الرياضة والسياسة.. من يسيطر على أندية كرة القدم الإيرانية؟ 

لا تعد كرة القدم في إيران مجرد رياضة تمارس على العشب الأخضر، بل، مثلها كمثل أي شيء أخر في تلك الزاوية الملتهبة من العالم، ساحة نفوذ سياسي واقتصادي تتقاطع فيها مصالح الدولة ومراكز القوى والشارع في آن واحد، فمن مدرجات ملعب آزادي المزدحمة بالآلاف، إلى مكاتب وزارة الرياضة واللجان المالية وشركات الرعاية، تدار اللعبة الأكثر شعبية في البلاد كأداة تأثير تتجاوز حدود الرياضة.

وكالعديد من دوريات العالم، فيوجد ناديان فقط، برسيبوليس واستقلال طهران، يحتكران قلوب الملايين من الإيرانيين، لكنهما أيضا يجسدان علاقة معقدة بين الشعب والسلطة، فهما أندية جماهيرية في الشكل، حكومية في الجوهر، تعين إداراتهما بقرارات سياسية، وتمول ميزانياتهما من مؤسسات الدولة، وتستخدم جماهيرهما الضخمة كوسيلة لتوجيه المزاج العام أو امتصاص الغضب الشعبي في لحظات الأزمات.

وراء الهتافات والقمصان الحمراء والزرقاء، تتخفى شبكات نفوذ تمتد إلى وزارة الرياضة، الحرس الثوري، الشركات شبه الحكومية، والإعلام الرسمي، حيث تتحول عقود الرعاية وحقوق البث إلى أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي، دعونا ندخل إلى عمق تلك الشبكة، لنكشف كيف أصبحت كرة القدم في إيران واجهة للسلطة الناعمة، تستخدم لتلميع الصورة الداخلية والخارجية، وتغذية الولاء بدل المنافسة الحرة.

خلفية المشهد… كرة القدم كهوية وطنية وسياسية

في إيران، لم تكن كرة القدم يوما مجرد لعبة كما أسلفنا القول، فمنذ بدايات القرن العشرين، رافقت التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد، لتتحول تدريجيا من نشاط شعبي إلى أداة تعبير سياسي وطني، لكن هذا التحول لم يكن تلقائيا، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين الدين والسياسة والمجتمع، خاصة بعد الثورة عام 1979، حين وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام رياضة لا يمكن تجاهلها ولا تركها خارج السيطرة.

فقبل الثورة، كانت كرة القدم الإيرانية تعيش فترة ازدهار لافتة جعلت منها رمزا للحداثة والانفتاح الثقافي في البلاد، فقد كانت اللعبة الشعبية الأولى بلا منازع، تجمع الإيرانيين من مختلف الطبقات، وتعبر عن طموح جيل شاب يسعى إلى مجاراة العالم رياضيا وحضاريا، في تلك الحقبة، أنشئت أندية عريقة مثل بيرسيبوليس واستقلال طهران، المعروف آنذاك باسم تاج، وأصبحت الملاعب مسارح للتنافس الرياضي والاحتفاء بالهوية الوطنية.

Image

وتحت رعاية الشاه محمد رضا بهلوي، حظيت كرة القدم بدعم رسمي كبير، وتم استقدام مدربين أجانب وتطوير البنية التحتية الرياضية، بلغت الكرة الإيرانية ذروتها في السبعينيات حين حقق المنتخب الوطني ثلاث بطولات متتالية لكأس آسيا أعوام 1968، 1972، 1976، وتأهل لأول مرة إلى كأس العالم في الأرجنتين عام 1978، في إنجاز يعتبر تتويجا لعصر ذهبي.

Image

كانت تلك الفترة أيضا مرآة للتأثر بالغرب، سواء في أسلوب اللعب أو في إدارة الأندية والإعلام الرياضي. غير أن هذه الصورة اللامعة سرعان ما تبددت مع اندلاع الثورة، التي غيرت مسار الرياضة تماما، وحولت ملاعب الكرة إلى ساحة جديدة لصراع الهوية بين ماض منفتح وحاضر أكثر تحفظا.

ففي الأيام الأولى للثورة، نظر رجال الدين بعين الريبة إلى كرة القدم، فقد رأى بعضهم فيها مظهرا من مظاهر الترف الغربي، واعتبروها نشاطا يلهي الشباب عن الجهاد والبناء الثوري، لكن سرعان ما أدرك النظام الوليد أن هذه اللعبة، التي تجمع مئات الآلاف في الملاعب وملايين أمام الشاشات، يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتعبئة الجماهيرية بدلا من كونها تهديدا، فبدأت محاولات ما اسماه البعض أسلمة الرياضة، من خلال ضبط سلوك اللاعبين، وتغيير الشعارات، وحتى اختيار المعلقين الرياضيين وفق معايير دينية وأخلاقية.

Image

وخلال الثمانينيات، ومع انشغال البلاد بالحرب العراقية الإيرانية، تراجعت كرة القدم إلى الهامش، لكنها لم تختف، فقد استخدمت المباريات المحلية والبطولات القارية لرفع الروح المعنوية وتأكيد فكرة الصمود، وفي تلك السنوات، بدأ الخطاب الرسمي يتحدث عن الرياضة الثورية التي تخدم قيم التضحية والانضباط، وهي مفردات مأخوذة من المعجم العسكري والديني في آن واحد.

مع نهاية الحرب وبداية التسعينيات، تغير المزاج العام في إيران، فبدأ المجتمع الذي أنهكته الحرب والقيود الدينية يبحث عن متنفس جماعي، وهنا عادت كرة القدم بقوة، لتصبح رمزا للوحدة الوطنية، فعندما تأهل المنتخب الإيراني إلى كأس العالم 1998، امتلأت الشوارع بملايين الإيرانيين يحتفلون بلا شعارات سياسية أو دينية، بل بالأعلام والفرح البسيط، كان ذلك أول مؤشر على أن كرة القدم أصبحت لغة وطنية يتحدث بها الجميع، رغم اختلافاتهم.

خلال هذه المرحلة، بدأ النظام يتعامل مع كرة القدم بوصفها أداة سياسية ناعمة، فالدولة التي تخشى التظاهر السياسي، سمحت بالتعبير الرياضي، لأنها قادرة على ضبطه ضمن حدود الملعب، صارت المباريات الكبيرة، مثل ديربي طهران بين بيرسيبوليس واستقلال، مساحة منظمة للتنفيس الشعبي، تتيح للناس الصراخ والهتاف دون أن يهددوا النظام مباشرة، حتى الهتافات الساخرة أو الانتقادية وجدت طريقها إلى المدرجات، لكنها بقيت ضمن اللعب المسموح به.

Image

كذلك، فقد أدركت السلطات أن السيطرة على الأندية تعني السيطرة على المشاعر العامة، فمع كل انتصار أو هزيمة، يتغير المزاج الشعبي، وهو ما جعل الدولة تعتبر كرة القدم أداة لتوجيه الانفعالات الاجتماعية، ففي فترات الأزمات الاقتصادية أو الاحتجاجات، تكثف تغطية المباريات ويُضخّ الدعم الإعلامي للمنتخب أو للأندية الجماهيرية، وكأن الملعب أصبح ساحة بديلة عن الشارع.

في المقابل، تطورت علاقة رجال الدين بكرة القدم من الرفض إلى التبني الرمزي، فبعض الخطباء صاروا يستشهدون بالانضباط الرياضي كمثال على الالتزام الديني، في حين حضر مسؤولون كبار مباريات حاسمة أمام الكاميرات لتأكيد قربهم من الناس، وهكذا، اندمجت اللعبة تدريجيا في الخطاب الرسمي، لتصبح جزءا من مشروع بناء الهوية الوطنية بعد الثورة.

اليوم، لا يمكن فصل كرة القدم في إيران عن السياسة، لأنها باتت امتدادا لها، فهي الميدان الذي تختبر فيه علاقة الشعب بالدولة، حيث الولاء يقاس بالهتاف، والانتماء يقاس باللونين الأحمر والأزرق، إنها اللعبة التي حملت طموحات الناس، لكنها أيضا تحولت إلى مرآة تعكس حدود الحرية في المجتمع الإيراني.

ملكية الأندية… من الجمهور إلى الحكومة

في معظم دول العالم، تعني كلمة نادي مؤسسة مستقلة يديرها أعضاؤها وجماهيرها، أما في إيران، فالكلمة تحمل معنى مختلفا تماما، فالنادي ليس ملكا للجمهور، بل للدولة، وبدل أن يكون فضاء للتعبير الرياضي الحر، أصبح امتدادا لبيروقراطية سياسية واقتصادية معقدة. وهكذا، تحولت أكبر الأندية إلى رموز لهيمنة الحكومة على اللعبة لا لحرية الجماهير فيها.

منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وضعت الدولة يدها على مؤسسات المجتمع كافة، والرياضة لم تكن استثناء، فألغيت الجمعيات المستقلة، وأعيد تنظيم الأندية ضمن مظلة المنظمة العامة للرياضة، التي أصبحت لاحقا وزارة الرياضة والشباب، بموجب هذا الهيكل، اعتبرت الأندية الكبرى مؤسسات حكومية، يعين مدرائها العامون ومجالس إدارتها بقرارات رسمية، تماما كما تعين قيادات الشركات العامة أو الوزارات.

Image

نادي بيرسيبوليس، على سبيل المثال، الذي يعد الأكثر شعبية في البلاد، يتبع إداريا وماليا لوزارة الرياضة، وكذلك استقلال طهران، الذي عرف قبل الثورة باسم تاج ورمز إلى الطبقة الحاكمة آنذاك، وبعد الثورة، تغير الاسم، لكن تبعيته للدولة بقيت قائمة، فبدلا من أن تنتقل الملكية إلى الجماهير أو الشركات الخاصة، انتقلت ببساطة من القصر إلى الوزارة.

Image

وخلال العقود الماضية، أعلنت الحكومات الإيرانية مرارا نيتها خصخصة الأندية الكبرى، وطرحت مشاريع متكررة في البرلمان لبيع أسهم بيرسيبوليس واستقلال للجمهور أو للمستثمرين، لكن جميع تلك المحاولات فشلت أو جمدت في مراحلها الأولى، السبب المعلن كان عدم الجاهزية المالية، أما السبب الحقيقي فيكمن في تشابك المصالح السياسية التي تجعل من السيطرة على الأندية أداة نفوذ لا يمكن التفريط بها.

Image

وثائق رسمية نشرتها وكالة ارنا وعدة تقارير برلمانية تؤكد ان أكثر من 90٪ من ميزانيات الاندية تأتي من خزينة الدولة أو من مؤسسات شبه حكومية. حتى الشركات التي ترعى الاندية عادة ما تكون تابعة لبنوك حكومية او لشركات مقربة من الحرس الثوري، هذا يعني ان كل ريال يصرف على كرة القدم يمر عبر شبكة قرارات سياسية ما يجعل الاستقلال المالي مجرد شعار.
التحكم لا يتوقف عند التمويل، بل يشمل حتى تعيين رؤساء الاندية والمديرين التنفيذيين، فعندما تتبدل الحكومة تتبدل معها ادارات بيرسيبوليس واستقلال وكأنهما وزارتان صغيرتان ضمن هيكل السلطة، وغالبا ما تختار الشخصيات الادارية على اساس الولاء لا الخبرة الرياضية ما يؤدي الى دورات متكررة من الفشل الاداري والديون المتراكمة.

وحتى حين حاولت وزارة الرياضة تبرير استمرار ملكيتها للأندية استخدمت خطاب الحماية الوطنية، فقد صرح مسؤولون مرارا ان الخصخصة الكاملة قد تعرض الاندية للتأثيرات الاجنبية او لمصالح مشبوهة وهو تبرير يتكرر في مجالات اخرى من الاقتصاد الإيراني، لكن خلف هذا الخطاب الوطني تختفي الرغبة في الاحتفاظ بالأداة الأكثر تأثيرا في المزاج الشعبي.

Image

إن ملكية الدولة للأندية ليست مجرد قضية رياضية، بل مرآة لطبيعة النظام الاداري والسياسي في إيران حيث تدار المؤسسات الكبرى بعقلية مركزية صارمة، فبيرسيبوليس واستقلال ليسا مجرد فريقين متنافسين، بل شركتان حكوميتان ضخمتان لهما جماهير تقدر بالملايين لكنها لا تملك صوتا في ادارتهما او قراراتهما.

في النهاية بقيت الاندية الايرانية الكبرى رهينة معادلة معقدة شعبية جماهيرية بلا استقلال وملكية حكومية بلا كفاءة. وبينما تحولت كرة القدم عالميا الى صناعة ضخمة قائمة على الشفافية والاستثمار ما زالت في إيران تدار كملف سياسي حساس يخضع لموازين السلطة أكثر مما يخضع لقواعد الرياضة.

المال والسياسة… شبكة الرعاة والمصالح الخفية

لا يمكن الحديث عن كرة القدم الإيرانية بمعزل عن المال أو النفوذ، فالملاعب التي تضج بهتافات الجماهير تخفي وراءها شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية تديرها الدولة ومؤسساتها الأمنية والمالية، وعلى رأسها الحرس الثوري، هذا الجهاز الذي تجاوز منذ عقود حدوده العسكرية ليتحول إلى إمبراطورية اقتصادية تمتد من النفط والبناء والمصارف إلى الإعلام والرياضة، ليصبح لاعبا رئيسيا في رسم ملامح المشهد الكروي والمالي في البلاد.

بدأ نفوذ الحرس الثوري في الرياضة، وتحديدا في كرة القدم، بشكل غير مباشر في تسعينيات القرن الماضي، حين ظهرت شركات استثمارية تابعة لمؤسساته الخيرية والتجارية مثل خاتم الأنبياء ومؤسسة مهر اقتصاد، كانت تلك الشركات تتولى تنفيذ مشاريع ضخمة في مجالات البنية التحتية والمقاولات، بما في ذلك تطوير الملاعب والمنشآت الرياضية، ومع مرور الوقت تحولت هذه المشاريع إلى أدوات نفوذ اقتصادي تمنح الحرس حضورا قويا خلف ستار التنمية الرياضية. لكن الهدف لم يكن اقتصاديا فحسب، إذ سرعان ما أدركت القيادة العسكرية أن كرة القدم تمتلك قوة ناعمة هائلة وقدرة فريدة على توجيه الرأي العام، فالجماهير التي تملأ مدرجات ملعب آزادي ليست مجرد مشجعين، بل كتلة اجتماعية يمكن استثمارها سياسيا أو السيطرة عليها متى اقتضت الضرورة.

Image

من هنا بدأ الحرس الثوري نسج خيوطه داخل المؤسسات الرياضية والإعلامية عبر شبكات من الشركات الراعية والوسطاء الماليين، فعدد من الرعاة الرئيسيين لأندية بيرسيبوليس واستقلال طهران، وهما أكثر الأندية شعبية في البلاد، يدار فعليا من قبل مؤسسات قريبة من الحرس أو من رجال أعمال مرتبطين به، وتشير السجلات التجارية إلى أن بعض عقود الإعلانات وحقوق البث تمت عبر شركات تابعة لصناديق استثمارية شبه عسكرية تمتلك في الوقت نفسه مصالح في قطاعات النفط والاتصالات والطاقة، وبهذه الطريقة لم تعد كرة القدم نشاطا رياضيا بحتا، بل امتدادا لاقتصاد الدولة الأمني الذي يخلط بين السياسة والمال والسلطة.

Image

وإذا كان النفوذ العسكري قد تسلل إلى الرياضة من بوابة التنمية والمشاريع، فإن المال السياسي أحكم قبضته من بوابة الرعاية والإعلان، فمنذ مطلع الألفية الجديدة أصبحت عقود الرعاية في كرة القدم الإيرانية واحدة من أهم أدوات التمويل، وأيضا من أبرز مظاهر الفساد، فالأندية الكبرى لا تملك استقلالا ماليا حقيقيا، إذ تعتمد كليا على ما تمنحه الدولة أو ما تتيحه الشركات الراعية التي غالبا ما تكون مملوكة لمؤسسات حكومية أو مقربة منها، وهكذا يتحول الدعم المالي إلى وسيلة ولاء، فالنادي الذي يلتزم بخط الدولة ينال الرعاية السخية، بينما تقصى الأندية أو الشخصيات التي تظهر استقلالا نسبيا عن دوائر التمويل.

Image

في الظاهر تبدو العقود لامعة وضخمة، بمليارات التومانات، وتشمل حقوق البث والإعلانات على القمصان واستخدام الشعارات التجارية. لكن خلف هذه الواجهة الفخمة، يختبئ واقع قاتم من الغموض والصفقات الملتبسة، فبنود العقود لا تنشر علنا، والرقابة المالية شكلية، والمبالغ تدفع عبر أقساط غير معلنة أو حسابات وسيطة، فحتى ديوان المحاسبات الإيراني، وهو هيئة رقابية رسمية، أشار في تقاريره إلى ديون متراكمة على الأندية تتجاوز ملايين الدولارات، دون توضيح لمصادرها أو أوجه إنفاقها، وتكشف بعض التحقيقات أن جزءا من هذه الأموال جرى تدويره عبر شركات واجهة هدفها تبييض الأموال أو تحويلها إلى الخارج بطرق غير مشروعة، تحت غطاء صفقات انتقال وعمولات وساطة.

ولم يقتصر الأمر على الغموض المالي، بل امتد إلى شبهات فساد صريحة، فهناك عقود رعاية منحت لشركات لا تملك سجلا تجاريا واضحا أو ترتبط برجال أعمال محسوبين على مسؤولين سياسيين نافذين، كما تم التعاقد مع لاعبين بعقود خيالية لا تتناسب مع ميزانيات الأندية، ثم الاستغناء عنهم بعد أشهر قليلة مقابل تعويضات ضخمة تدفع من المال العام. هذه الممارسات، التي توصف محليا بالصفقات الرمادية، خلقت حلقة مغلقة من المصالح بين الإدارات الرياضية والوزارات والمؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري، بينما بقيت الجماهير والمشجعون مجرد متفرجين على لعبة تُدار في الخفاء.

الإعلام الرياضي بدوره جزء من هذه المنظومة، إذ تمول العديد من القنوات والبرامج التلفزيونية الكبرى التي تغطي مباريات الدوري بتمويل مباشر أو غير مباشر من مؤسسات تابعة للحرس أو للدولة، ما يسمح بتوجيه الخطاب العام وتحديد من يستضاف ومن يستبعد، وكيف تروى القصة للجمهور، وحين يخسر ناد كبير أو تنفجر أزمة مالية، تحمّل المسؤولية للمدرب أو اللاعبين، لا للإدارة أو الجهات التي تتحكم في العقود والرعاية. بهذا الشكل يتحول الإعلام إلى أداة دعائية تروج للنظام وتُبرئ مؤسساته، بينما تواصل عجلة الفساد الدوران.

Image

أما حقوق البث التلفزيوني، التي تمثل في معظم دول العالم المصدر الأول لدخل الأندية، فهي في إيران تحت سيطرة الحكومة، فالقنوات الرسمية وحدها مخولة بنقل المباريات، وتدفع مبالغ رمزية لا تعكس القيمة الحقيقية للسوق. وبهذا يبقى النادي رهينة تمويل الدولة، غير قادر على بناء قاعدة مالية مستقلة، في حين تغلق أبواب الاستثمار الحقيقي أمام القطاع الخاص الذي يخشى الدخول في مجال تتحكم فيه أجهزة الدولة والأمن.

ومع كل هذه التشابكات، تبرر مؤسسات الحرس الثوري مشاركتها في الاقتصاد الرياضي بأنها خدمة وطنية تهدف إلى دعم الأنشطة الشبابية وتعزيز الروح الوطنية، لكن خلف هذا التبرير الأخلاقي تختبئ شبكة مصالح اقتصادية ضخمة تتيح لهذه المؤسسة امتلاك نفوذ ناعم يعزز شرعيتها السياسية والاجتماعية. فبينما تراقب الحكومة الشارع بحذر، يراقب الحرس الثوري المدرجات والملاعب، مدركا أن المزاج الجماهيري يمكن أن يتحول في لحظة إلى موقف سياسي، وأن السيطرة على الكرة تعني السيطرة على الشارع.

في نهاية المطاف، تبدو كرة القدم الإيرانية نموذجا مصغرا لطبيعة النظام نفسه، حيث تتشابك السلطة مع الاقتصاد، والدين مع الإعلام، والرياضة مع الأمن. ليست ديون الأندية ولا سوء إدارتها مجرد نتيجة عشوائية، بل انعكاس مباشر لبنية تقوم على الولاء لا الكفاءة، وعلى التبعية لا الاستقلال، فكل عقد رعاية في إيران هو في جوهره صفقة ولاء سياسي، وكل صفقة انتقال تحمل في طياتها شبكة مصالح تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مكاتب القرار. وبينما يصفق الجمهور بحماس في المدرجات، تحسم المباريات الحقيقية في الكواليس، حيث لا يرفع علم أحمر أو أزرق، بل راية واحدة فقط، وهي الخاصة بالسلطة.

الجماهير والإعلام… ساحة التعبئة والسيطرة الناعمة

في بلد يضيق فيه المجال العام، تبقى الملاعب من المساحات القليلة التي يتجمع فيها الناس بحرية نسبية، فلا يقتصر حضور الجماهير على تشجيع فرقهم فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تعبير رمزي عن الموقف السياسي والاجتماعي، وهنا تحديدا تكمن أهمية كرة القدم بالنسبة للسلطة، فهي ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل أداة ضبط وتوجيه للمزاج الشعبي.

كما ذكرنا فقد أدرت السلطة منذ البداية أن الرياضة تشكل طاقة اجتماعية ضخمة يمكن تسخيرها لصالح النظام بدل مواجهتها، فبدلا من قمع هذا الحشد العاطفي، اختارت السلطة ترويضه إعلاميا وتنظيميا، فالمباريات الكبرى أصبحت أحداثا وطنية تبث بتغطية مكثفة عبر القنوات الرسمية، التي تحرص على توجيه الرسائل العامة بما يتماشى مع خطاب الدولة.

القنوات الرياضية الحكومية، وأشهرها قناة “الشبكه ۳”، لا تكتفي بعرض المباريات، بل تبني حولها سردية سياسية ناعمة، في التقارير والأستوديوهات التحليلية، يجري الربط بين الانتصارات الرياضية والإنجازات الوطنية، أو بين إخفاقات الفرق والظروف الاقتصادية التي تتحداها الأمة، بهذه الطريقة، تتحول كرة القدم إلى مسرح للخطاب الوطني الموجه.

Image

كما تستخدم الملاعب كمساحة منظمة لتفريغ الاحتقان الاجتماعي، ففي أوقات التوتر السياسي أو الاقتصادي، تقام مباريات جماهيرية أكبر، ويشجع الإعلام الرسمي على حضورها، في محاولة لصرف الانتباه عن الشارع إلى المدرج، وفي المقابل، تراقب الأجهزة الأمنية الهتافات واللافتات بدقة، خشية تحول الفرح إلى احتجاج، فالملاعب في إيران مزودة بأنظمة مراقبة متقدمة، وقوائم سوداء لمشجعين ممنوعين من الدخول بسبب سلوك غير منضبط، وهو تعبير فضفاض يشمل حتى الهتافات السياسية غير المعلنة.

Image

هذا فيما تكررت حالات قمع جماهير رفعت شعارات تتجاوز الرياضة، ففي بعض المباريات خلال السنوات الماضية، هتف المشجعون ضد الفساد أو غلاء المعيشة، لترد الشرطة باعتقالات جماعية أو إغلاق مدرجات كاملة، كما شهدت مباريات المنتخب الإيراني في الخارج احتجاجات رفع فيها المشجعون شعارات سياسية تضامنا مع المظاهرات داخل البلاد، ما أثار حرجا للنظام الذي يحاول دائما تقديم صورة موحدة للوطنية عبر الرياضة، من جهة أخرى، يستخدم الإعلام الرياضي لتلميع صورة الدولة والقيادة، فعند كل تأهل دولي أو فوز كبير، تخصص الصحف الرسمية برامج مطولة عن الروح الوطنية والدعم اللامحدود من القيادة، ويظهر اللاعبون في المقابلات امتنانهم للدعم الحكومي، في مشهد يبدو تلقائيا لكنه في الحقيقة يدار بعناية.

Image

ولأن الجماهير الإيرانية من الأكثر حماسة في المنطقة، أدركت السلطة أن التحكم بها يعني التحكم في نبض الشارع، لذا، يجري التعامل مع مشجعي بيرسيبوليس واستقلال ككتلتين جماهيريتين يمكن استدعاؤهما عند الحاجة، فخلال مناسبات سياسية أو دينية، تفتح الملاعب مجانا لاستضافة فعاليات جماهيرية، وترفع فيها شعارات وطنية ودينية تحت غطاء الرياضة.

Image

في المقابل، يجد الإعلام المستقل صعوبة في تغطية الأحداث الرياضية بموضوعية، فكل قناة أو موقع يظهر تعاطفا مع جماهير غاضبة أو ينتقد وزارة الرياضة يتعرض للتضييق أو المنع، وحتى الصحفيون الرياضيون يستدعون للتحقيق إن استخدموا عبارات توحي بانتقاد الخط العام.

إن العلاقة بين الدولة والجماهير الرياضية في إيران تجسد نموذج السيطرة الناعمة، فالسلطة لا تمنع التشجيع، لكنها تحدد مساره، ولا تحظر الهتاف، لكنها تراقب معناه، وبينما يظن المشجع أنه يفرغ غضبه على المدرجات، تكون السلطة قد أحكمت قبضتها على أكثر ساحات التعبير الشعبي صدقا وعفوية.

البعد الدولي… صورة إيران من خلال كرة القدم

لم تعد كرة القدم في إيران مجرد شأن محلي، بل تحولت إلى منصة دبلوماسية تستخدم لتشكيل صورة الدولة في الخارج، فمع كل مشاركة للمنتخب الإيراني في بطولة قارية أو كأس عالم، تدرك السلطات أن أنظار العالم تتجه نحوها، وأن المستطيل الأخضر يمكن أن يصبح ساحة لتلميع الصورة أو لتفجير الجدل السياسي، وفي هذا التوازن الدقيق بين الرياضة والسياسة، وجدت إيران نفسها تسير على خيط رفيع يفصل بين الدبلوماسية الناعمة والرقابة الصارمة.

منذ الثمانينيات، تعاملت إيران مع المنتخبات الوطنية باعتبارها سفراء الثورة، فكل إنجاز رياضي يقدم داخليا بوصفه دليلا على تفوق النظام الإسلامي وقدرته على المنافسة رغم العقوبات والعزلة، وخلال مشاركات المنتخب في بطولات كأس العالم، من فرنسا 1998 إلى روسيا 2018، حرصت وسائل الإعلام الرسمية على تقديم كل مباراة كانتصار وطني يتجاوز حدود الرياضة، ووسيلة لإثبات الوجود الإيراني على الساحة الدولية.

Image

لكن هذه الصورة لم تكن دائما وردية، ففي كل مناسبة رياضية كبرى، يظهر التوتر بين الرغبة في الانفتاح على العالم والخشية من أن تتحول الملاعب إلى منابر سياسية. فخلال كأس العالم 2006 في ألمانيا، رصدت لافتات رفعها مشجعون إيرانيون ضد القمع السياسي في الداخل، وفي مونديال 2022 بقطر، خطف المنتخب الإيراني الأضواء عندما امتنع لاعبوه عن ترديد النشيد الوطني تضامنا مع الاحتجاجات الشعبية التي قامت بعد مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، كانت تلك اللحظة كاشفة، فحتى في لحظة البث المباشر أمام العالم، السياسة لا تفارق الملعب الإيراني.

تدرك الحكومة الإيرانية قوة الصورة، لذلك تسعى لتوظيف الرياضة في تحسين العلاقات الخارجية وتليين المواقف الدولية، فعند كل تأهل للمنتخب، يوجه الإعلام الرسمي لتسليط الضوء على الدعم الشعبي العابر للانقسامات، وعلى روح الانضباط الديني والوطني التي يتمتع بها اللاعبون، كما تستخدم استضافة البطولات الإقليمية الصغيرة لتأكيد جاهزية البنية التحتية وللترويج لإيران كبلد امن ومستقر، في محاولة لمعادلة الصورة التي يرسمها الغرب عنها كدولة مغلقة.

Image

ومع ذلك، تبقى هذه الدبلوماسية الرياضية محدودة بسبب القيود الأيديولوجية، فالعلاقات المتوترة مع بعض الدول، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، تنعكس مباشرة على الملاعب، فقد رفضت الأندية والمنتخبات الإيرانية مرارا مواجهة فرق إسرائيلية، ما أدى إلى عقوبات من الاتحاد الدولي، واتهامات بتسييس الرياضة، وتبرر طهران ذلك بأنه موقف مبدئي من الكيان الصهيوني، لكن في نظر المؤسسات الدولية، يظل هذا تسييسا ممنوعا يخالف روح الرياضة.

اللاعبون أنفسهم أصبحوا في كثير من الأحيان وجوها سياسية رغم إرادتهم.، فنجوم مثل على كريمي ومهدي طارمي وعلى دائي تحولوا إلى رموز يتجاوز تأثيرهم حدود الرياضة، على كريمي، مثلا، واجه حملة تشويه وتهديد بعد إعلانه دعم الاحتجاجات الشعبية عام 2022، بينما وضع على دائي تحت المراقبة بسبب تصريحاته عن الحريات، وهكذا، يجد اللاعبون أنفسهم بين الولاء للنظام والوفاء لجماهيرهم، في معادلة لا تتيح هامشا واسعا للمناورة.

Image
Image
Image

من ناحية أخرى، تحرص الدولة على إبراز مشاركاتها الرياضية كدليل على الاعتدال والانفتاح، فبعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، جرى الترويج لمباريات المنتخب بوصفها رمزا لعودة إيران إلى المجتمع الدولي، وفي المناسبات الدبلوماسية، كثيرا ما تستخدم صور الفرق الوطنية في اللقاءات الرسمية أو الحملات الإعلامية لتأكيد أن إيران دولة تؤمن بالحوار والسلام عبر الرياض، إلا أن هذه الصورة اللامعة تخفي واقعا أكثر تعقيدا، فخلف شعارات الروح الرياضية والوحدة الوطنية، يبقى كل تفصيل رياضي خاضعا للرقابة والتوجيه، من تصاريح السفر إلى اختيار المدربين، كل شيء يراجع من قبل المؤسسات الأمنية والسياسية. وهكذا، تصبح كرة القدم أداة مزدوجة، واجهة للخارج، ووسيلة ضبط للداخل.

Image

في نهاية المطاف، تظل كرة القدم في إيران واحدة من أكثر أدوات القوة الناعمة استخداما وتناقضا في آن واحد، فهي تمنح الدولة نافذة تطل منها على العالم، لكنها أيضا تكشف للعالم حجم القيود داخلها، وبينما تهتف الجماهير باسم الوطن، يدرك المراقبون أن المباراة الحقيقية لا تلعب فقط في الملعب، بل في كواليس السياسة التي تحكم الرياضة منذ البداية.

كرة القدم كمرآة للمجتمع… بين الشغف والاحتجاج

في إيران، لا يمكن فصل كرة القدم عن المجتمع، لأنها أكثر من مجرد رياضة، إنها المرأة التي تعكس نبض الشارع ومزاج الناس وتناقضات السلطة، فعلى مدار العقود الماضية، تحولت الملاعب إلى مسرح تعبيري يجمع الفرح والاحتجاج، الإخلاص والغضب، الانتماء للوطن والرفض للنظام، في مشهد واحد لا يشبه أي مجال آخر.

مع تراجع النشاط الحزبي والنقابي في بداية الثورة، أصبحت كرة القدم المتنفس الجماعي الوحيد للإيرانيين، فبينما تقلصت مساحات الحوار السياسي في الجامعات والمجالس العامة، ظلت المدرجات تعج بالأصوات واللافتات. في ديربي طهران، لا تكون المنافسة مجرد مباراة، بل طقسا اجتماعيا يعكس الانقسام الطبقي والسياسي بين جماهير الفريقين، فالأحمر يرمز تاريخيا إلى الطبقة الشعبية، والأزرق إلى الطبقة الوسطى والموظفين، لكن المعنى تجاوز الألوان ليصبح رمزا لانقسام المجتمع بين المهمشين والموالين للسلطة.

Image

هذا الانقسام ليس بالضرورة سياسيا مباشرا، لكنه يعبر عن رؤية مختلفة للحياة والعدالة والانتماء، فالمشجع الذي يصرخ ضد التحكيم أو الإدارة لا يحتج فقط على كرة ضائعة، بل على شعور أعمق بالظلم والتهميش، ومن هنا، اكتسبت كرة القدم في إيران طابعا شبه سياسي، إذ باتت لغة بديلة للغضب الشعبي حين تغلق سائر اللغات.

خلال الأزمات الكبرى، يتضاعف هذا الدور، ففي فترات العقوبات والغلاء، تجد الجماهير في الملاعب فرصة للهرب من الواقع اليومي. لكنها أيضا لا تتردد في التعبير عن استيائها. الهتافات التي تبدأ بروح الدعابة قد تنتهي كرسائل احتجاج مبطنة، واللافتات الرياضية كثيرا ما تحمل إشارات رمزية يصعب تجاهلها، السلطات، من جانبها، تدرك ذلك جيدا، فتعمد إلى ضبط الإيقاع الجماهيري عبر الرقابة والتواجد الأمني المكثف، في محاولة للحفاظ على الاحتفال المنضبط.

Image

قصص كثيرة تحكيكيف أصبح الملعب ساحة احتجاج. ففي إحدى مباريات 2019، رفع مشجعون لافتات تطالب بالعدالة الاقتصادية، قبل أن تسحب اللافتات ويعتقل عدد من الشباب، وفي مباراة أخرى بعد مقتل الشابة مهسا أميني عام 2022، هتف الجمهور في ملعب أصفهان ضد القمع، فتم إخلاء المدرجات وإلغاء المباراة. حتى اللاعبين لم يسلموا، إذ تعرض بعضهم للتحقيق أو الإيقاف لمجرد الإيماء بتضامن رمزي مع الاحتجاجات.

رغم ذلك، تبقى السياسة حاضرة حتى في لحظات الفرح. فبينما يحتفل الناس بعفوية، يسارع الإعلام الرسمي إلى تأطير الانتصار داخل الخطاب الوطني، مؤكدا أن الفوز ثمرة روح الثورة والإيمان. في المقابل، يرى جزء من الجمهور أن المنتخب يمثل الشعب أكثر من النظام، وأن كل هدف يسجل هو انتصار للناس لا للسلطة. هذا التباين في المعاني يجعل كرة القدم ساحة رمزية للصراع الهادئ بين الطرفين.

Image

الأمر اللافت أن الجيل الشاب، الذي يعيش انفصاله عن السياسة الرسمية، يجد في كرة القدم مساحة جديدة للانتماء، فهؤلاء لا يهتمون بالشعارات، بل بالتجربة الجماعية، بالألوان والأهازيج والتحدي، بالنسبة لهم، المدرج هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه أن يكونوا نحن دون خوف. ومن هنا، اكتسبت كرة القدم وظيفة اجتماعية أعمق، تعويض غياب المجال العام، وإبقاء فكرة الجماعة حية في مجتمع منقسم.

عندما تتكلم الجماهير بلغة السياسة

تظهر التجربة الإيرانية أن كرة القدم لم تعد مجرد رياضة جماهيرية، بل أصبحت أداة سياسية واجتماعية بامتياز، فمنذ الثورة وحتى اليوم، ظلت اللعبة مرتبطة بالسلطة على نحو وثيق، تدار من المؤسسات الحكومية، وتمول من المال العام، وتستخدم في تشكيل المزاج الشعبي أو توجيهه، وهكذا، لم يعد الملعب مساحة تنافس رياضي فحسب، بل مختبرا سياسيا تختبر فيه علاقة الدولة بمواطنيها.

لقد نجحت السلطة في تحويل الشغف الشعبي بالكرة إلى وسيلة سيطرة ناعمة، عبر تملك الأندية، والتحكم في الإعلام، واحتواء الجماهير داخل حدود الانفعال المسموح، فبينما تبدو الهتافات صاخبة، يبقى مضمونها محكوما بسقف غير معلن، لا يتجاوزه أحد دون ثمن، ومع ذلك، أثبتت الأحداث أن هذا السقف هش، وأن لحظة الفرح يمكن أن تنقلب إلى احتجاج رمزي يعبر فيه الناس عن رفضهم للفساد أو القمع، ولو بعبارات مبطنة.

كلمات مفتاحية: