“مقامرة ظريف” في مهب الريح.. مبادرة لإعادة صياغة التوازن بين طهران وواشنطن

كتب: الترجمان

وسط غبار المعارك التي لم تهدأ وتيرتها في الداخل الإيراني وعلى تخوم الإقليم، وفي توقيت مفصلي يتسم بالسيولة العسكرية والجمود الدبلوماسي، خرج محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق والمنظر الدبلوماسي البارز، بمبادرة سياسية متكاملة عبر مقال مطول في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية. 

لم تكن هذه المبادرة مجرد استعراض للأفكار، بل مثلت “صدمة كهربائية” في جسد السياسة الإيرانية التي تعيش حالة من الاستقطاب الحاد بين منطق “الميدان” ومنطق “الدبلوماسية”. 

يطرح ظريف في جوهر رؤيته أن الصمود البطولي الذي أظهره الشعب الإيراني والمؤسسات العسكرية أمام حملات القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثفة، يجب ألا يُستنزف في حرب استنزاف لا نهاية لها، بل يجب استثماره كـ “رأس مال سياسي” لانتزاع اعتراف دولي بمكانة إيران وإنهاء عقود من العداء الوجودي الذي كبل التنمية الوطنية.

Image

جغرافيا المبادرة: تحويل “مضيق هرمز” من ساحة اشتباك إلى شريان حياة

تنطلق رؤية ظريف من نقد لاذع للواقع الجغرافي والاقتصادي الذي تعيشه إيران، حيث يصف مضيق هرمز بأنه “المفارقة الكبرى”، فبينما يقع المضيق تحت السيادة والإشراف الإيراني المباشر. 

إلا أن طهران هي الطرف الأقل استفادة منه بسبب العقوبات الخانقة التي تمنعها من تصدير نفطها بحرية، مما خلق بيئة خصبة للفساد الداخلي وسود جيران “ناكرين للجميل” من عوائد هذا الممر الحيوي. 

يقترح ظريف في مبادرته تحولا دراماتيكيا يتمثل في ضمان إيران للعبور الآمن والمستمر لكافة السفن التجارية الدولية، مقابل رفع كامل للحظر المفروض على مبيعات النفط الإيراني وضمان عودة العوائد المالية بأمان. 

هذا الطرح يهدف بالدرجة الأولى إلى تجريد الولايات المتحدة من ذريعة “حماية الملاحة الدولية” التي تستخدمها لتبرير وجودها العسكري المكثف في المنطقة، ويضع الكرة في ملعب واشنطن لإثبات جديتها في استقرار أسعار الطاقة العالمية، محذرا في الوقت ذاته من أن استمرار الحصار الاقتصادي سيؤدي حتما إلى ردود فعل ميدانية قد تخرج عن السيطرة وتدمر البنية التحتية للطاقة في الإقليم بأكمله.

Image

المعادلة النووية الجديدة: تحالف دولي كبديل لسباق التسلح

في الشق التقني والأكثر حساسية، يقترح ظريف “صفقة نووية كبرى” تتجاوز في بنودها اتفاق عام 2015 المتعثر. تتلخص الفكرة في قبول إيران بقيود صارمة ومستدامة على برنامجها النووي، تشمل تخفيف كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب ليكون أقل من نسبة 3.67%، وتفعيل البروتوكول الإضافي لمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات تفتيش واسعة ودائمة. 

لكن الجديد والمثير للجدل في طرح ظريف هو دعوته لإنشاء “تحالف دولي” لتخصيب الوقود النووي على الأراضي الإيرانية، بمشاركة تقنية ومالية من روسيا والصين والولايات المتحدة ودول الخليج. 

هذا المقترح يسعى لتحويل البرنامج النووي من “أزمة أمنية” إلى “مشروع اقتصادي إقليمي” مشترك، يضمن حق إيران في التكنولوجيا السلمية ويزيل مخاوف الغرب من التحول نحو السلاح النووي، معتبرا أن السلاح النووي الإسرائيلي لم يحمِ تل أبيب من الصواريخ والمسيرات الرخيصة، وبالتالي فإن الأمن القومي الإيراني يكمن في “رضا الناس وصمودهم” لا في امتلاك رؤوس نووية قد تجلب مزيدا من العدوان.

الداخل الإيراني بين نارين: اتهامات بالخيانة ودعوات للواقعية

لم تكد تفاصيل المبادرة تتسرب إلى الأوساط الصحفية في طهران حتى اندلع حريق سياسي لم تطفئه بيانات التوضيح. قاد الهجوم حسين شريعتمداري عبر صحفية “كيهان” الأصولية، واصفا ظريف بأنه “مترجم لمطالب الأعداء”، ومعتبرا أن التوقيت الذي اختاره ظريف يمثل طعنة في ظهر المقاتلين على الجبهات. 

يرى التيار الأصولي المتشدد أن الحديث عن “اتفاقية عدم اعتداء” مع واشنطن في ظل قصفها للمدن الإيرانية هو نوع من “الاستسلام المذل”، متسائلين كيف يمكن الوثوق بإدارة مزقت الاتفاقات السابقة وأرسلت “سماسرة عقارات” مثل كوشنر وويتكوف لإدارة ملفات جيوسياسية معقدة. 

هذه الهجمة لم تقتصر على النخب، بل امتدت لتشمل الحشود الشعبية التي تجمعت في الساحات رافعة شعارات ترفض أي مساومة وتطالب بالاستمرار في نهج المقاومة حتى “معاقبة المعتدي”، مما وضع ظريف وتياره “الاعتدالي” في زاوية ضيقة أمام الرأي العام الذي يعاني من ويلات الحرب ويبحث عن الكرامة الوطنية قبل أي شيء آخر.

Image

موقف “بيت الرئاسة”: الحذر الاستراتيجي وقراءة المشهد الأمريكي

على مستوى السلطة التنفيذية، جاء رد يوسف بزشكيان، نجل ومستشار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ليعكس حالة من “التوجس العقلاني”. بزشكيان لم يرفض المبادرة كليا، لكنه شكك في نية الطرف الأمريكي، مؤكداً أن واشنطن تحت إدارة ترامب لا تبحث عن “حلول وسط” بل عن “استسلام غير مشروط”. 

انتقد بزشكيان في كتاباته الأخيرة طبيعة التنازلات التي اقترحها ظريف، معتبرا إياها تنازلات “فورية وغير قابلة للرجوع” مقابل وعود أمريكية “هلامية وقابلة للنقض” عند أول تغير في الإدارة أو المزاج السياسي في البيت الأبيض. 

هذا الموقف يعبر عن تيار عريض داخل الدولة يرى أن الرد العسكري الرادع هو الوحيد الذي سيجبر الولايات المتحدة على التراجع، وأن أي مبادرة دبلوماسية يجب أن تُطرح فقط بعد تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنع العدو من التفكير في تكرار هجماته، محذرا من أن “الاستعجال في السلام” قد يغري المعتدي بطلب المزيد.

إليك عنوان فرعي وفقرة صياغتها مهنية تتناسب مع تقارير الأخبار أو التحليلات السياسية:

تأييد “آخوندي” لمبادرة ظريف: توازن بين الدبلوماسية والقوة

أشاد عباس آخوندي، وزير الطرق في حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، بمبادرة ظريف، واصفا مقترحاته لإنهاء الحرب بأنها “وطنية ومدبرة”.

وأكد آخوندي في منشور له على منصة “إكس” أن أهمية طرح ظريف تكمن في تبني استراتيجية الحل السياسي التدريجي، التي تضمن السعي نحو السلام مع الحفاظ -في الوقت ذاته- على الموقف الهجومي والقدرة الردعية لإيران في المنطقة.

Image

مطالبة باعتذار علني

في سياق ردود الفعل المعارضة، وجه المنشد الديني البارز سعيد حداديان “إنذارا” حاداً لمحمد جواد ظريف خلال تجمع عام، مطالبا إياه بالاعتذار الرسمي عن تصريحاته الأخيرة. 

ومنح حداديان وزير الخارجية الأسبق مهلة مدتها ثلاثة أيام للتراجع علنا عن مواقفه واستخدام عبارة “لقد أخطأت”، وهو ما يعكس حجم الاستقطاب والجدل الواسع الذي أحدثته مقترحات ظريف في الأوساط السياسية والدينية داخل إيران.

الصدى الإقليمي: رسالة “حمد بن جاسم” ومرارة الحلفاء

على الصعيد الإقليمي، أثارت المبادرة ردود فعل متباينة في العواصم العربية المحيطة، وكان أبرزها رسالة حمد بن جاسم، وزير خارجية قطر الأسبق، التي مزجت بين الإشادة بشجاعة ظريف والعتاب الصريح. 

أشار بن جاسم إلى أن دول المنطقة لم تكن طرفاً في قرار الحرب ولكنها أصبحت الطرف الأكثر تضررا منها، محذرا من أن استمرار الصراع قد أدى إلى “تآكل الثقة” التي بُنيت بصعوبة على مدار سنوات. 

تدعم رؤية بن جاسم ضرورة وجود “صوت عاقل من داخل إيران” يطرح مخارج للأزمة، مؤكداً أن الاستمرار في مسار الحرب هو “فرسایش” (استنزاف) للجميع دون استثناء. 

وتعزز هذه المواقف فكرة ظريف حول ضرورة دمج دول الجوار مثل السعودية والإمارات وتركيا ومصر في “مظلمة أمنية إقليمية” تنهي ارتهان أمن الخليج للقوى الخارجية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي الذي يشمل إعادة إعمار ما دمرته حرب عامي 2025 و2026، بتمويل أمريكي كجزء من جبر الضرر.

Image

صراع الإرادات بين صانعي السلام وقارعي الطبول

في نهاية المطاف، تظل مبادرة محمد جواد ظريف أكثر من مجرد خارطة طريق سياسية؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي في إيران على التكيف مع المتغيرات الدولية الكبرى. 

فبينما يرى فيها البعض “طوق نجاة” يحمي البلاد من الانزلاق نحو “عصر الحجر” الذي توعد به قادة الحرب في واشنطن، يراها آخرون “حصان طروادة” يهدف لتجريد إيران من أوراق قوتها الميدانية. 

إن الجدل الدائر حول المبادرة، من اتهامات “كيهان” القاسية إلى ترحيب عباس آخوندي الذي وصفها بـ “الوطنية والمدبرة”، يكشف أن المعركة الحقيقية لإيران قد لا تكون على الجبهات العسكرية فقط، بل في الغرف المغلقة حيث تُصنع القرارات المصيرية. 

وسيذكر التاريخ أن ظريف حاول، في ذروة القصف، أن يفتح كوة للنور في جدار اليأس، مراهنا على أن “بناة السلام” هم من يبقون في ذاكرة الشعوب، حتى لو صمتت أمام ضجيج السلاح في اللحظة الراهنة.

كلمات مفتاحية: