“قاصد” و”قائم 100″.. الحرس الثوري يرسم خارطة طريق إيران نحو المدار الثابت

نشر موقع مشرق نيوز، الجمعة 25 يوليو/تموز 2025، تقريرا أورد فيه أنه في خضم التركيز الإعلامي على تداعيات الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أعلنت وكالة الفضاء الإيرانية في 21 يوليو/تموز 2025 عن تنفيذ اختبار دون مداري باستخدام حامل الأقمار الصناعية “قاصد”، بهدف تقييم تقنيات جديدة قيد التطوير في مجال الفضاء.

وأضاف الموقع أنه بحسب البيان، ستستخدم النتائج المستخلصة من هذا الاختبار لتحسين أداء الأقمار الصناعية والمنظومات الفضائية الوطنية.

وتابع أن البيان، رغم قصره وافتقاره إلى التفاصيل الفنية والمعلومات الإخبارية الكافية، فإن مجرد تنفيذ هذا الإطلاق، إلى جانب ما تضمنه من نقاط عامة- كاستخدام حامل الأقمار الصناعية قاصد التابع لقوة الجو-فضاء في الحرس الثوري، واعتماد تقنيات جديدة- يُعد خطوة لافتة تستحق التوقف عندها.

وأردف كذلك أن التوقيت الحساس لهذا الإطلاق أسهم في فتح باب واسع أمام النقاشات والتحليلات المتنوعة حول هذا التطور الجديد في برنامج الفضاء الإيراني، على أن يتم لاحقا استعراض جوانبه الفنية بشكل أكثر تفصيلا.

وأشار بوضوح إلى أنه، منذ وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران 2025، تتابع أجهزة التجسس ومنظومات المراقبة الفضائية التابعة للدول الغربية عن كثبٍ البرنامجين الصاروخي والفضائي الإيراني، إلا أنها، وكما في المرات السابقة، فشلت هذه المرة أيضا في رصد هذا الإطلاق مسبقا.

وأفاد بأن البرنامج الفضائي الإيراني، رغم دخوله مرحلة جدية بين عامي 2006 و2010 عبر إطلاق أقمار صناعية للاتصالات وجمع البيانات كخطوة أولى نحو الفضاء، إلا أنه شهد ركودا خلال الفترة من 2011 إلى 2021، نتيجة تغييرات متكررة في الهيكل الإداري، وفشل بعض عمليات الإطلاق، وضعف دعم الكفاءات العلمية، ما أضعف هذا المسار الواعد، غالبا لأسباب ذات طابع سياسي.

لماذا تُعد الصور الفضائية المحلية حاجة ضرورية؟

أوضح الموقع أن الصور الفضائية أصبحت ضرورة استراتيجية لا تقتصر على الاستخدامات العسكرية والاستخباراتية، بل تشمل مجالات مدنية كالمراقبة البيئية والزراعة، وبالنظر إلى العقوبات الطويلة التي تواجهها إيران، فإن شراء صور فضائية عالية الجودة، خصوصا من مناطق حساسة، بات شبه مستحيل.

وبيَّن أنه في ظل التوترات الإقليمية والحاجة المستمرة لمتابعة تحركات القوات الأمريكية أو الإسرائيلية، فإن الاعتماد على شركات غربية لتوفير هذه الصور محفوف بالمخاطر، سواء بالرفض أو بتقديم صور مزوّرة أو معدّلة، وهذه الصعوبات تزداد في حال تصاعد التهديدات، حيث يُحتمل أن تُمنع إيران كليا من الوصول إلى هذه المعلومات، حتى في ظروف السلم.

وأبرز أنه انطلاقا من أهمية الصور الفضائية، شكّل استخدام الحرس الثوري لصاروخ قاصد وسلسلة أقمار نور خطوة مفصلية، أثبتت للمرة الأولى أن إيران باتت تملك قدرة عملية على التصوير من الفضاء، فيما وصفه الخبراء بانفتاح عين إيران في الفضاء.

وذكر أن هذه القدرة تُعد ذات فائدة عسكرية كبيرة، إذ تتيح استخلاص إحداثيات دقيقة ومحدّثة للأهداف الاستراتيجية، مما يُمكّن من إنشاء بنك أهداف يعزز فعالية الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وأكَّد أن رصد تحركات حاملات الطائرات والسفن الأمريكية في جنوب إيران قد شكّل هدفا دائما للقوات المسلحة، كان يُعتمد فيه على السفن وطائرات P-3 والدرونات، أما اليوم، ومع دخول العنصر الفضائي، أصبحت هذه المهام ممكنة على نطاق عالمي وبدرجة أعلى من الأمان والدقة.

نظرة على تاريخ حامل الأقمار الصناعية “قاصد”

نوَّه الموقع إلى أنه في عام 2020، أجرى سلاح الجو الفضائي التابع للحرس الثوري الإيراني تعديلا مهما في مسار البرنامج الفضائي الإيراني، تُوّج بإطلاق أول قمر صناعي عسكري نور 1 في 22 أبريل/نيسان 2020 إلى مدار يبعد 425 كيلومترا عن الأرض باستخدام الحامل قاصد، وشكّل هذا الإطلاق خطوة بارزة بعد سنوات من الإخفاقات.

وأوضح أنه رغم التوقعات بأن تكرار النجاح سيستغرق وقتا، تمكّن الحرس الثوري في 8 مارس/آذار 2022 من إطلاق نور 2 إلى مدار أعلى يبلغ 500 كيلومتر، ما مثّل إنجازا جديدا أكّدته مصادر داخلية وخارجية، وبيّن الطابع الاستطلاعي للقمر.

ولفت إلى أن مسؤولين أمريكيين قلّلوا في البداية من أهمية هذا التقدّم، إذ وصف الجنرال جون ريموند القمر الصناعي نور 1 بأنه مجرد كاميرا تدور في الفضاء، واعتبر آخرون أن القمر وحامله لا يلبّيان المتطلبات الفنية للاستطلاع. 

وأظهر أن الصورة تغيّرت في مايو/أيار 2022، حين نُشرت لأول مرة صور التقطها نور 2، شملت مناطق داخل إيران كمرودشت وخُرموج، وأخرى عالية الدقة لمقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، ما كشف عن القدرات الحقيقية المتنامية لإيران في مجال الفضاء العسكري.

وأبرز أن الصور عالية الجودة التي التُقطت من القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين تشير  إلى أن القمر الصناعي الإيراني نور 2 يتمتع بقدرة تصوير تصل دقتها إلى 10 أمتار، وهي دقة قابلة للتحسين باستخدام تقنيات معالجة الصور الحديثة، ما يسمح باستخلاص معلومات أوضح وأكثر تفصيلا.

وأقرَّ بأن “نور 2” وصل إلى مدار بارتفاع 500 كيلومتر خلال 480 ثانية من الإطلاق وبسرعة 7.6 كيلومترات في الثانية، متفوقا على نور 1 الذي استقر على ارتفاع 425 كيلومترا، ما يعكس تطورا تقنيا مهما.

وأبلغ أنه في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أُطلق القمر الصناعي “نور 3” المعروف أيضا باسم نجم، تزامنا مع ذكرى بدء إمامة الإمام المهدي، بواسطة الحامل “قاصد”، ووُضع بنجاح في مدار على ارتفاع 450 كيلومترا بسرعة 7.3 كيلومترات في الثانية خلال نفس مدة الإطلاق السابقة (480 ثانية).

وبيّن أن “نور 3” يمتاز بكاميرا أكثر تطورا تفوق دقة “نور 2” بما يصل إلى 2.5 مرة، بالإضافة إلى حساسات إشارات جديدة لم تكن موجودة في النسخ السابقة، كما أن وزنه كان أعلى من نور 2 بسبعة كيلوجرامات، ما يدل على تقدم في كفاءة الحامل الفضائي وقدرته على إطلاق أقمار أكثر تعقيدا.

نظرة على الخصائص المهمة لحامل الأقمار الصناعية “قاصد”

فسّر الموقع أن “قاصد” هو حامل أقمار صناعية ثلاثي المراحل، استخدم في مرحلته الأولى صاروخا باليستيا من طراز قدر بطول 12.9 مترا وقطر 1.25 متر، معروفا بفعاليته وتكلفته المنخفضة، ما جعله خيارا مناسبا لتسريع تطوير هذا الحامل ضمن القوة الجو-فضائية للحرس الثوري، ويعمل محرك هذه المرحلة بالوقود السائل ويولّد قوة دفع تبلغ 32 طنا، وقد انفصل عن الحامل بعد 118 ثانية على ارتفاع 80 كيلومترا.

ونوّه إلى أنه في المرحلة الثانية، استُخدم محرك سلمان العامل بالوقود الصلب، والذي كُشف عنه في فبراير/شباط 2020، ويتميّز بهيكل خفيف مصنوع من ألياف الكربون غير المعدنية، مع غلاف وعازل غير معدني، وأبرز ما يميّزه هو الفوهة المتحركة لتوجيه الصاروخ بدقة دون الحاجة إلى الزعانف، ما يسمح باستخدام كامل قوة الدفع ويُحسن كفاءة الأداء مقارنة بالتقنيات التقليدية.

وأفاد بأن في المرحلة التالية يبدأ عمل المحرك الدافع للمرحلة الثالثة، حيث يتولى استكمال السرعة المطلوبة لإيصال الحمولة إلى المدار المحدد، إضافة إلى مهمة ضبط السرعة بدقة وزوايا إطلاق القمر الصناعي.

وأوضح أنه في المهمة الأولى، نجح الحرس الثوري في حقن القمر الصناعي نور-1 في مدار على ارتفاع 430 كيلومترا خلال 480 ثانية من الإطلاق، بسرعة 7650 مترا في الثانية باستخدام المرحلة الثالثة من “قاصد-1”. 

وأورد أنه في المهمة الثانية، أُطلق “نور-2” إلى مدار أعلى بارتفاع 500 كيلومتر، ما كشف أن “قاصد-1” لم يُستخدم بكامل طاقته سابقا وأن قدراته تفوق التقديرات الأولية، وهذا الإنجاز ضاعف الارتفاع الذي بلغته الأقمار الإيرانية مقارنة بحامل سفير-1 التابع لوزارة الدفاع.

وأضاف أن كفاءة الأداء تحسّنت في الإطلاق الثالث، إذ حمل قاصد قمرا صناعيا أثقل بـ7 كيلوغرامات من سابقيه، ما يُعد تطورا بارزا في مجال الأقمار الصغيرة، وفي موازاة ذلك، دخل قائم 100 المرحلة التشغيلية، مستخدما محرك رافع في مرحلته الأولى، على خلاف قاصد الذي كان يعتمد على صاروخ قدر، ومع نجاح قائم 100 في ثاني إطلاق رسمي له، أصبحت إيران تمتلك حاملا ثلاثي المراحل يعمل بالكامل بالوقود الصلب.

الإطلاقات دون المدارية: استراتيجية لتطوير القدرات الفضائية

أكَّد الموقع أن نشاطات الحرس الثوري في مجال الفضاء تُظهر أن الإطلاقات دون المدارية شكّلت دائما منصة لاختبار تقنيات جديدة ودفع عجلة التقدّم في هذا القطاع،  رغم ما ذهبت إليه بعض الأطراف من تأويل الإطلاق الأخير لحامل الأقمار الصناعية (قاصد) بوصفه خطوة ذات طابع سياسي وعسكري فقط. 

وأفاد بأن وكالة الفضاء الإيرانية أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، نجاح الإطلاق دون المداري لحامل الأقمار قائم 100، في خطوة عُدّت حينها تمهيدا لتعزيز القدرات الفضائية الإيرانية.

وذكر أن “قائم 100” سجّل في تطوّر لاحق، إنجازا نوعيا بإطلاق ناجح في 30 يناير/كانون الثاني 2024، ليصبح أول حامل ثلاثي المراحل يعمل بالكامل بالوقود الصلب يصل إلى مدار بارتفاع 750 كيلومترا، متجاوزا الرقم القياسي الإيراني السابق البالغ 500 كيلومتر، ومقتربا من المدارات الأعلى كالقريبة من الجيوسنكروني.

وجزم بأنه خلال هذا الإطلاق، تم وضع القمر الصناعي ثريّا في المدار، وهو من أثقل الأقمار الإيرانية بوزن يبلغ 50 كيلوغراما، ويُتوقّع أن يمتد عمره التشغيلي إلى نحو 10 سنوات، أي أطول بكثير من الأقمار السابقة.

اختبار تقنيات الصواريخ  بعيدة المدى

سلّط الموقع الضوء على أن الحرس الثوري الإيراني، من خلال القمر الصناعي “نور” وسلسلة عمليات الإطلاق باستخدام صاروخ قاصد، يسعى لترسيخ وجود دائم له في المدار الأرضي المنخفض (ليو).

وكشف أن اللافت في التصريحات التي أدلى بها قائد القسم الفضائي في قوة الجو فضاء التابعة للحرس العميد علي جعفر آبادي، عقب إطلاق قمر نور 3، هو إشارته إلى نية الحرس زيادة وتيرة الإطلاقات المستقبلية بهدف تشكيل منظومة من الأقمار الصناعية الإيرانية في المدار.

وأورد على لسان جعفر آبادي تأكيده أن هذه المنظومة لن تكون مخصصة فقط للمهام العسكرية، بل ستُستخدم أيضا في مجال دعم السكان ومراقبة المخاطر الطبيعية، إلى جانب توفير القدرة على الإشراف المعلوماتي وقيادة وتوجيه المعدات الذكية، بما يخدم احتياجات القيادة والسيطرة في المجال الدفاعي.

وأفاد بأن المنظومة الفضائية هي مجموعة أقمار صناعية تُطلق في مدار معين لأداء مهام محددة بشكل منسق، ومن أبرز أمثلتها ستارلينك للإنترنت، وGPS، وغلوناس لتحديد المواقع، ومشروع بلاك‌ جك الأمريكي لإطلاق أقمار استطلاعية صغيرة بكثافة.

وأشار إلى أن استخدام حوامل مثل قائم وذو الجناح، بالنظر إلى قدرات إيران، قد يتيح إطلاق 20 إلى 30 قمرا استطلاعيا دفعة واحدة، ما يعزز قدرة الرصد اللحظي للأرض، ومع تشكيل منظومة من أقمار نور، ستتمكن إيران من مراقبة العالم بشكل مباشر ومتزامن.

ورأى أن جزءا من البرنامج الفضائي الإيراني يُدار من قبل الحرس الثوري ويخدم أهدافا استطلاعية وعسكرية، ما يجعل تطويره مكسبا استراتيجيا يعزز القدرات الصاروخية على المدى الطويل، ورغم التفسيرات العسكرية المتداولة داخليا وخارجيا، تبقى أهداف البرنامج علمية وتقنية، وكحال جميع البرامج التقنية في العالم، يعتمد على التجربة المتكررة، التي قد تتضمن بعض الإخفاقات، دون أن يُضخّم النجاح أو يُخشى الفشل. 

وفي الختام، رجّح الموقع قرب إدخال جيل جديد من حوامل الوقود الصلب، قادر على إيصال حمولات أثقل إلى مدارات أعلى، بما يمهّد للوصول إلى المدار الثابت على ارتفاع 36 ألف كيلومتر، وفاء لمسيرة شهداء المجال الفضائي.