مساعد الرئيس الإيراني: لا نحتاج صداما بل انسجاما وطنيا لمواجهة الضغوط الدولية

أجرت وكالة أنباء إيلنا الإصلاحية، الخميس 31 يوليو/تموز 2025، حوارا مع علي ربيعي، المستشار الاجتماعي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حول الدفاع المقدّس الذي دام 12 يوما، وبرامج وإجراءات حكومة بزشكيان خلال عامها الأول، وفي ما يلي نص الحوار:

ما تقييمكم للوحدة الوطنية التي تشكّلت بعد حرب الـ 12 يوما الأخيرة؟

نحن في مرحلة أشبه بتعليق النزاع بعد الحرب الأخيرة، وتبذل الحكومة جهودا لتثبيت الاستقرار، ومن المهم توضيح أن المواجهة لم تكن مع إسرائيل وحدها، بل مع نظام عالمي قوي يدعمها، يشمل الولايات المتحدة، وأوروبا، والناتو، فالعداء لم يكن لحكومة إيرانية بعينها، بل لإيران ككيان، وهو ما فهمه الشعب بوضوح، ما عزز الإحساس بالانتماء الوطني، حتى في عهد الشاه، كانت إسرائيل تخشى أي قوة ردعية في إيران، كما تفعل مع سوريا.

والحرب كشفت عن وعي شعبي عميق، وأظهرت استطلاعات الرأي أن أغلب الإيرانيين باتوا يؤمنون بضرورة امتلاك قوة صلبة، كما تصاعدت مشاعر الرفض الشعبي لإسرائيل، ما يعكس تماسكا وطنيا نابعا من الهوية والتاريخ والدين المشترك، والمطلوب اليوم من الجميع هو تعزيز هذا الفهم وتكريسه لتقوية الانسجام الوطني.

هل لدى الحكومة خطة واضحة للحفاظ على التماسك ومواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية؟

في الواقع لقد فكّرتُ في الأجواء التي نشأت حول حكومة بزشكيان منذ البداية، وأرى أنّ هذه فرصة قد تكون تفضّلا من الله لفريق جاء ليخدم في مرحلة صعبة، وربما ما يُميّز هذه الحكومة أنّها استطاعت أن تبني علاقة ذهنية أقرب مع المجتمع، وهذا أمرٌ إيجابيّ ومبارك.

وفي الوضع الحالي، أعتقد أنّ من أبرز ما نعمل عليه هو تعزيز الانسجام الاجتماعي، وهذه القضيّة تحظى باهتمام خاصّ من بزشكيان، وهناك نقاشات متعدّدة حولها، وتُطرح برامج تهدف إلى تقوية هذا الانسجام وزيادة القدرة على الصمود الاجتماعي، حتّى إنّ منظمة الإدارة والتوظيف بدأت اليوم خطوات عمليّة في هذا الاتّجاه، من خلال إجراءات لفتح المجال أمام انفراجات اجتماعيّة حقيقيّة.

مثل ماذا؟ هل يمكن أن تذكر مثالا محددا؟

إن الحكومة تعمل على تعديل السياسات خاصة في التوظيف، ونظام الشركات، وتشجع على الانفتاح الاجتماعي وتعزيز قدرة المجتمع على التحمّل، وتسعى لتقوية التماسك الاجتماعي وتوسيع دور المؤسسات الشعبية، مع مراجعة البرامج الاجتماعية وربطها بعمل الوزارات.

وتركّز أيضا على دعم المشروعات الصغيرة والادخار المحلي لتحسين المعيشة في ظل تراجع النمو، وتعتبر البنية الرقمية أولوية أساسية، إذ بات الإنترنت عنصرا ضروريا مثل الماء والكهرباء.

وفي الحرب، ساهمت الحكومة في تأمين الأساسيات، أما اليوم فتركز على ثلاث أولويات تتمثل في تقوية الدفاع الوطني، وتعزيز الصمود الاجتماعي، وتحسين الإدارة، كما تسعى خارجيا لكسر الحصار عبر دبلوماسية متزنة بدعم داخلي، وتتحرك ضمن مسار شامل يدمج التنمية المجتمعية والنمو والإدارة والوحدة الوطنية.

ما الظروف الداخلية والدولية التي تشكّلت فيها الحكومة، وما الأسس التي قامت عليها؟

منذ تسلّم الحكومة الجديدة لمهامها، واجهت أزمات واختلالات اقتصادية مزمنة، من بينها بطالة مرتفعة، ووظائف غير مستقرة، إلى جانب أوضاع دولية صعبة، ورغم ذلك، لم يُمنح الفريق الحكومي فرصة كافية لشرح التحديات.

والنقطة البارزة في أداء بزشكيان كانت اعتماده نهج التوافق وعدم تحميل أحد المسؤولية، حيث دعا للتعاون مع جميع الأطراف، حتى أولئك الذين خدموا في الحكومات السابقة، ورغم الانتقادات التي وُجهت له، أرى أن هذا التوجه كان أبرز إنجازاته، وخطوة مهمة نحو التفاهم الوطني.

إلى أي مدى تم تطبيق ذلك عمليا؟

إن الحكومة الحالية تشهد نوعا من التوافق الأفقي يمتد من القمة إلى المستويات الإدارية الأدنى، وساهم هذا في إدارة الأزمات، وتم تعيين أشخاص من مذاهب ومناطق مختلفة رغم بعض الحساسيات، كما أن دخول نساء في المناصب يعكس تحوّلا تدريجيا.

وتواجه الحكومة تحديات كبيرة مثل أزمة صناديق التقاعد، والطاقة، لكن مشاكل الكهرباء والماء ما تزال قابلة للإصلاح، بشرط تصحيح سياسات مثل نقل الصناعات لمناطق فقيرة مائيا، وهناك حاجة لإعادة النظر في استخدام الأراضي وفقا للكفاءة المائية، كما تسعى الحكومة، بدعم من بزشكيان، إلى فتح النظام الإداري أمام كل النخب، واعتماد التوظيف عبر اختبار وطني بدلا من الوساطة.

هل الظروف التي تولّت فيها حكومة بزشكيان الحكم كانت مشابهة لما واجهته الحكومات السابقة؟

لا، لم تكن مشابهة، فبزشكيان وصل إلى الحكومة بعد فترة قصيرة من تأييد صلاحيته، من دون دعم تيار سياسي واضح، بل اعتمد على رؤيته الخاصة وشكّل طاقمه بطريقة جامعة للنخب، كما أن الظروف السياسية والاقتصادية والدولية كانت مختلفة، فقد جاءت الحكومة في ظل أزمة اقتصادية عالمية، وضغوط دولية من طرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووضع اجتماعي متوتر بعد أحداث 2022، ومشاركة انتخابية منخفضة نسبيا.

ومع ذلك، تشكلت الحكومة، وأظهرت نوعا من الصدق والرغبة في الإصلاح التدريجي، ويرى بزشكيان أن مشكلتنا الأساسية تكمن في تشخيص خاطئ للمشكلات، فهو يميز بين العارض والمرض، ويؤمن بالحلول التدريجية بمشاركة المجتمع المدني، وقد أعطى أهمية للخبراء واحترم آراءهم في الأزمات الأخيرة.

بعد عام كامل، هل تستطيع أن تمنح الحكومة تقييما؟ 

بما أنني أدرك جيدا القيود، فإنني أمنح الحكومة علامة عالية.

هل يمكننا معرفة تقييمك بالأرقام؟

دعنا نقول كما هو الحال في المدارس الحديثة التي لم تعد تعطي علامات رقمية، بل تعتمد على التصنيف والمستويات، وبرأيي، أضع الحكومة في المستوى العالي والممتاز، وأنتم تعرفون العقبات البنيوية، ونحن نعرف كيف تسير الاستقطابات في إيران، وكيف أن النظام يتفاعل مع أي قضية. 

ولقد جاء بزشكيان في هذا السياق، ويحاول تمرير مفاهيم أو لوائح لكنه يُدرك أن بعضها قد يثير توترات اجتماعية، ولذلك يتصرف بحكمة ويعتبر أنها ليست في مصلحة المجتمع حاليا.

هل يمكن اعتبار ما نُشر نوعا من التضليل الإعلامي؟

سأضرب مثالا بمشروع قانون الحجاب، الذي وصل في النهاية إلى نقطة توقّف حصل فيها نوع من التفاهم والتفصيل، انظروا، في نظام اتخاذ القرار لدينا، هل كل الأمور بيد جهة واحدة؟ هل كل شيء يسير بتنسيق كامل؟ إن الواقع في إيران ليس بهذه البساطة، وكل من تولى المسؤولية من قبل، واجه هذا الواقع وقَبِله كما هو.

وربما نحن الآن في اللحظات الأخيرة من هذا النقاش، ويجب أن نفكر فيما بعد ذلك: ما هو الطريق الذي علينا أن نسلكه؟ في الحقيقة أن علينا أن نوجّه كل طاقاتنا نحو حلّ مشكلات الناس، لأن الشعب يستحق أكثر مما يُقدَّم له الآن، ويستحق أن نكون أكثر جدية ومسؤولية، خصوصا في ظروف مثل هذه.

وبالمناسبة، أرجو أيضا ألّا نستخدم مصطلح حرب الـ12 يوما لوصف ما جرى، لأن هذا الوصف هو ما أطلقه الإسرائيليون، ومن الأدق أن نقول حرب الـ3 أيام أو حرب 36الـ يوما، حسب الواقع.

هل يمكن وصف ما حدث بأنه دفاع مقدس استمر 12 يوما؟

سواء سُمّي ما حدث دفاعا مقدسا أو وطنيا أو قوميّا، فكلها تسميات مناسبة، والأهم أن الناس وقفوا بصدق، وعملوا لحل مشكلات المواطنين، رغم وجود نوايا خبيثة حتى ضد رئيس جاء بأصوات الشعب.

واليوم، أرى أن علينا تعزيز التفاهم والتركيز على القضايا الأساسية، ومن ميزات بزشکیان أنه لا ينشغل بالجدل الجانبي، وهذه سمة يجب أن نتحلى بها جميعا، لأن وقتنا محدود، ولسنا في بيئة آمنة مثل سويسرا، بل في منطقة مليئة بالطمع والتنافس والتهديدات وفي مثل هذا الوضع، نحن بحاجة لأن نكون عونا وسندا لبعضنا، ونتعاون لحل مشكلاتنا بجدية.

إلى جانب نقاط القوة التي أشرت إليها، هل تخطر ببالك أيضا نقاط ضعف يمكنكم ذكرها؟

لا أحد معصوم من الخطأ، لكن المهم أن المسار الحالي يعتمد على الشعب، ويتجنب الصدام، ويستفيد من النخب، ويتجه نحو تحالف مدني واسع، وهذا برأيي مسار صحيح.

إلى أي مدى نجح بزشکیان في توسيع الحوار داخل المجتمع؟

نحن نعيش في مجتمع ومؤسسات مليئة بالتحديات، مما يستدعي أن نتعلم فن الحوار الحقيقي، بدلا من الرد السريع وسوء الظن، خاصة في المجال السياسي، فالحوار ليس خيانة، بل ضرورة، ويجب أن يكون بإشراف مؤسسات الدولة.

والمسار الحالي قد لا يكون مثاليا، لكنه في الاتجاه الصحيح، ويتطلب تعاونا بين مختلف الأطراف، لأن بناء التماسك الاجتماعي ليس أمرا بسيطا كالمشاريع الهندسية، بل يحتاج إلى إشراك الجميع.

وأرى أن أي نظام يتغير بعد الأزمات، ولا يمكن التعامل مع المستقبل بأدوات الماضي، وأمامنا فرصة لسدّ الفجوات في القوة والمجتمع والسياسات، كما أننا بحاجة لحوار جاد مع الجيل الجديد، الذي بات واعيا لظلم العالم وزيفه، وعلينا أن نتّحد، ونجعل من الانتخابات وسيلة للتقدم، لأن تجاوز ما بعد الحرب يتطلب تغييرا في الأسلوب والتفكير، وإنكار ذلك هو تغافل.

هل تعتقدون أن هذه الإرادة قد تشكّلت الآن؟

نعم، هناك إرادة للتغيير، لكنها تقوم على التوازن بين التطوير والاستقرار، دون إحداث صراع في المجتمع، لأن استقرار إيران أولوية في ظل التهديدات الخارجية.

هل الذي دفعهم إلى هذا الطمع هو تصورهم بوجود خلافات قد تنشأ في إيران بعد هذا الهجوم؟

في رأيي، بعض المحللين في الخارج، ممن يُقدَّمون على أنهم ناطقون باسم إيران، أعطوا صورة خاطئة عن المجتمع الإيراني. 

فأحداث عام 2022 كانت ذات طابع عائلي، وليست كما صوّرها البعض بأنها أزمة سياسية شاملة، ولقد استغلها البعض لإحداث فوضى، لكن جوهرها كان مطالب أسرية واجتماعية، والخطأ كان في فهم تركيبة المجتمع الإيراني. 

وحتى عندما قال ترامب اتركوا طهران ظنّا منه أن النظام سينهار، لم يدرك حقيقة المجتمع الإيراني، فلقد خرج الشعب لأنه شعر أن إيران في خطر، والآن علينا أن نُعمّق الروابط المجتمعية، ونجعل كل فرد يشعر بالمسؤولية تجاه الوطن.

 ما تقييمك لتفاعل الحكومة مع البرلمان والسلطة القضائية، أو في ما يتعلق بموضوعات مماثلة؟
أرى أن ما يميز حكومة بزشكيان هو قدرتها على تعزيز التنسيق بين السلطات، وتركيزها على الوصول إلى حلول قائمة على التفاهم المشترك لحل قضايا إيران.

ما أكثر هذه القضايا أولوية؟

أرى أن الأولوية الأهم في هذه المرحلة هي فهم المجتمع الإيراني بعمق أكبر، وبناء علاقة سليمة معه، ولا بد من الحذر من اتخاذ قرارات قد تثير النزاع أو تزيد من التوتر، وبعد ذلك، يمكن التوجه إلى معالجة القضايا الأساسية كالبطالة، وأزمة المياه، والطاقة، وهي قضايا لا تُحل بقرارات حكومية منفردة، بل تحتاج إلى حلول جماعية وتفاهم اجتماعي واسع.

وآمل أن تؤدي الهجمات الإسرائيلية الأخيرة، رغم مأسويتها، إلى تعزيز التضامن الداخلي، وأن تدفع نحو ما أسميه اجتماعية الحكومة أي اقترابها أكثر من الناس، وارتباطها الحقيقي باحتياجاتهم وهمومهم.