مستقبل الشباب الإيراني في ظل تباطؤ النمو السكاني

ترجمة: يسرا شمندي

أجرت صحيفة رسالت الأصولية في 22 مايو/أيار 2025 حوارا مع أمين مركز الدراسات الاستراتيجية للسكان في إيران صالح قاسمي، حول التحديات التي تواجه تنفيذ قانون دعم الأسرة والشباب وأثر ذلك على توجهات السكان في ظل انخفاض معدل الولادات وتسارع الشيخوخة السكانية. 

وتناول الحوار واقع تنفيذ القانون، والعقبات التي حالت دون تحقيق أهدافه، وأهمية تحديث القانون لضمان فاعلية أكبر في مواجهة التغيرات الديموغرافية المستقبلية.

وفيما يلي نص الحوار:

كيف تقيّم الوضع السكاني في العام أو العامين الماضيين بالنظر إلى تحذيراتكم وكوننا في أكثر الفترات حساسية وعلى أعتاب إغلاق نافذة الخصوبة؟

بشكل مباشر، لا بد من الإشارة إلى أن المؤشرات السكانية، وفقا للإحصاءات، تسير في منحى تنازلي متواصل دون أي تطور إيجابي. وفي عام 2024، ولأول مرة، انخفض عدد الولادات السنوي في إيران إلى أقل من مليون، حيث سُجّلت 980 ألف حالة فقط. وذلك بعد أن بلغ عدد الولادات نحو مليون و75 ألفا و231 في عام 2022، وتراجع إلى مليون و57 ألفا و958 في عام 2023، ما يعكس مسارا تنازليا واضحا في معدلات الإنجاب.

وفي عام 2024، شهدنا انخفاضا بحوالي 80 ألف مولود مقارنة بعام 2023. بالإضافة إلى ذلك، تسجل إيران حوالي 450 ألف حالة وفاة سنويا لأسباب مختلفة. وهذه الإحصاءات تظهر أن المؤشرات السكانية لا تزال تسير في اتجاه هبوطي، وهذا أمر مقلق للغاية. 

كما كان معدل نمو السكان في إيران في السنوات الأخيرة حوالي 0.6٪، وإذا استمر هذا الوضع، فسيصل معدل النمو إلى الصفر في عام 2036، وللأسف، سنواجه معدل نمو سكاني سلبي اعتبارا من عام 2041.

هل يعني ذلك، وفق تقييمكم، أن قانون دعم الشباب والوثائق العليا لم تكن فعّالة ولم تستطع إبطاء سرعة انخفاض الولادات؟

في هذا الصدد يجب الإشارة إلى عدة نقاط، النقطة الأولى هي أن فعالية أي قانون لا يمكن قياسها خلال فترة سنتين أو ثلاث سنوات فقط، ولا يمكن تقييم مدى تأثيره ونتائجه في هذا الوقت القصير. بل يجب أن يمر وقت كاف حتى يمكن إصدار حكم نهائي ودقيق في هذا المجال.

ورغم إصرار بعض الأشخاص على القول إن هذا القانون لم يكن ناجحا، فالحقيقة هي أن القانون لم يُطبق بالكامل بعد، ومع ذلك يمكن استخلاص بعض النقاط خلال حوالي ثلاث سنوات من تنفيذ القانون. 

من بينها أن حكومة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، رغم كل الصعوبات والتقلبات، بدأت في تنفيذ القانون، ووفقا لتقارير الأجهزة الرقابية، تم تنفيذ حوالي 30% منه؛ لكن ليس بشكل كامل أو ميسّر، إلا أن بعض مواد القانون وضعت ضمن الأولويات وتم تنفيذها إلى حد ما.

ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين في حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليسوا ملتزمين كثيرا بتطبيق بنود هذا القانون. ويتضح من تصريحات بزشكيان وعدد من الوزراء والمساعدين، وكذلك من طريقة تخصيص الميزانية، أن الحكومة الحالية لا تؤمن كثيرا بأزمة السكان. ويبدو أنهم لا ينوون السير جديا في طريق تنفيذ القانون.

وقد تم إقرار هذا القانون في عام 2021 وفقا للمادة 85، وتستمر صلاحيته حتى عام 2028. وبما أن حكومة بزشكيان بدأت عملها في 2024، فإن السنوات الأربع الأخيرة من تنفيذ القانون تتزامن مع فترة هذه الحكومة. لذلك، إذا استمر الوضع الحالي، فلا يمكن التفاؤل بتنفيذ كامل لقانون دعم الشباب، لأن الجهة المنفذة، وهي الحكومة الحالية، لا تبدو راغبة في تحقيق أهدافه.

أعتقد، للأسف، أن هذا القانون بدأ يفقد تأثيره، وأن هذا النهج سيستمر في السنوات القادمة، في حين أننا لا نملك وقتا كافيا، ولتصحيح وضع السكان يجب أن نتحرك بكل قوة واهتمام.

وكما ذكرت، بانتهاء هذه الحكومة تنتهي مهلة تنفيذ القانون. لذا يجب بدء التفكير الآن في تحديث القانون وسد الثغرات ومعالجة العيوب فيه، مع ضمان تنفيذ أقوى من قِبَل الحكومات المقبلة. 

وبالطبع، أي قانون أو سياسة يحتاج بعد فترة إلى مراجعة تتناسب مع مقتضيات وتغيرات المجتمع، وقانون دعم الشباب ليس استثناء من هذه القاعدة، ولكن يجب أن تُجرى هذه المراجعة بما يتوافق مع نصوص القانون التي تم إغفالها أو التي لم تحقق تأثيرا كافيا، وذلك لتعزيز فعالية القانون وزيادة أثره.

نقطة أخرى، من الآن وحتى عام 2028 موعد انتهاء حكومة بزشكيان، يجب التركيز على المؤسسات غير الحكومية التي تتبنى دعم المجموعات الشعبية، إذ ينبغي لهذه المؤسسات دعم نشاطات تعزيز النمو السكاني. بهذا الشكل، لن يتوقف خطاب السكان، بل سيستمر عبر المشاركة الشعبية التي غالبًا ما تكون أكثر فعالية وتأثيرا.

لماذا لا تُشدد الهيئات الرقابية والقضائية، كما فعلت في مجالات أخرى من حالات التقاعس، إجراءاتها الوقائية والرقابية والقضائية بشأن قانون دعم الشباب، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على إقراره، ووجود شواهد متعددة على التقاعس والتأخير والإهمال من قبل العديد من الجهات في تنفيذ هذا الواجب القانوني؟

أتفق معكم في هذا الشأن أيضا. وصحيح أن تنفيذ هذا القانون ليس ضمن أولويات الحكومة الحالية، ولكن هذا لا يعني أن الهيئات الرقابية يمكن أن تتجاهل الأمر كليا. فيجب على هيئة التفتيش العامة، ولجنة المادة 90 في البرلمان، وسائر الجهات الرقابية الأخرى أن تتابع حالات التقصير والإهمال بشكل قانوني، وأن تعلن عنها بوضوح.

والنقطة المهمة هنا أن القانون ليس مجرد توصية أو بيان سياسي، بل هو قرار ملزم يتمتع بدعامة قانونية قوية. لذلك، من المتوقع أن تقوم المؤسسات الرقابية والقضائية، تماما كما فعلت في مجالات أخرى من حالات التقاعس، بتكثيف إجراءاتها الوقائية والرقابية والقضائية في هذا الموضوع أيضا.

وينص هذا القانون في المادتين 71 و72 على ضمانات تنفيذ، حيث تم تحديد عقوبات للمديرين الذين يمتنعون عن تطبيقه. وبرأيي، يجب أن نطالب بأن تقوم الجهات الرقابية بواجبها، وأن تعلن بوضوح عن حالات التقاعس، وتُحيل ملفات المديرين الممتنعين عن تنفيذ القانون إلى القضاء، وتَعرض هذه القضايا بشكل علني للرأي العام.

للأسف، بعد مرور ثلاث سنوات على إقرار هذا القانون، تتوفر دلائل متعددة على التقاعس، والتأخير، والإهمال من قِبل العديد من الجهات في تنفيذ هذا الواجب القانوني.

 فعلى سبيل المثال، تتضمن بنود قانون دعم الأسرة والشباب سلسلة من الالتزامات الواضحة الموجهة للجهات التنفيذية والقطاعات غير الحكومية. ومن أبرز هذه الالتزامات وأكثرها وضوحا، إلزام الجهات بتوفير حضانة في مكان العمل أو بالقرب منه. ومع ذلك، لم تقم سوى أقل من ربع هذه الجهات بتوفير دور الحضانة.

وتُظهر التقارير غير الرسمية الصادرة عن المحافظات ومنظمة الرعاية الاجتماعية أن غالبية الأجهزة التنفيذية لم تكتف فقط بالتقصير في تنفيذ هذا الواجب، بل لم تبدأ حتى بأبسط الإجراءات كدراسة الحاجة أو المراسلات أو التعاون مع المراكز المرخصة. ويُلاحظ هذا التقاعس بشكل أشد في بعض المحافظات التي تشهد انخفاضًا في معدل الخصوبة وظروفا اقتصادية أكثر تأزما.

هذه الحالة المثيرة للقلق لا تهدد فقط مصداقية التشريع، بل تبعث برسالة واضحة إلى العائلات: إن النظام التنفيذي في إيران لا يمتلك بعد الإرادة الكافية لدعم الآباء العاملين دعما فعّالا. ومن المؤسف أنه رغم وجود 154 مادة في قانون دعم الأسرة والشباب تتضمن الكثير من الحوافز للإنجاب، إلا أن تحقيق كل واحدة من هذه الحوافز هو من مسؤولية جهة معينة، وقد أظهرت التقييمات أن جزءا صغيرا فقط منها تحقق حتى الآن.

بعيدا عن مسألة تقاعس الأجهزة، هل يبدو أننا قد تجاوزنا الآن مرحلة التوعية في خطاب قضايا السُكان؟

نعم، هذا صحيح. ومع أنه لم يتم توضيح هذا الخطاب في جميع أبعاده، إلا أنه عند سؤال نسبة كبيرة من الناس في المجتمع عن أزمة السكان، فإنهم على الأقل على اطلاع عام ببعض جوانبها. لا أقصد أن غالبية الناس بالضرورة مؤيدون لزيادة عدد السكان، فبالرغم من وجود مؤيدين متحمسين لها، هناك أيضا معارضون شرسون. لكن يمكن القول إن صوت هذا الخطاب قد وصل إلى مختلف شرائح المجتمع، وقد تم طرحه.

ولكن بعد مرحلة البيان، نحتاج الآن إلى مرحلة الإقناع العام، وهي تتطلب إرادة جماعية. لذلك أعتقد أننا تجاوزنا مرحلة التوضيح ودخلنا مرحلة الإقناع. ومع ذلك، فإن هذا الأمر ليس سهلا، لأننا لما يزيد على ٤٠ عاما كنا نوجه المجتمع نحو قلة الإنجاب. وقد ترسخت بعض المفاهيم في الوعي العام وأصبحت قناعات ذهنية وأفكارا يظنها الناس علمية ومقبولة، ولكنها في الحقيقة ليست علمية ولم تثبتها التجربة أيضا.

يبدو أن في مرحلة الإقناع، ينبغي على وسائل الإعلام أن تتولى مهمة توضيح هذه العقد الذهنية أو الأفكار الشائعة الخاطئة التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة ولا تستند إلى أساس معتبر، ويجب التحدث مع المجتمع بشأنها بوضوح. 

لذا، يجب أن نُبرز مزايا الإنجاب بصورة تجريبية ودقيقة وعلمية، ومن خلال حملة إعلامية قوية. فإن بعض مخاوفنا بشأن مستقبل أبنائنا غير مبررة؛ فهؤلاء الأبناء سيكونون في الغالب أكثر رفاهية منّا، لكن جودة حياتهم قد تنخفض لأنهم سيكونون وحيدين. ولذلك، يجب أن نفكر في مشكلة الوحدة وفي تحسين جودة حياة أطفالنا، وعلينا أن نطرح هذه القضايا بجدية في الإعلام.

هل تم احتساب فترة أقل من 15 سنة للاستفادة من نافذة الفرصة الديمغرافية بدقة في وسائل الإعلام؟

لا، هذا التعبير غير صحيح. رغم أن نافذة السكان لدينا من منظور الخصوبة على وشك الإغلاق، إلا أن هذا المصطلح يحمل معانٍ مختلفة. النافذة السكانية الشهيرة التي ستظل مفتوحة حتى 15 سنة أخرى هي مصطلح اقتصادي وتشمل الفئات العمرية من 15 إلى 64 سنة، وهي الفئة العاملة والنشطة اقتصاديا. 

أما نافذة السكان من منظور الخصوبة فهي أضيق بكثير، وستظل مفتوحة لمدة أقصاها أربع سنوات فقط، وبعد ذلك ستغلق. وبالطبع، هذا لا يعني أنه لا يمكن اتخاذ أي إجراء في مجال الخصوبة بعد ذلك، ولكن سيكون الأمر أصعب بكثير لأن عدد السكان في سن الإنجاب سينخفض بشكل كبير.