- زاد إيران - المحرر
- 541 Views
كتبت: كريمة هاني
تتصاعد حدة النقاش في الأوساط الإيرانية حول قضية رفع الحجب عن تطبيق تليغرام، الذي تم حظره بأمر قضائي منذ 30 أبريل/نيسان 2018. وتشير آخر التطورات، خاصة على لسان نواب في البرلمان، إلى أن هذه العملية قد دخلت مراحلها النهائية بموجب مفاوضات مشروطة. ورغم التفاؤل الحذر الذي يخيم على المشهد، يظل القرار الرسمي الحكومي غير مُعلن، وتستمر الأجواء محاطة بجدل برلماني وشبهات فساد تطال شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية.
المفاوضات والشروط الرسمية
وصلت المفاوضات بين إيران وتطبيق تليغرام إلى مراحلها النهائية، بحسب تصريحات عدد من النواب، أبرزهم مصطفى بور دهقان، الذي أكد أن المحادثات سارت بشكل جيد وأن إدارة تليغرام قبلت الشروط والالتزامات التي وضعتها إيران.
ومن أبرز الشروط التي تم الاتفاق عليها بشكل أولي: الالتزام بعدم تسليم بيانات المستخدمين الإيرانيين إلى أجهزة استخبارات أجنبية، والتعاون مع الجهاز القضائي الإيراني، وحذف المحتوى التحريضي أو المسيء بناء على شكاوى المواطنين، والحد من المحتوى الذي يهدد الأمن القومي أو يروج للإرهاب. كما تشمل الشروط احترام الضوابط الداخلية لإيران، والتي وصفها بوردهقان بأنها “خط أحمر”، مع وجود آلية تحكيم تضمن تنفيذ الالتزامات، وإمكانية إعادة القيود في حال المخالفة.
وتتم هذه المفاوضات تحت إشراف المجلس الأعلى للفضاء الرقمي، الذي كلف لجنة مكونة من تسعة مراقبين لمتابعة سير المحادثات وضمان الالتزام بالشروط، مع وجود آلية لإعادة القيود في حال أي مخالفة.

البعد الاقتصادي والتأثير العملي
ويشير النواب إلى أن رفع الحجب عن تليغرام لا يقتصر على إنجاز تقني أو سياسي، بل يمثل خطوة مهمة لمواجهة المصالح الاقتصادية المستفيدة من استمرار الحجب. وتشير تقديرات برلمانية إلى أن أرباح بيع برامج الـVPN(برامج تُستخدم لكسر الحجب) قد تصل إلى نحو 11.88 مليار دولار، مما يوضح المكاسب المالية لبعض الأطراف من استمرار الحظر.
كما يؤثر الحجب على المستخدمين بشكل مباشر، حيث يضطرون لاستخدام برامج كسر الحجب والبروكسي، ما يزيد التكاليف ويخفض جودة الإنترنت ويفتح المجال أمام برمجيات خبيثة. ويُعد تنظيم الفضاء الرقمي في إيران ضرورة ملحة لضمان الوصول الآمن للمنصات الرقمية ورفع القيود بشكل منظم وفق الشروط المتفق عليها.

الجدل البرلماني وشبهات الفساد
على النقيض من التفاؤل الرسمي بشأن رفع الحجب عن تلغرام، أثار نائب البرلمان أمير حسين ثابتي جدلا واسعا بتحذيراته من أن القضية تتجاوز مجرد مسألة تقنية لتصبح جزءا من شبكة مصالح سياسية واقتصادية معقدة.
وادعى ثابتي أن الاتفاق الأخير مع تليغرام يضم اسم رجل الأعمال الإيراني المثير للجدل بابك زنجاني، مؤكداً أن شركة «نيكابي»، المسؤولة حصرياً عن المعاملات المالية لتليغرام في إيران، تعود ملكيتها له. ووصف هذا الوضع بأنه “نموذج للاقتصاد السياسي الفاسد”.
وشدد ثابتي على ضرورة عرض أي اتفاقية على البرلمان للتصويت وفقاً للمادة 77 من الدستور، لضمان الشفافية والمساءلة، محذراً من استغلال رفع الحجب لأغراض سياسية أو مالية. ومن جانبه، أكد المتحدث باسم رئاسة البرلمان، عباس غودرزي، أن أي اتفاق مع تليغرام لن يكون سارياً دون موافقة البرلمان.
وردًا على هذه الاتهامات، شن بابك زنجاني هجوماً على موقع “X”، واصفاً ثابتي بـ”النائب الطفولي” ومتوعداً بـ”قلبه رأساً على عقب” إذا لم تثبت الاتهامات ضده. ولم ينفِ زنجاني علاقته بشركة «نيكابي» أو وجود اتفاق مع تليغرام بشكل صريح، مكتفياً بالرد الهجومي والتهديد المباشر.

الآراء المتباينة بين النواب والخبراء والتحذير من الاستقطاب السياسي
تتباين وجهات النظر بين النواب والخبراء بشأن رفع الحجب عن تليغرام، حيث يرى بعض النواب، مثل مصطفى بور دهقان، أن رفع الحجب ضرورة لتنظيم الفضاء الرقمي وتقليل الاعتماد على برامج كسر الحجب.
في المقابل، يطالب ناشطون ومحللون، مثل ناصر إيماني، بالشفافية من الجهات المسؤولة، محذرين من أن عدم الإفصاح عن الأسباب الحقيقية للحجب أو رفعه يؤدي إلى استقطاب سياسي حاد في المجتمع. ويوضح إيماني أن غياب التوضيح الرسمي يخلق حالة انقسام، حيث تتخذ المجموعتان المؤيدة والمعارضة لمواقفها غالبا بناءً على أهداف سياسية أكثر من كونها قائمة على تقييم موضوعي.
كما ينتقد إيماني التصنيفات غير الدقيقة التي تصف المعارضين بـ”المتشددين” والمؤيدين بـ”المتأخرين”، مؤكداً أن رفع الحظر يجب أن يستند إلى منطق واضح وليس لمجرد كسب التأييد أو إظهار الذات كمدافع عن الحرية.
الخلفية التاريخية والأمنية
يعود حجب تليغرام في إيران إلى 30 أبريل/نيسان 2018 بأمر قضائي، بعد أن أصبح التطبيق ملاذاً لبعض الأنشطة التي اعتُبرت تهديداً للأمن، بما في ذلك الاتصالات التنظيمية لبعض الجماعات المسلحة والإرهابية. وقد أثيرت منذ ذلك الحين إشكالية الموازنة بين حماية خصوصية المستخدمين ومسؤولية الدولة في مكافحة الجريمة.
خلال السنوات الماضية، اضطر تليغرام لتعديل سياساته تدريجياً، حيث أعلن مؤسِّسه بافل دوروف استعداد المنصة لمشاركة بعض بيانات المستخدمين مع الجهات القضائية في حالات الجرائم الخطيرة، استجابة لطلبات قانونية صالحة.
تشكل مفاوضات إيران مع منصة «تلجرام» محوراً رئيسياً في أزمة الحظر المستمر منذ عام 2018. ففي 2015، كشف مؤسس التطبيق بافل دوروف عن محاولات إيران استخدام المنصة لأغراض تجسسية، بينما أكدت الحكومة الإيرانية رسمياً في 2018 إجراء مفاوضات عبر وزير الاتصالات محمد جواد آذري جهرمي، ووصل الأمر إلى تشكيل لجنة برلمانية للتحقق من أي مخالفات محتملة، دون أن يتم رفع الحظر حتى الآن.
وترتكز الأزمة على المطالب الإيرانية غير المعلنة، والتي يُرجح أن تشمل الرقابة على المحتوى وسلوك المستخدمين، وضمان الوصول إلى بيانات المستخدمين الشخصية لملاحقة المخالفين للقوانين. هذه المطالب تتعارض مع سياسة الخصوصية الأصلية لتليغرام، ما يفسر استمرار الحظر وفشل جميع المحاولات للتوصل إلى حل.

وفي الختام، على الرغم من التقدم في المفاوضات والتفاؤل الرسمي بإمكانية رفع الحجب عن تليغرام قريباً، فإن العملية لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها الجدل البرلماني الحاد، ومخاوف الشفافية، والشكوك حول وجود مصالح اقتصادية وسياسية تؤثر على القرار النهائي. وفي ظل غياب إعلان رسمي واضح، يبقى مصير الوصول الحر إلى المنصة رهينا بتوافق القوى السياسية، وضمان الالتزام بالشروط الأمنية، وتجاوز اشتباهات الفساد التي تلوح في الأفق.
وتظل الأنظار متجهة نحو الجهات الرسمية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للفضاء الرقمي والحكومة، لمعرفة ما إذا كانت تليغرام ستُدرج ضمن المرحلة الثانية من رفع الحجب، بعد خطوات مماثلة شملت منصات أخرى مثل جوجل بلاي وواتساب. ويبدو أن القرار النهائي سيكون مؤشراً على مستقبل تنظيم الفضاء الرقمي في إيران، مع مراعاة حماية خصوصية المستخدمين وضمان الشفافية والمساءلة.

