معارضو التفاوض في إيران… من الرفض العقائدي إلى صراع النفوذ الداخلي

لا يكاد ملف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة يغيب عن المشهد الداخلي الإيراني حتى يعود مجددا إلى الواجهة، محملا في كل مرة بالجدل ذاته والأسئلة نفسها، ولكن في ظروف مختلفة وحسابات أكثر تعقيدا. فمنذ عقود، يتحرك هذا الملف داخل المجتمع الإيراني كقضية مؤجلة لا تنتهي، تارة يتراجع تحت ضغط التصعيد والمواجهة، وتارة يعود مع الحديث عن التهدئة أو الحاجة إلى حلول سياسية واقتصادية. وبين موجات الرفض والدعم، وبين خطاب المقاومة ومنطق الواقعية السياسية، تحولت المفاوضات إلى واحدة من أكثر القضايا حضورا في الوعي السياسي الإيراني، ليس فقط باعتبارها شأنا دبلوماسيا، بل بوصفها مرآة تعكس طبيعة الانقسامات الداخلية وتبدل أولويات الدولة والمجتمع مع كل مرحلة جديدة.

الانقسام حول المفاوضات… بين الرفض المطلق والدعم المشروط

في هذا السياق، قدم محمد فاضلي، عالم الاجتماع الإيراني خلال لقاء له مع اقتصاد نيوز الثلاثاء 13 مايو/ آيار 2026، قراءة تفصيلية للفئات التي تعمل على إضعاف الدبلوماسية أو تعارض المفاوضات مع الولايات المتحدة، معتبرا أن هناك ثلاث فئات رئيسية تقف خلف هذا الرفض. الفئة الأولى، بحسب فاضلي، هي فئة تمتلك تراكما عاطفيا مؤيدا للمواجهة والصراع، وترتبط نفسيا وعاطفيا بالقيادات التي قادت مرحلة المواجهة مع الولايات المتحدة. ويرى أن هذه الفئة تأثرت بشكل عميق بمقتل المرشد الإيراني السابق، على خامنئي، الذي كان يتمتع بشعبية واسعة داخل التيار المؤيد للتصعيد، ولذلك تجد صعوبة في تقبل آليات إدارة التوتر مثل التفاوض. وبحسب فاضلي، فإن هذه الفئة لا تتحرك فقط وفق حسابات سياسية باردة، بل أيضا بدوافع وجدانية وشعور بأن أي تهدئة قد تعني تراجعا عن المسار الذي دفع قادة سابقون حياتهم ثمنا له.

Image

أما الفئة الثانية التي تحدث عنها فاضلي، فهي تلك التي ترى نفسها خاسرة سياسيا من أي تقارب أو تخفيف للتوتر بين إيران وأمريكا. وهذه الفئة، وفق توصيفه، تنظر إلى التفاوض من زاوية السياسة الداخلية أكثر من زاوية العلاقات الخارجية. فاستمرار العداء مع واشنطن، بالنسبة لبعض الجماعات والتيارات، يشكل عنصرا أساسيا في هويتها السياسية وخطابها التعبوي، ولذلك فإن أي انفراج سياسي أو تفاوض ناجح قد يضعف حضورها وتأثيرها داخل المشهد الإيراني. ومن هنا، فإن بعض المعارضين للمفاوضات لا يعارضونها فقط بسبب مضمونها، بل أيضا خوفا من نتائجها السياسية الداخلية، وما قد يترتب عليها من تغير في موازين القوى أو صعود تيارات أكثر اعتدالا.

الفئة الثالثة، بحسب فاضلي، تضم أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقا ساحقا يجعل أي مفاوضات معها محسومة مسبقا لصالحها. ويرى أن هؤلاء يؤمنون بقوة أمريكا أكثر مما يؤمن الأمريكيون أنفسهم بها، ولذلك يعتبرون أن الامتناع عن التفاوض أفضل من الدخول في عملية قد تنتهي ــ من وجهة نظرهم ــ بهزيمة سياسية أو تنازلات كبرى. وقد شبه فاضلي هذا المنطق بالانتحار خوفا من الموت، معتبرا أن رفض التفاوض بشكل مطلق لا يحل الأزمة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد والعزلة.

Image

ورغم ذلك، شدد فاضلي على أن إضعاف الدبلوماسية لا يتم فقط عبر مهاجمتها علنا، بل قد يحدث أيضا عبر تحويلها إلى غاية بحد ذاتها بدل أن تكون أداة لتحقيق المصالح الوطنية. فهو يرى أن الدعوة إلى الدبلوماسية بأي ثمنقد تكون بدورها عاملا يضعف الموقف التفاوضي الإيراني، وإن كان يعتبر أن هذا الاتجاه لا يمتلك حضورا واسعا داخل إيران، وأن معارضي التفاوض يبالغون في تصويره لإضعاف مؤيدي الحلول الدبلوماسية.

بين هواجس السيادة وصراعات الداخل… لماذا يستمر رفض التفاوض؟

لم تقتصر المواقف الداعمة للتفاوض على محمد فاضلي، بل جاءت تصريحات شخصيات أخرى لتعكس وجود تيار واسع داخل إيران يرى أن المفاوضات تمثل ضرورة سياسية وأمنية في هذه المرحلة. وفي هذا الإطار، اعتبر محمود واعظي، رئيس مكتب الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، أن بعض التيارات المتشددة تستغل اسم القيادة الإيرانية بصورة أداتية لتبرير رفضها للمفاوضات، وأكد أن القرار بالتفاوض ليس قرارا فرديا أو حكوميا محدودا، بل يتم ضمن آليات النظام الرسمية وبموافقة القيادة والمؤسسات العليا، بما في ذلك المجلس الأعلى للأمن القومي.

Image

ويرى واعظي أن بعض التيارات تسعى إلى احتكار الحديث باسم النظام أو القيادة، رغم أنها لا تمثل سوى نفسها أو اتجاهاتها السياسية الخاصة. واعتبر أن هذه الممارسات تضر بالوحدة الوطنية وتحول موقع القيادة إلى أداة في الصراعات الداخلية، بدل أن يبقى مرجعية جامعة لكل القوى السياسية. كما شدد على أن المفاوضات الحالية ليست منفصلة عن سياق “الدفاع” الذي خاضته إيران خلال الحرب الأخيرة، بل هي امتداد له، ولكن بأدوات سياسية ودبلوماسية بدل الأدوات العسكرية.

من جهته، ركز الحقوقي والمتحدث السابق باسم السلطة القضائية حسين مير محمد صادقي على البعد العملي للتفاوض، معتبرا أن أي انتصار عسكري يحتاج في النهاية إلى ترجمة سياسية عبر التفاوض، وإلا فإنه يفقد قيمته الاستراتيجية. وأشار إلى أن بعض المعارضين يخلطون بين التفاوض والاستسلام، في حين أن التفاوض، بحسب رأيه، لا يعني بالضرورة تقديم تنازلات، بل هو عملية بحث عن نقاط مشتركة وتحويل موازين القوة إلى مكاسب سياسية.

Image

كما حذر مير محمد صادقي من تكرار أخطاء سابقة، مثل التأخر في اتخاذ القرارات خلال الحرب العراقية الإيرانية أو أزمة الرهائن، معتبرا أن التشدد المفرط قد يؤدي في النهاية إلى اضطرار إيران للدخول في المفاوضات من موقع أضعف. وانتقد كذلك الشعارات المتشددة التي تطلق في بعض التجمعات، مؤكدا أن أي خطاب يضعف الوحدة الوطنية أو يسيء إلى المسؤولين قد ينعكس سلبا على موقف إيران التفاوضي.

أما محسن رهامي، الناشط السياسي الإصلاحي، فقد ركز على مسألة الشرعية السياسية للمفاوضات، مؤكدا أن قرار التفاوض يمثل موقف النظام ككل، ويحظى بدعم المؤسسات الرئيسية والقيادات العسكرية والسياسية، إضافة إلى تأييد شريحة واسعة من الشعب الإيراني. واعتبر أن من حق أي شخص أن يؤيد أو يعارض المفاوضات، لكن ليس من حقه الادعاء بأن رأيه الشخصي يمثل موقف النظام أو القيادة.

Image

وفي الوقت نفسه، سلط رهامي الضوء على الكلفة الاقتصادية والبشرية للحرب، معتبرا أن استمرار المواجهة العسكرية أو التوتر المفتوح ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي. وأشار إلى أن المنشآت التي تضررت خلال الحرب، من مصافي النفط إلى منشآت الغاز والصناعات الثقيلة، لا يمكن إعادة بنائها بسهولة، وأن البلاد بحاجة إلى استقرار سياسي يسمح بإعادة الإعمار وتخفيف الضغوط الاقتصادية.

ورغم هذا الاتجاه الداعم للتفاوض، فإن جزءا من الرفض داخل إيران لا يرتبط فقط بالحسابات الداخلية، بل أيضا بتاريخ طويل من انعدام الثقة مع الولايات المتحدة. وقد عبر الدبلوماسي الإيراني السابق حسين موسويان عن هذا الموقف بوضوح عندما أكد أن الإيرانيين لا يثقون بأمريكا لكنهم لم يغادروا مسار الدبلوماسية”. وأوضح أن التجربة الإيرانية مع الاتفاق النووي السابق، وانسحاب واشنطن منه رغم التزام طهران ببنوده، عززت الاعتقاد داخل إيران بأن الولايات المتحدة لا تلتزم بتعهداتها.

Image

ويرى موسويان أن هناك ثلاثة عوائق رئيسية أمام أي اتفاق جديد: أولها أن الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق يشبه “استسلام إيران”، وثانيها الخلاف حول الإطار القانوني للبرنامج النووي الإيراني، وثالثها اختلاف الطرفين حول الهدف النهائي من الاتفاق، حيث تريد إيران إنهاء الحرب والتوتر بشكل دائم، بينما ترغب واشنطن، بحسب رأيه، في إبقاء خيار الضغط العسكري قائما.

في المحصلة، تكشف مجمل هذه التصريحات أن الجدل حول المفاوضات داخل إيران يتجاوز مجرد النقاش حول العلاقة مع الولايات المتحدة، ليعكس صراعا أعمق يتعلق بمستقبل النظام السياسي نفسه، وبكيفية إدارة التوازن بين الأيديولوجيا والمصلحة الوطنية، وبين منطق “المقاومة الدائمة” ومنطق “إدارة الصراع عبر الدبلوماسية”. كما تظهر هذه المواقف أن التيارات الرافضة للمفاوضات ليست موحدة في دوافعها، بل تجمعها مخاوف مختلفة تتراوح بين الاعتبارات الأيديولوجية، والمصالح السياسية الداخلية، والشكوك التاريخية تجاه واشنطن.

ومع استمرار المفاوضات وتعقد المشهد الإقليمي، يبدو أن هذا الجدل سيبقى حاضرا بقوة داخل الساحة الإيرانية، خصوصا في ظل إدراك مختلف الأطراف أن أي اتفاق محتمل لن يقتصر تأثيره على السياسة الخارجية فحسب، بل سيمتد أيضا إلى إعادة رسم موازين القوى داخل إيران نفسها.

كلمات مفتاحية: