- زاد إيران - المحرر
- 590 Views
أجرت وكالة مهر للأنباء الأصولية، الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، حوارا مع نجيبة محمد مطهر، مستشارة مكتب رئاسة الجمهورية في اليمن، حول آخر التطورات في الساحة اليمنية، خاصةً ما يتعلق بجبهة الدعم والمساندة لقطاع غزة، ودور إيران في هذا السياق، وفي ما يلي نص الحوار:
في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية ضد النظام الإسرائيلي، ما سبب ذلك؟
لقد تصاعد حجم الجرائم التي يرتكبها المحتلون الإسرائيليون من تدمير للمنازل، وتهجير قسري للفلسطينيين، وتضييق على المقدسات الإسلامية بشكل كبير، في ظل صمت دولي وعربي وإسلامي مخز ومرفوض بشدة.
وقد واصلت القوات المسلحة اليمنية خلال الأسابيع الماضية تنفيذ عملياتها ضد السفن الإسرائيلية، كما شملت هذه العمليات إطلاق صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع إسرائيلية في يافا والنقب وأم الرشراش، وفي هذا السياق، نُفذت عملية عسكرية دقيقة استهدفت سفنا تجارية انتهكت قرار حظر الملاحة على النظام الإسرائيلي، ما أدى إلى إغلاق ميناء أم الرشراش (إيلات) مجددا.
ويكشف هذا التصعيد أن اليمن لا يكتفي بالدعم الإعلامي لغزة، بل يترجم مواقفه إلى أفعال ميدانية، رغم ما يعانيه من حرب وحصار مفروض عليه
.
لماذا تستطيع صنعاء دائما أن تفاجئ خصومها ميدانيا، سواء من حيث الأدوات والتكتيكات أو من حيث الأهداف التي تستهدفها؟
جاء خطاب زعيم حركة أنصار الله عبد الملك الحوثي وتحليل ردود الفعل الغربية والنتائج الاستراتيجية لهذا الخطاب على النحو التالي:
أشار عبد الملك الحوثي في تصريحاته إلى حجم الجرائم الكبيرة التي يرتكبها النظام الإسرائيلي في غزة، وإلى التخاذل العربي والإسلامي والدولي المخزي في مواجهة هذا العدوان، متناولا موقف اليمن الثابت في دعم فلسطين رغم الحرب والحصار المفروض عليه، وأكد أنه خلال الأسبوع الماضي تم تنفيذ 11 عملية عسكرية في هذا السياق، استهدفت مواقع إسرائيلية مختلفة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما أشار إلى استهداف سفينتين تابعتين لشركات خرقت القرار اليمني بحظر الملاحة والتعامل البحري مع موانئ النظام الإسرائيلي، ما أدى إلى إغلاق ميناء إيلات من جديد، مشددا على أن اليمن لن يتعامل مع أي قرار يتناقض مع قراراته السيادية في هذا الشأن.
أما على الصعيد الوطني، فقد عكس الخطاب حراكا شعبيا واسعا دعما لغزة، حيث تم تنظيم أكثر من 1200 مسيرة ومظاهرة في مناطق مختلفة خلال الأسبوع الماضي، ما يعبّر عن عمق الارتباط الإيماني وقوة الإرادة لدى اليمنيين في نصرة القضية الفلسطينية، رغم ما يواجهونه من حصار وضغوط اقتصادية وسياسية.
أما على المستوى الدولي، فقد كشف الخطاب عن تناقض واضح في مواقف الغرب والأمم المتحدة، حيث يتم تجاهل جرائم الاحتلال الإسرائيلي من جهة، بينما يُشنّ هجوم إعلامي واسع ضد عمليات اليمن التي تستهدف السفن المخالفة لحظر التعامل مع إسرائيل، وهذا الخطاب الغربي ليس مجرد رد فعل إعلامي، بل يعكس تحولات استراتيجية وقراءات دقيقة للمصالح الأمنية والاقتصادية للدول الغربية.
ويُعتبر اليمن في الوقت الراهن تهديدا أساسيا للنظام الإسرائيلي، وقد بلغ هذا التهديد ذروته من خلال العمليات العسكرية البحرية التي نفذها اليمنيون، والتي أدّت إلى غرق السفينتين ماجيك سيز وإنتيرنيتي سي، بعد رفضهما الالتزام بمطالب اليمن المتعلقة بحظر التعامل مع النظام الإسرائيلي.

وقد جاءت هذه العمليات في وقت كانت فيه الدول الغربية والأمم المتحدة تتغاضى عن جرائم الاحتلال، بينما كان مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يلتزم الصمت إزاء اعتداءات النظام الإسرائيلي لكنه سارع في المقابل إلى تقديم شكاوى ضد عمليات اليمنيين، ما يعكس عجزا واضحا أمام النظام الإسرائيلي.
ويُظهر تحليل هذه المواقف أن الهجمات على السفن الإسرائيلية تأتي في إطار سياسة الردع الحازم التي يتبعها اليمن في وجه أي تعاون بحري مع النظام الإسرائيلي، ومع ذلك، فإن هذا القرار لا يشمل السفن التجارية العادية التي لا علاقة لها بإسرائيل، وتشير التقارير الاستخباراتية الدولية إلى أن استهداف السفينتين جاء بسبب تعاملهما مع موانئ إسرائيلية.

ومن جهة أخرى، تزعم القوى الغربية أن هذا التحدي يُعرّض الملاحة الدولية للخطر، ويُستخدم هذا الادعاء كذريعة لتعزيز الوجود العسكري في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتقول هذه القوى إن مثل هذه الإجراءات تؤدي إلى تشكيل تحالفات بحرية بقيادة الولايات المتحدة أو حلف الناتو، وتزيد من وتيرة الضغوط والعقوبات والحملات الإعلامية، بل وقد تتطور الأوضاع نحو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة.
وتدّعي هذه القوى أنه في حال استمرار التوتر، ستُجبر الدول الغربية على التدخل لإعادة رسم طرق النقل البحري أو الاستثمار في بدائل برية، ما سيؤدي إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على تلك الدول، بالإضافة إلى التأثير الكبير على تكاليف التأمين البحري وحرية الملاحة.
والجدير بالذكر أن التصريحات والمواقف الصادرة عن الحكومات الأمريكية والأوروبية، وكذلك عن حكومة النظام الإسرائيلي، قد تُستخدم كذريعة لتوسيع الوجود العسكري الغربي في المناطق الحساسة مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز وبحر الصين الجنوبي، تحت شعار حماية حرية الملاحة، كما قد يتم تشكيل تحالفات بحرية دولية بقيادة أمريكا أو الناتو، أو تكليف هذه القوات بمهام جديدة في تلك المناطق.

وفي حال تصاعد التهديدات التي تشكلها القوات المسلحة اليمنية ضد الملاحة المرتبطة بالنظام الإسرائيلي، وقد تلجأ الدول الغربية إلى البحث عن بدائل للممرات البحرية التقليدية، أو الاستثمار في طرق نقل برية مثل خطوط السكك الحديدية في آسيا الوسطى، وهذا التوجه سيؤدي إلى زيادة الضغوط الدبلوماسية على تلك الدول، ويجبرها على اتخاذ مواقف أوضح تجاه هذه التهديدات.
ونتيجة لذلك، سترتفع التكاليف الاقتصادية، مثل ارتفاع أقساط التأمين على السفن التي تمر عبر المناطق المتوترة، مما يشكل عبئا اقتصاديا غير مباشر على هذه الدول.
كما أن الحكومات المتضررة من هذه الهجمات قد تتجه نحو تعزيز قدراتها البحرية، وهو ما سيؤدي إلى تصعيد التوترات بين المعسكر الغربي والمعسكرات الدولية الأخرى، مثل روسيا، والصين، ومحور المقاومة، مما يُمهّد لاحتمالات اتساع رقعة التوترات البحرية المباشرة.
وإذا قرر الغرب توسيع وجوده العسكري في المنطقة دون التوصل إلى تفاهمات سياسية موازية، فإن ذلك سيزيد من حجم المخاطر والتعقيدات في المشهد الإقليمي والدولي.
ترى بعض وسائل إعلام الخليج أن أي اتفاق في غزة سيجعل إسرائيل تركز على اليمن والعراق لضرب قوى المقاومة وإعادة رسم خارطة المنطقة، ما رأيكم؟
هذا الطرح، الذي تناولته أيضا بعض وسائل الإعلام العربية في الخليج، ينسجم مع مفاهيم استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة رسم خارطة الصراعات بعد أشهر من الحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية، وهو تحليل واقعي إلى حد كبير، ويجب تناوله على مستويين: الفرضيات الأساسية والنتائج المحتملة.
وتسعى واشنطن إلى إنهاء جبهة غزة قبل حلول الخريف، في حين يحتاج النظام الإسرائيلي إلى تحقيق نصر استراتيجي بديل يعوّض فشله في القضاء على حركة حماس، وفي الوقت ذاته، تُطرح كل من اليمن والعراق ولبنان كمجالات ردع مستقبلية، خاصة في ظل استمرار هجماتها ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وبناء على هذه المعطيات، عملت الولايات المتحدة منذ أشهر على فصل جبهة غزة عن باقي الجبهات، مثل اليمن، ولبنان، والعراق.
والشرق الأوسط يشهد حاليا حربا استنزافية في غزة خلفت آثارا إقليمية عميقة، واقتراب نهايتها قد يدفع الصراعات نحو إعادة رسم خرائط النفوذ، خصوصا في جبهتي اليمن والعراق، حيث تظهر مؤشرات عديدة على بروز دور المقاومة المحوري والثابت بقيادة إيران.
ومن ناحية أخرى، شكّلت حرب غزة نقطة تحول رئيسية في مسار الصراعات الإقليمية، وأثبتت مدى هشاشة توازنات القوى في المنطقة، ومع اقتراب نهايتها، تتجه الأنظار إلى إعادة تشكيل خارطة النفوذ في الشرق الأوسط، وتتصدر جبهتا اليمن، والعراق أولويات الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، في محاولة للحد من نفوذ محور المقاومة بقيادة إيران.

إلى أي مدى ساهم ثبات إيران وكسرها لهيبة العدو في الإخلال بتوازنات القوى الإقليمية؟
تلعب إيران دورا أساسيا في الإخلال بموازين القوى الإقليمية، مما يؤدي إلى تبلور نهج جديد في معادلات الواقع الإقليمي خلال المرحلة المقبلة. ويمكن تلخيص هذه المعادلات في النقاط التالية:
- يعتبر محور المقاومة أن هذه المرحلة تمثل ما قبل الحرب الكبرى.
- ستكون ردود الأفعال محسوبة لتجنب اندلاع حرب شاملة، لكنها ستحمل تأثيرات استراتيجية طويلة الأمد.
- راهنت واشنطن وتل أبيب على تفكيك ساحات المواجهة، لكن الواقع يشير إلى أن محور المقاومة يتعرض للهجوم من جهة، ويُبادر بالرد من جهة أخرى، ما يعكس وجود تنسيق غير معلن بين الجبهات النشطة.
وبمعنى آخر، فإن إيران والمقاومة الاستراتيجية التي تمثلها تقف في قلب التحولات الإقليمية، وتشكل عاملا محوريا في إعادة رسم موازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي، ولقد كسرت ثبات إيران هيبة الردع لدى النظام الإسرائيلي، وأثبتت هشاشة المنظومات الدفاعية الغربية.

وقد لعبت طهران خلال الأشهر الماضية أدوارا محورية في هذا السياق، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
- لم تخضع إيران أمام سياسة الضغط الأقصى الأمريكية، وواصلت التمسك بثوابتها.
- على الرغم من جميع التهديدات ومحاولات الاختراق، واصلت إيران دعمها الميداني لحلفائها في ساحات المواجهة.
- ردّت طهران بشكل مباشر أو غير مباشر على الهجمات التي استهدفت مصالحها.
- في أبريل/نيسان 2024، وردا على استهداف قنصليتها في دمشق، أطلقت إيران لأول مرة في تاريخ الصراع صواريخ ومسيرات باتجاه الأراضي المحتلة.
- أدت إيران دورا محوريا في إعادة رسم المشهد الإقليمي، وتغيير موازين القوى.
- في ضوء التحولات الجديدة، لم يعد النظام الإسرائيلي اللاعب الإقليمي الوحيد القادر على فرض الردع أو الهيمنة على الشرق الأوسط.
- في ظل هذه التطورات، باتت الولايات المتحدة أكثر تموضعا في موقع دفاعي، فبدل أن تهاجم، أصبحت مضطرة لحماية قواعدها العسكرية في العراق وسوريا واليمن.
- أعادت دول الخليج العربي النظر في حساباتها؛ فبعضها يسعى للتقارب مع إيران، بينما تراجع البعض الآخر عن الانضمام إلى تحالفات هجومية ضدها.
لقد نجحت إيران في الثبات خلال التطورات الأخيرة، ورسّخت وجودها في ميدان التفاعلات الإقليمية، مانعة محاولات عزلها أو فرض واقع ميداني يخدم مصالح أعدائها، وهذا الأمر غيّر من حسابات الخصوم، ويفتح الباب أمام واقع إقليمي جديد.
وأثبتت هذه التحولات أن إيران ومحور المقاومة باتا عنصرا أساسيا في إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، ولا يمكن لأي طرف أن يفرض هيمنته الأحادية دون أخذ هذا الواقع في الاعتبار، وبالتالي، ينبغي على صناع القرار الإقليميين والدوليين الاعتراف بموازين القوى الجديدة المبنية على حضور محور المقاومة، وتجنب الانزلاق نحو حرب غير محدودة، قد تدفع المنطقة نحو موجة عارمة من العنف والفوضى.

