من المنبر إلى المنصات الرقمية… حكم بالسجن يعيد الجدل حول رجل دين إيراني سابق

Image

في مشهد يتقاطع فيه الديني بالسياسي، ويختلط فيه القانوني بالاجتماعي، تعود إحدى القضايا المثيرة للجدل إلى واجهة النقاش العام في إيران، قضية أعادت فتح ملفات قديمة حول حدود الخطاب، ومساحات الاختلاف، ودور المنصات الحديثة في إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والمؤسسة. وبين قراءات متباينة لما جرى، يبرز الحدث بوصفه مؤشرا على تحولات أعمق في المشهد العام، وتحولا في طبيعة الصدام بين السلطة والأصوات الخارجة عن السياق التقليدي، في واقع تتزايد فيه حساسية الكلمة وتأثيرها.

صدر حكم قضائي جديد بحق رجل الدين الإيراني السابق حسن آقا ميري يقضي بسجنه لمدة ثماني سنوات، في قضية أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات الدينية جدلا في إيران خلال العقد الأخير. الحكم، الذي أعلن عنه عبر منشور شخصي لآقا ميري على حسابه في إنستغرام، جاء تتويجا لمسار طويل من الصدام بينه وبين المؤسسات الرسمية، خصوصا بعد سنوات من الخطاب الديني المختلف، والنشاط المكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتقاد السياسات العامة بأسلوب غير مألوف في الوسط الديني التقليدي.

Image

فبحسب ما أورده موقع خبر فوري في تقريره الصادر الإثنين 26 يناير/ كانون الثاني 2026 فإن آقا ميري قد تلقى اتصالا رسميا لتبليغه بالحكم الصادر عن المحكمة الخاصة برجال الدين، والذي تضمن تفاصيل عقوبات متعددة أدرجت ضمن حكم واحد، هذا فيما شملت هذه العقوبات خمس سنوات سجنا تعزيريا بتهمة إهانة المقدسات، وسنتين بتهمة إهانة القيادة، إضافة إلى سنة واحدة بتهمة تشويش الرأي العام بقصد الإضرار بالنظام، فضلا عن منعه من إلقاء المحاضرات والخطب حضوريا وعبر الإنترنت لمدة سنتين، مع منحه مهلة شهر واحد لتقديم نقض على الحكم.

Image

هذا ويعد ذلك الحكم الأشد بحق آقا ميري منذ بدء قضاياه القضائية، إذ سبق أن صدر بحقه في عام 2018 حكم يقضي بخلعه الدائم من الزي الديني، إلى جانب سنتين سجنا مع وقف التنفيذ، وقد جرى تنفيذ ذلك الحكم فعليا في حينه، داخل مقر المحكمة، بعد أن أصر القاضي على خلع الزي أمام الحاضرين والسلطات، رافضا مقترحات بتنفيذ الإجراء خارج القاعة حفاظا على الكرامة، وفق ما نقل آنذاك.

Image

وفي منشوره الأخير، استخدم آقا ميري لغة عاطفية وحادة في آن واحد، واصفا الأجواء التي سبقت صدور الحكم بأنها مياه عكرة يستغلها البعض للصيد، في إشارة غير مباشرة إلى مناخ سياسي واجتماعي متوتر، معلنا بصراحة أنه لا ينوي الاعتراض على الحكم، ومعتبرا أن الأمر لم يعد يهمه شخصيا، وأن انشغاله الأساسي ينصب على ما وصفه بحال البلاد والشعب، لا على مصيره الفردي.

في حين لاحظ رواد السوشيال ميديا أن نص آقا ميري المرافق لإعلان الحكم جاء مؤكدا على البعد الإنساني والسياسي العام، إذ تحدث عن الألم المتراكم، وعن الدماء التي سالت، وعن الأمهات الثكالى، معتبرا أن جميع الضحايا إخوته وأخواته وبناته، على حسب تعبيره، ومؤكدا أنه حاول مرارا، ولو بقدر قطرة دم واحدة، تقليل الخسائر الإنسانية، الخطاب الذي وصف من قبل الكثيرين على أنه قد عزز لدى أنصاره صورة رجل الدين الناقد الذي يضع نفسه في مواجهة السلطة باسم الضمير الأخلاقي، فيما رآه خصومه استمرارا لاستراتيجية استدرار التعاطف الشعبي.

الجانب القانوني في الحكم… ما قصة المعمم السابق؟

من الناحية القانونية، استند الحكم إلى مجموعة اتهامات سبق توجيهها لآقا ميري في قضايا سابقة، وتتمحور حول إهانة المقدسات عبر التهكم وإثارة الشبهات حول الأحكام القطعية في الإسلام، والتشكيك في أصالة القرآن الكريم والقول بتحريفه، إضافة إلى نشر الأكاذيب وتشويش الرأي العام بما يؤدي إلى زعزعة عقائد الناس، وخصوصا فئة الشباب، كما شملت الاتهامات ارتكاب سلوكيات اعتبرت مخالفة لشؤون رجال الدين، بما يمس بهيبة المؤسسة الدينية.

هذا وتعود جذور الخلاف بين آقا ميري والمؤسسة الدينية الرسمية إلى سنوات ما قبل خلعه من الزي الديني، حين بدأت خطاباته تنتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما انستجرام وتلجرام الأكثر ارتياد من المراهقين والشباب الإيرانيين، وقد تميز أسلوبه بالجمع بين اللغة الدينية المبسطة، والنقد السياسي غير المباشر أحيانا، والصريح أحيانا أخرى، ما جعله يحظى بجمهور واسع من الشباب، في مقابل تصاعد حدة الانتقادات من التيارات المحافظة.

Image

وفي عام 2016، بلغ حضور آقا ميري الإعلامي ذروته حين اختارته مجلة همشهري جوان رجل الدين للعام، مشيرة إلى أنه شق طريقه إلى الشهرة بعيدا عن التلفزيون والمنابر الرسمية، واعتمد بدلا من ذلك على الفضاء الرقمي والتواصل المباشر مع الشباب، هذا التوصيف، الذي عد آنذاك إشادة، تحول لاحقا إلى أحد محاور النقد، إذ اتهمه معارضوه بالسعي إلى النجومية الرقمية على حساب الأعراف الدينية السائدة.

أبرز محطات الجدل في مسيرة آقا ميري، كانت بثوثه المباشرة مع شخصيات فنية وموسيقية معروفة، من بينها مطربات ومغنون مثيرون للجدل، وقد اعتبرت هذه اللقاءات تجاوزا للخطوط الحمراء في نظر التيار الأصولي الحوزوي، خصوصا حين تخللتها مقاطع غنائية أو نقاشات تتصل بحرية التعبير والفن، وذهب بعض منتقديه إلى اعتباره شيخا تلجراميا أو خطيبا إنستجراميا، على حد وصفهم، في توصيف يعكس حجم التحول في صورته العامة.

في المقابل، دافع آقا ميري مرارا عن حقه في اختيار وسيلة خطابه، مؤكدا أنه لا يتقاضى أي مخصصات مالية من الحوزة العلمية، ولا يخضع لتأمينها، وأن دخله الأساسي يأتي من أعمال خاصة، منها نشاطه كمستشار في شركة، فضلا عن مشاريعه التجارية، كما شدد على أنه لا يرى نفسه ممثلا للمؤسسة الدينية، بل فردا يعبر عن آرائه الشخصية، وأن صفحاته على وسائل التواصل لا تمثل صنفا من الناس أو طبقة معينة.

آراء خارج العمامة

على صعيد المواقف الفكرية، اشتهر آقا ميري بقراءات دينية اعتبرها أنصاره إنسانية ومتصالحة مع العصر، فيما رآها خصومه تأويلات غير منضبطة، فمن أكثر تصريحاته تداولا قوله إن أهل البيت جاؤوا ليكونوا مرآة للرحمة الإلهية، متسائلا عن منطق العذاب الأبدي في ضوء مواقف التسامح الواردة في سيرة أئمة المذهب الشيعي، ما طرح ردود فعل فقهية حادة.

لم يقتصر الجدل حول آقا ميري على القضايا الدينية البحتة، بل امتد إلى مواقفه السياسية والاجتماعية، ولا سيما تعليقاته على احتجاجات رفع أسعار الوقود، وتعاطيه مع قضايا الحجاب، وانتقاده اللافتات والشعارات الرسمية التي تربط السلوك الاجتماعي بالأفراد دون التطرق إلى مسؤولية الحاكم، وقد اعتبر أن تشابه الناس بحكامهم أبلغ من تشابههم بآبائهم، في إشارة مباشرة إلى دور السلطة في تشكيل الواقع الاجتماعي.

Image

ومع صدور الحكم الجديد بالسجن ثماني سنوات، انقسم الرأي العام مجددا حول شخصية آقا ميري، فبينما رأى أنصاره في الحكم دليلا على تضييق متزايد على الأصوات الدينية غير التقليدية، اعتبر معارضوه أن المسألة قانونية بحتة، وأن الشهرة الرقمية لا تمنح حصانة من المساءلة، وقد انعكس هذا الانقسام بوضوح على منصات التواصل، حيث تداخلت المواقف السياسية بالدينية، والشخصية بالمبدئية.

على أنه لا يمكن فصل هذا الحكم عن السياق الأوسع الذي تشهده إيران منذ سنوات، حيث بات الفضاء الرقمي ساحة رئيسية للتعبير الديني والسياسي، وبرزت شخصيات خارج الأطر التقليدية قادرة على مخاطبة جمهور واسع، وهو ما يطرح تحديات جديدة أمام المؤسسات الدينية والقانونية على حد سواء.

آقا ميري… نشأة طبيعية وتحول لافت

ولد حسن آقا ميري خوانساري في السابع من مارس/ آذار 1980 في طهران، ونشأ في أسرة متدينة، وكان لوالده، الذي عمل في الزراعة، دور مؤثر في تشكيل شخصيته، بحسب ما يذكر هو نفسه مرارا، فمنذ طفولته، ارتبط بالهيئات الدينية ومجالس العزاء، وبدأ شغفه بالمنبر والخطابة في سن مبكرة.

Image

في العام 1996، وهو في السابعة عشرة من عمره، التحق بالحوزة العلمية في قم، حيث تابع دراسته الدينية حتى نهاية مرحلة اللمعتين، وهي مرحلة دراسية فقهية أساسية في الحوزات العلمية الشيعية. وخلال سنوات دراسته الأولى، كان يشارك في نشاطات التبليغ الديني، متوجها إلى القرى في مواسم محرم وصفر ورمضان، قبل أن ينتقل لاحقا إلى إلقاء المحاضرات في الجامعات وبين صفوف الطلاب.

مع مرور الوقت، اكتسب خبرة واسعة في الخطابة، وتولى في عام 2009 إدارة منابر عدد من الهيئات الدينية في قم، غير أن التحول الأبرز في مسيرته جاء مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وجد فيها منصة بديلة للوصول إلى جمهور واسع، ونشر تسجيلات صوتية وبثوث مباشرة تناولت قضايا دينية وأخلاقية واجتماعية.

Image

على الصعيد الشخصي، فإن آقا ميري متزوج منذ عدة سنوات، وله ثلاثة أبناء، ولدان وبنت، ويؤكد في مقابلاته أنه يحرص على قضاء وقت طويل مع أسرته، ويمارس حياة يومية عادية، بعيدا عن الصورة النمطية لرجل الدي، وقد شدد مرارا على أنه لا يرى في الزي الديني قيمة بحد ذاته، معتبرًا أن الكرامة الحقيقية تكمن في السلوك الإنساني والتقوى.

Image

تختصر حكاية حسن آقا ميري مسار رجل دين اختار الخروج عن المألوف، فدفع ثمن ذلك صداما مستمرا مع المؤسسة، انتهى حتى الآن بحكم سجن، في مشهد يظل مفتوحا على احتمالات متعددة في ظل واقع إيراني شديد التعقيد والتقلب، وتساؤلات حول عدد من يلبسون العمامة ومستعدون للوقف في وجه المؤسسة.