- زاد إيران - المحرر
- 521 Views
كتب: الترجمان
في الأسابيع الأخيرة، شهد المشهد السياسي والإعلامي الإيراني موجة من الهجمات المنسّقة التي شنّها عدد من النواب الأصوليين وبعض النشطاء الإعلاميين المقرّبين منهم على مجلس الإعلام الحكومي والمسؤولين المرتبطين به.
بدأت هذه الحملة بتسريبات ومزاعم تتعلق بالرواتب وتتبع المقربين من العاملين في هذا المجلس، ثم تصاعدت إلى اتهامات علنية داخل البرلمان وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
هذا التصعيد يثير سؤالاً محورياً: لماذا الآن؟ ولماذا تركيز الهجوم على الجهاز الإعلامي الرسمي للدولة؟
مجلس الإعلام الحكومي
هو إحدى الهيئات الحكومية في إيران المعنية بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد أُنشئ عام 1998 بهدف وضع السياسات العامة للإعلام، وتوجيه الشبكات والمراكز المعلوماتية، وتنسيق أنشطتها، إلى جانب إعداد برامج متوسطة وطويلة الأمد في مجالات البحث الأساسي والتطبيقي وتطوير بنية الإعلام الوطني، وذلك في إطار بناء نظام إعلامي موحّد لإيران.
ووفقاً للمادة الأولى من اللائحة التنظيمية للمجلس، فإن المجلس يتكوّن من عدد من الأعضاء هم: رئيس مكتب رئيس الجمهورية، والمتحدث الرسمي والمتحدثون المتخصصون للحكومة، وسكرتير مجلس الوزراء، ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، ووزير الاستخبارات، ووزير الخارجية، ووزير الداخلية، ووزير المالية، ووزير الاتصالات، والوزير أو الوزراء المعنيون بحسب الموضوع، ورئيس منظمة التخطيط والميزانية، ونائب رئيس الجمهورية لشؤون المرأة والأسرة، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون ، ورئيس المركز الوطني للفضاء السيبراني، والمدير التنفيذي لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، ونائب الثقافة والاتصالات في أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، بالإضافة إلى خمسة خبراء في مجالات الإعلام والاتصالات يُعيّنهم رئيس المجلس.
أهمية موقع الإعلام الحكومي في المرحلة الراهنة
يرى محللون سياسيون أن جزءاً من الإجابة يرتبط بالطبيعة الاستراتيجية للإعلام في الظروف التي تمر بها البلاد. ففي مرحلة توصف بأنها «سلام مسلح إعلامياً» حيث تلعب الفضاءات الرقمية ومجال الرأي العام دوراً أساسياً في صناعة الأمن الاجتماعي، تبرز قدرة الدولة على التحكم بالرواية وتثبيت الرسائل الرسمية كعامل حاسم.
من هذه الزاوية، يُفهم استهداف مجلس الإعلام الحكومي على أنه محاولة لشلّ قدرته في إدارة الرواية الوطنية وخلق انطباع بعدم الثقة في المؤسسات الرسمية.
البعد السياسي: من النقد إلى الاستثمار في الضجيج
بدلاً من اللجوء إلى المسارات القانونية والرقابية المتعارف عليها – مثل أجهزة الرقابة الإدارية أو اللجان البرلمانية المختصة – فضّل بعض الأطراف تسييس القضية وتضخيمها إعلامياً.
ووفق محللين، فإن تحويل الملفات الإدارية إلى حملات علنية يهدف غالباً إلى تحقيق مكاسب سياسية سريعة، وتشتيت الانتباه عن قضايا أخرى أكثر حساسية، وخلق ضغط على الحكومة لإجبارها على تقديم تنازلات.

تغيير التكتيك السياسي للتيار الأصولي
يوضح مراقبون أن هذا الأسلوب يعكس تحولاً في أدوات المواجهة لدى القوى الأصولية. فبعد أن تراجعت جدوى أدوات مثل الاستجوابات البرلمانية أو مقترحات الإقالة، اتجه الخطاب إلى الضغط الإعلامي وإثارة الرأي العام باعتباره وسيلة أقل كلفة وأكثر تأثيراً.
الهدف – وفق هؤلاء – ليس تصحيح الأداء الإداري، بل تقليص شرعية دور الجهاز الإعلامي للدولة وتقليل قدرته على التواصل الفعّال مع المجتمع.
رد مجلس الإعلام الحكومي: الحفاظ على الوحدة المقدسة أولوية
في خضم هذه الهجمات، خرج رئيس مجلس الإعلام الحكومي إلياس حضرتي ليوضّح موقف الحكومة قائلاً إن أهم قضية تسعى إليها الحكومة في الوقت الراهن هي تعزيز التلاحم الوطني والحفاظ على الوحدة والاتحاد المقدس، مؤكداً أن «أي موضوع يتعارض مع هذا الهدف أو يخلق تحديات في هذا المسار سيُستبعد بطبيعة الحال من جدول أعمال الحكومة».
وقال حضرتي في حديثه لوكالة «إيرنا» يوم الجمعة 16 آبان، إن الحكومة تركز جهودها على ترسيخ روح الوحدة والانسجام الوطني، داعياً أعضاء مجلس الشورى الإسلامي إلى توجيه أفكارهم نحو تعزيز التماسك الداخلي والابتعاد عن التصريحات التي تثير الانقسام.
وأضاف أن الدولة ماضية في متابعة الملفات الوطنية الكبرى – ومنها ملف الانضمام إلى مجموعة العمل المالي (FATF) – ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، مشيراً إلى أن «الحكومة تحترم كل الآراء داخل البرلمان، لكنها ترفض تحويل الخلافات الإدارية إلى معارك إعلامية تضر بالثقة العامة».
وردّا على بعض الانتقادات التي وُجهت للحكومة، قال حضرتي: “القول بأن القرارات الأخيرة جاءت متأخرة هو تصور خاطئ. صحيح أن البلاد تكبدت خسائر بسبب التأخير في بعض الملفات، لكن تنفيذها الآن ما زال يحقق المصلحة الوطنية”.
وختم مؤكداً أن الحفاظ على الوحدة المقدسة والانسجام الوطني هو أولوية الحكومة في كل الظروف، وأن الحكومة لن تنجر إلى سجالات سياسية تُضعف الجبهة الداخلية أو تمسّ بالثقة بين الدولة والمجتمع.

تداعيات الهجمات على الثقة العامة والأمن الإعلامي
يحذّر خبراء من أن استمرار الحملات غير المسؤولة ضد مؤسسات الدولة الإعلامية قد يؤدي إلى إضعاف منظومة الدفاع الإعلامي الوطني، وتشويه قنوات التواصل بين الدولة والمجتمع، وتآكل الثقة العامة وزيادة منسوب الشك والاضطراب، وتعميق الاستقطاب السياسي والإعلامي.
وفي ظل بيئة محمّلة بضغوط اقتصادية واجتماعية، فإن أي تراجع في الثقة قد ينعكس مباشرة على تماسك المجتمع وقدرته على التحمل.
وفي تصريح لصحيفة آرمان امروز، قال محمد رضائي فرد، أستاذ الإعلام والاتصال السياسي، إن استهداف المؤسسة الرسمية للإعلام ليس حادثاً عابراً، بل جزء من مشروع لإضعاف قدرة الدولة على صياغة روايتها في ظل حرب إعلامية مفتوحة.
وأضاف أنه عندما تتحول قضايا إدارية إلى فضائح إعلامية دون مراجعة فنية، تضيع الحقيقة وتُستبدل بسجالات سياسية، وهذا لا يخدم المصلحة الوطنية. وأكد أن الرد الأمثل على هذه الحملات هو الشفافية المهنية وتقديم المعلومات الدقيقة للرأي العام، لأن الصمت يترك المجال مفتوحاً أمام الشائعات.
ما الذي يمكن فعله؟
يقترح الخبراء جملة من الخطوات لاحتواء الأزمة وتعزيز الثقة وهي الالتزام بالمسارات القانونية في متابعة ملفات الفساد أو سوء الإدارة، وتعزيز الاحترافية والشفافية في عمل المؤسسات الإعلامية الحكومية، ودعم الإعلام المهني المستقل لضمان التوازن وتعددية المصادر، وتطوير ثقافة الحوار السياسي والابتعاد عن الشخصنة والاستقطاب.
إن الهجمات التي تستهدف مجلس الإعلام الحكومي لا يمكن النظر إليها فقط بوصفها خلافاً سياسياً عابراً، بل هي مؤشر على صراع أعمق حول إدارة الرواية العامة في البلاد.
وفي حال لم تُدَر هذه المواجهة عبر مؤسسات الرقابة والقانون وضمن مسارات مهنية، فإن تآكل الثقة العامة سيكون الثمن الأكبر في ظرف لا يحتمل فيه المجتمع مزيداً من الضغوط.
حماية مؤسسات الإعلام الرسمي والحفاظ على توازن المشهد الإعلامي ليست قضية حكومية فقط، بل قضية تتعلق بالأمن النفسي والاجتماعي للمجتمع بأسره.

