائرات الحربية والدبابات والمركبات العسكرية الأخرى، بالإضافة إلى الجرافات التي تهدم منازل الفلسطينيين وبساتين الزيتون لإفساح المجال للمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية.
إيران، من جانبها، ترى في العلاقة بين أذربيجان وإسرائيل تهديدا مباشرا، خاصة مع استمرار تركيا في تسهيل تصدير النفط، هذا الوضع يضع أذربيجان في موقف حساس، حيث تحاول الموازنة بين علاقاتها مع تركيا وإسرائيل من جهة، وتجنب تصعيد التوتر مع إيران من جهة أخرى ومع ذلك، تشير تحليلات إلى أن أذربيجان قد تميل إلى تركيا في حالة نشوب حرب إقليمية، نظرا للعلاقات التاريخية والاستراتيجية الوثيقة بينهما.
9. التناقض في الموقف التركي

الموقف التركي يعكس توازنا دقيقا بين الخطاب السياسي والمصالح الاقتصادية، بينما يدين أردوغان إسرائيل ويدعم القضية الفلسطينية، فإن استمرار تصدير النفط الأذربيجاني عبر تركيا يُظهر أولوية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.. هذا التناقض أثار انتقادات داخلية وخارجية، حيث طالب ناشطون بوقف تصدير النفط كخطوة عملية لدعم الفلسطينيين.
في منشور سابق له عبر منصة تويتر “إكس حاليا”، بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 2023، كتب الصحفي التركي متين جيهان: “بينما كان الهجوم على غزة مستمرا، أرسلنا 400 سفينة إلى إسرائيل، شحنّا 4 ملايين طن من البضائع، وقدمنا الوقود للطائرات الإسرائيلية والملابس لجنودها، وقطع أسلحتها، والحمد لله أننا أرسلنا صلواتنا إلى الفلسطينيين”.
وفي هذا الصدد نشر جيهان في الثالث من أبريل/نيسان 2024 تويتة أخرى فيها تفاصيل فاضحة وتكشف عن شحنات تركية مصدرة إلى إسرائيل وسط استمرار الحرب على غزة لتفضح طبيعة التعاملات التجارية المباشرة بين أنقرة وتل أبيب، حيث أرسلت شركة “إيتي مادن”، المملوكة بالكامل لصندوق الثروة السيادية التركي برئاسة أردوغان، شحنة من خام البورون إلى شركة الأسمدة والكيماويات الإسرائيلية، التي تدعم الجيش الإسرائيلي.
الشحنة، التي تضمنت 21 طنا من مسحوق حمض البوريك بعبوات 25 كجم، غادرت ميناء جمليك التركي في 23 مارس/آذار 2024، ووصلت إلى ميناء أشدود الإسرائيلي في 29 مارس/آذار، ثم إلى ميناء حيفا في 1 أبريل/نيسان 2024، حيث تم تسليمها.

هذا المنشور أثار جدلا واسعا، حيث اعتبره البعض سخرية من التناقض بين الخطاب التركي الرسمي والممارسات التجارية، إزاء القضية الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ومع ذلك، يبدو أن تركيا تفضل الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع أذربيجان وتجنب تعطيل خط BTC، الذي يُعتبر ركيزة أساسية في استراتيجيتها لتصبح مركزا إقليميا للطاقة.
10. هل تستطيع تركيا إيقاف شحنات النفط إلى إسرائيل؟
الجواب واضح: يمكن إيقافه، حيث تضمنت اتفاقية خط أنابيب باكو-تبليسي-أذربيجان (BTC) المبرمة عام 2003 بين تركيا وجورجيا وأذربيجان وشركة النفط البريطانية بريتيش بتروليوم (BP) اتفاقيات إضافية.
تسمح هذه الاتفاقيات الإضافية بتعليق شحنة النفط هذه إلى تركيا، مستشهدة بالإبادة الجماعية المستمرة في غزة وحكم محكمة العدل الدولية بشأن إسرائيل.
11. أذربيجان وتركيا في قلب الصراع الإقليمي
تلعب تركيا وأذربيجان أدوارا معقدة في الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الأخيرة، حيث تجمع بينهما علاقات استراتيجية قوية، بينما تسهم أذربيجان بشكل مباشر في دعم إسرائيل من خلال إمدادات النفط، وتُسهل تركيا هذا الدور عبر بنيتها التحتية.

تعود القصة إلى ما هو أبعد من ذلك، والحديث مستمر منذ سنوات، في تقرير صدر عام 2012 نقلا عن مصادر مطلعة على السياسات العسكرية لأذربيجان، ذكرت رويترز أن باكو “ناقشت مع الإسرائيليين كيف يمكن للقواعد الجوية الأذربيجانية وطائرات التجسس المسيرة أن تساعد الطائرات المقاتلة الإسرائيلية في شن غارات بعيدة المدى”.
وأشارت الوكالة إلى أن مساعدة أذربيجان لا تُعادل بأي حال من الأحوال المساعدة العسكرية الأمريكية ولا تُغني عنها، لكنها قد تُعالج نقاط الضعف في خطة إسرائيل الحربية المحتملة مع إيران، بما في ذلك التزود بالوقود وجمع المعلومات الاستخبارية وإنقاذ القوات، مما يُتيح لإسرائيل إمكانية العمل دون مساعدة أمريكية.
هذه الديناميكيات تعكس تعقيدات المصالح الإقليمية، حيث توازن تركيا بين خطابها السياسي ومصالحها الاقتصادية، بينما تُعزز أذربيجان مكانتها كلاعب استراتيجي في القوقاز.. في المستقبل، قد تؤدي التوترات الإقليمية إلى إجبار أذربيجان على اختيار جانب واضح، مما سيؤثر على التوازنات في المنطقة.

