- زاد إيران - المحرر
- 681 Views
كتب: الترجمان
لا تعتبر الترجمة السياسية نقلا محايدا للألفاظ فقط، لكنها عملية جراحية دقيقة في جسد النص. تغيِّر فيها أداة واحدة وأنت تظن أنها بلا قيمة، فإذا بك تقلب المعنى رأسا على عقب.
ذات يوم، في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران”، وصلني تقرير مترجم عن وكالة إيرانية رسمية، وكان العنوان يقول: “القيادة تُصدر بيانا حول الأوضاع الاقتصادية”.
العبارة بدت مألوفة، بل شائعة إلى حد الاعتياد. لكن شيئا ما كان خاطئا. ليست المشكلة في الصياغة، بل فيما توحي به الكلمة.

في السياسة العربية، كلمة “القيادة” يمكن أن تعني كل شيء ولا شيء:
قد تعني قيادة الجيش، أو قيادة الحزب، أو حتى “القيادة السياسية” كاصطلاح عام غير مُعرَّف.
لكن في النص الفارسي الأصلي كانت العبارة: “بیانیه دفتر رهبری”. وهنا يتغير كل شيء.
رهبری في النظام السياسي الإيراني لا تعني “القيادة” بالمعنى العام، إنها منصب دستوري محدد يعني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما يرتبط به من مؤسسات، وأحكام، وصلاحيات.
إن ترجمتها إلى “القيادة” تختزل موقعا سياسيا هو الأعلى في هرم الجمهورية الإسلامية في إيران، وتجعله يبدو كأنه لجنة استشارية أو مجلس تنسيقي.
استدعيت المترجم وسألته:
– لماذا استخدمت كلمة “القيادة” بدل “مكتب المرشد الأعلى”؟
ابتسم بثقة تشبه تلك التي يبتسم بها الطالب عندما يظن أنه فهم السؤال:
– لأنها الترجمة التي يستخدمها الجميع.
وهنا كانت المشكلة، فالعادة ليست دائما معرفة، والشيوع لا يصنع الدقة.
في إيران كلمة “رهبری” ليست وصفا، وليست صفة، وليست مجرد قيادة سياسية عامة. إنها مؤسسة دستورية على رأس النظام.
وبالتالي فالترجمة الصحيحة لـ “بیانیه دفتر رهبری” هي “بيان صادر عن مكتب المرشد الأعلى” وليس بيانا من القيادة بشأن…
الترجمة الخاطئة هنا لا تُضعف المعنى فقط، بل تُبدّل شكل النظام السياسي أمام القارئ العربي. فحين يقرأ العربي “القيادة تنتقد”، قد يتصور قيادة الجيش أو قيادة الحزب أو قيادة الحكومة. أما الإيراني، فيقرأ أن المرشد نفسه – أعلى سلطة – قد تكلَّم.
تخيل لو أن صحيفة إيرانية ترجمت بيان الأزهر إلى “بيان من القيادة الدينية المصرية”، أو ترجمت تصريح الملك في المغرب إلى “تصريح القيادة المغربية”. سيفهم القارئ شيئا آخر تماما.
اللغة في السياسة ليست وصفا؛ إنها رسم الخرائط، وإذا رسمت الخريطة خطأ واحدا في غير موضعه، أضعت المدن كلّها. لهذا قلت يومها لزميلي:
إن كلمة “رهبری” في إيران ليست مجرد صفة أو معنى لغوي يشير إلى “القيادة” بشكل عام، بل هي اسم مؤسسة سياسية محدّدة، لها موقع دستوري، وصلاحيات واسعة، وعلى رأسها المرشد الأعلى.
ولذلك، إذا قام المترجم بترجمتها إلى كلمة عامة مثل “القيادة”، فهو يذيب ثقل المؤسسة في عبارة عابرة، ويُفرّغها من دلالتها السياسية الفعلية.
وإلى اللقاء في سقطة لغوية جديدة قد تُسقط معها حكومة أو تُقيم نظاما من حيث لا نريد.

